انحياز دول عدم الانحياز.. تفكيك تاريخي

مع اشتعال الحرب الباردة في بداية الخمسينيات، ونتيجة لمجموعة من الأسباب والصراعات الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية، ولد تجمع من الدول الخارجة من مظلة الاستعمار القديم، دول توزعت بين آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية أطلقت على نفسها اسم (حركة عدم الانحياز)، وسبب اختيار توصيف (حركة) وليس منظمة أو حلفا تقف وراءه مجموعة اسباب تتعلق بالتنظيم الإداري والالتزام بالمقررات التي سيتم الاتفاق عليها.
الشرارة التي اطلقت الحركة الوليدة كانت مؤتمر باندونغ في إندونيسا عام 1955 الذي حضره الآباء المؤسسون لهذه الحركة وهم، رئيس الدولة المضيفة سوكارنو والرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو ورئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو، كما حضر المؤتمر رؤساء 29 دولة من دول العالم الثالث. اليوم وبعد اكثر من ستة عقود وتغيرات أهمها، تفكك الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، هل حققت الحركة اهدافها المعلنة في خلق فرص تنمية في العالم الثالث، الذي دعته للوقوف على الحياد في عالم الحرب الباردة؟ وهل نجحت حركة عدم الانحياز في حل النزاعات الدولية التي نشبت بين الدول الاعضاء بالطرق السلمية؟ ولماذا غابت مفاهيم الديمقراطية والتعددية السياسية عن منفيستو الحركة؟
ولفهم ولادة حركة عدم الانحياز لابد من التعريف بالظروف الدولية التي صاحبت ولادة الحركة وظروف الدول المؤسسة لها، فقد بدأت التحالفات القديمة التي كان العالم يعيش في ظلها، أجواء الحرب العالمية الثانية، بالتفكك وولد العالم ثنائي القطبية، حيث بدأ الاحساس بالحاجة لاتخاذ موقف ينأى بالدول حديثة الاستقلال عن الصراع بين الكتلة الغربية والكتلة الشرقية، ومع ولادة اصطلاح العالم الاول والعالم الثاني الذي يشير إلى الولايات المتحدة وحلفائها، الذين سينتظمون في حلف الناتو، والاتحاد السوفييتي وحلفائه الذين انتظموا في حلف وارشو، بات من الضروري في رأي الآباء المؤسسين لحركة عدم الانحياز بلورة عالم ثالث يسعى إلى تطوير قدرات البلدان الخارجة توا من المرحلة الكولنيالية، بالاعتماد على النفس ومساعدة الاصدقاء دون التورط في الدخول باحلاف عسكرية قد تجر هذه الدول إلى ويلات حروب جديدة.
والمفارقة في الأمر أن الدول المؤسسة كانت قريبة أو محسوبة كدول حليفة للاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، سواء أكانت دولا شيوعية أو ذات نظم تتبنى نهجا لارأسماليا ذا خصوصية، فيوغوسلافيا يحكمها الحزب الشيوعي، وهي الدولة الوحيدة من دول اوروبا الشرقية التي لم تنظم لحلف وارشو، لكنها اعتبرت حليفا للاتحاد السوفييتي دون شك، رغم تمتعها بخصوصية تجربتها التي يجب أن تحترم. كذلك كان حال مصر الناصرية بعد 1955 وتحول بوصلة الجمهورية الحديثة من الغرب إلى الشرق، بعد أزمة ايقاف التمويل الامريكي لمشروع السد العالي، وما ترتب عليه من توجه للاتحاد السوفييتي، وإبرام صفقة الاسلحة التشيكية، التي عقدها نظام الضباط الاحرار الشباب مع موسكو، وما لحق ذلك من تعاون إستراتيجي متنام بدءا من بناء السد العالي، مرورا بالموقف من حرب العدوان الثلاثي عام 1956، وصولا إلى اعتماد القاهرة بشكل كامل على التسليح السوفييتي حتى منتصف السبعينيات. كذلك كان حال الهند في الخمسينيات مع توجهات الرئيس نهرو الاشتراكية الاجتماعية، التي تحاول أن توفر العدالة الاجتماعية المرتبطة بعلمانية الدولة لمجتمع يعيش أكثر من ثلثيه تحت خط الفقر والخارج توا من انفصال واحتراب ديني واقتطاع جزء مهم منه بانفصال باكستان على أساس ديني. وكذلك الحال في إندونيسيا الخارجة توا من الاحتلال الهولندي وتوجهات الرئيس سوكارنو الاشتراكية لبناء بلده. كذلك حضرت الصين مؤتمر باندونغ، حيث كانت تحظى بدعم سوفييتي منقطع النظير، في وقت سبق النزاع الصيني – السوفييتي وانعكاساته الدولية، وهكذا كان حال اغلب الدول المشاركة في المؤتمر.
ويجب أن نعيد قراءة المبادئ العشرة لمؤتمر باندونغ، ونحاول تفكيكها تاريخيا للوصول إلى واقع حال حركة عدم الانحياز وما أنجزته، حيث ينص المبدأ الاول على (احترام حقوق الإنسان الأساسية، وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة) بينما نجد أن الدول المؤسسة للحركة كانت ذات نظم حكم شمولية مثل يوغوسلافيا الشيوعية وكوبا الشيوعية والصين الشيوعية ومصