طغى خبر الرفع الجزئي للعقوبات الأمريكية على السودان والتحليلات التي صاحبته عن تأثيراته الإيجابية، خاصة تجاه توسيع فرص الاستثمار، على خبر تفصيلي آخر حمله العام الجديد، وهو المتعلق بتقرير أعده خبراء للأمم المتحدة حول تقييم الوضع الحالي في إقليم دارفور.
ولأن قضية دارفور لا تقل في تداعياتها وآثارها أهمية عن موضوع العقوبات، حيث شكّل كلا العنوانين الإعاقة الأكبر لمسيرة انفتاح السودان ونهضته واضطلاعه بأدواره الإقليمية. لكل هذا أحببت أن أقف على ذلك التقرير الذي نشرت نتائجه أواسط يناير، والذي رغم بعض التحفظات عليه، يضع مشكلة دارفور في حجمها الحقيقي، كصراع بين السلطة المركزية ومجموعة متمردة، واحدة متمثلة في الفصيل الذي يطلق على نفسه اسم حركة جيش تحرير السودان الذي يقوده عبد الواحد النور، كما أنه، أي التقرير، يشير بوضوح لانحصار هذه المجموعة الواحدة ضمن منطقة صغيرة حول جبل مرة.
هذا التطور مهم فقد كانت عدة أطراف تحاول بشكل حثيث وعلى مدى سنوات تضخيم واستغلال الأحداث في دارفور بغية تحويلها لمبرر للتدخل في الشأن السوداني، بل إن هذه الأطراف نجحت، ولبعض الوقت بتنسيق مع منظمات مشبوهة وحركات مدعومة بالمال والإعلام، في نقل صورة مشوهة عما يحدث، بالإمعان في المبالغة بشكل اختزل اسم السودان، بمساحته وثقله الجغرافي والديمغرافي، في أزمة دارفور بحيث يرتبط ذكره بالحرب والنزاع وعدم الاستقرار. إحدى المراحل المهمة للأزمة كانت دخول التحالف الصهيوني الشهير «أنقذوا دارفور» بثقله على خط الدعاية التي قادت لوصف الحرب التي بدأت قبائلية بين سكان المنطقة بالإبادة الجماعية، وهو الوصف الذي تم التركيز عليه بعناية، وتكراره بشكل منهجي، من أجل استعادة ما حدث في رواندا من بشاعات. أكثر من ذلك وإمعاناً في التشويه عملت دوائر صهيونية على الربط بين هذه القضية ومحرقة اليهود من قبل النازية، ما شكّل استغلالاً خبيثاً لعواطف العامة، خاصة الأوروبيين المصابين حتى الآن بعقدة ذنب تاريخية تجاه تلك الأحداث.
أما هذه الحركة الوحيدة التي ذكرها التقرير فهي، وكما يظهر من اسمها ورسائلها، ليست معنية في المقام الأول بالمسألة الدارفورية أو بالنقاش لكيفية حل المشاكل التي يعاني منها سكان الإقليم، ولكنها تملك مشروعاً قد تكون كل علاقته بقضية دارفور، استغلالها من أجل الانتقال عبرها لتحقيق هدفه المتمثّل في التغيير الشامل للسو،دان من خلال إعادة الهيكلة لقواه العسكرية والمدنية، ولمؤسساته العاملة الحالية التي تفترض الحركة أنها جميعاً ارتبطت بالنظام.
ولد هذا المشروع قبل بروز أزمة دارفور الحالية، لكنه ترسّخ بشكل واضح في حقبة نظرية «الفوضى الخلاقة» الأمريكية التي بنيت على افتراض أثبت الواقع فشله، وهو أن كثرة الفوضى والتمادي في الهدم قد تقود لإعادة البناء بشكل أفضل بعد التخلص من رواسب الماضي. تتأسس ايديولوجيا هذه الحركة، وغيرها من الجماعات الصغيرة المتحالفة معها، على فكرة أن السودان ليس جزءاً من النطاق العربي والإسلام،ي وأن هذه الهوية الغالبة الآن قد فرضت عليه فرضاً بتأثير من حكامه. يشرح ذلك العداء غير المبرر للرموز الإسلامية، ومحاولة تفسير الأزمات السودانية على أساس أنها أزمات عرقية بين العرب وغيرهم، وهو ما يتماهى مع إرادة بعض الدوائر الغربية التي ظلت تحلم بعزل السودان عن محيطه، وهو الأمر الذي بدأ منذ أيام الاستعمار بظهور بعض الكتابات التي اعتبرت أن الأصل في الدولة السودانية هو الثقافة المسيحية وأن العرب والمسلمين ما هم إلا غزاة. كتابات مفتقرة للموضوعية كان أشهرها ما وضعه المستشرق ترمنجهام سبنسر في دراسته عن الإسلام في السودان. كأن المشروع الجديد هو امتداد لحلم سبنسر القديم، وإلا كيف يمكن تفسير إقحام قضية مثل التطبيع مع الكيان الصهيوني ضمن أجندات الحركة، التي لم تخجل من إعلان تواصلها مع قياداته ومن افتتاحها لمكتب لها داخل الأراضي المحتلة؟
يقودنا ذلك لفهم العلاقة الحميمة التي تربط عبد الواحد برفيقه الآخر ياسر عرمان، حيث يعمل الاثنان ضمن الدائرة ذاتها. أما عرمان فقد كان جزءاً من الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي قادها الجنوبي جون قرنق، والتي لم تكن تهدف، بعكس ما يشاع، لفصل الجنوب بل لتحرير السودان بمعنى تغيير هويته وإبدالها بهوية أفريقية تسيطر فيها العلمانية وتسطو فيها الأقليات، بشكل يجعل البلد نسخة من تلك الأقطار التي همّشت فيها بشكل تدريجي الغالبية المسلمة.
بعد فشل ذلك المشروع «التحرري» الذي قادته الحركة تبنت الأخيرة خيار الانفصال الذي حصلت عليه عام 2011 وهنا وجد عرمان وغيره من الرفاق غير الجنوبيين، الذين كانوا يراهنون على استمرار الحرب حتى تحقيق «التحرير»، أنفسهم في مهب الريح، ما دعاهم لإعلان مواصلة الحراك تحت اسم قطاع الشمال من الحركة، الذي تتشابه أهدافه وبياناته مع أهداف حركة عبد الواحد، خاصة التركيز على مفردة التحرير الغامضة.
الملاحظة المهمة التي لم يذكرها التقرير هي أن عبد الواحد قائد هذا «الجيش» مقيم في فرنسا منذ بداية الحرب التي أطلقها ضد الدولة، ورغم هذا فإن ذلك البلد الأوروبي لم يجد غضاضة في توفير الدعم والحماية له، رغم ما في ذلك من مخالفة للوائح اللجوء السياسي التي قد تسمح لك بحرية التعبير، ولكنها لن تسمح لك، في غير هذه الحالة، من العمل للتخطيط لأعمال عسكرية انطلاقاً من مقر إقامتك، وفي هذا من الدلائل ما لا يخفى.
نخلص إلى أن قضية دارفور تمت المتاجرة بها وتوظيفها بما يخدم أجندات ومشاريع أكبر من مجرد الانتصار لمواطنين مقهورين. هذه المشاريع تفسر الظواهر التي ارتبطت بهذه الحرب، من تجنيد وتدفق أسلحة نوعية، كما تفسر تداخل وتباين الأهداف من حل مشكلة داخل إطار جغرافي ضيق للطموح إلى تغيير بنية وهوية الدولة السودانية. نجد هنا أيضاً تفسيراً آخر لانشقاق المئات من المقاتلين عن هذه الحركات، ما جعلها الآن في أضعف حالاتها وألجأها، بحسب تقارير دولية، لتجنيد أطفال وقاصرين. التفسير الذي أعنيه هو إدراك أعداد متزايدة من المنخرطين تحت هذه القيادات، أن نضالهم ضل طريقه، وأن الأهداف التي يسعى إليها القادة حالياً ليست هي الأهداف ذاتها التي خرجوا للمطالبة بها. أما الدور الصهيوني فمثار شك، حيث يستبعد أي عاقل أن يكون ذلك التعاطف الحميم مع المسألة الدارفورية وتلك الدعاية المجانية التي وظفت لها اللوبيات اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا، أن يكون كل ذلك لوجه الإنسانية، فمتى كان الكيان الذي يرفض حتى هذه اللحظة مساواة اليهود بغيرهم إنسانياً؟
يقول المحلل السياسي السوداني عبد الله رزق، إن الثورة المسلحة من الريف كانت اتجاهاً تبنته بعض أجنحة الحزب الشيوعي في بداية الستينيات، مقابل الاتجاه الذي كان يتبنى التغيير السلمي الديمقراطي. هذا يعني أن الانطلاق من الحدود الشرقية أو الغربية كان من ضمن مخططات ثوار اليسار السوداني، وأن أولئك إنما كانوا ينتظرون فقط الفرصة المواتية بعدما تبين لهم استحالة التحول لخيار شعبي.
أما الآن فإن الظرف تغير، وعلى ما يبدو فإن الدول الداعمة للفوضى تأكدت أخيراً أن التلاعب بأمن دولة كبيرة ومترامية الأطراف كالسودان قد يجر المنطقة بأسرها إلى مصير مجهول. سيكون لهذا تأثيره بلا شك على تلك الحركات التي لم تكن سوى أدوات تم استغلالها لسنوات، وبات الآن واضحاً أن تاريخ صلاحيتها انتهى.
كاتب سوداني
د. مدى الفاتح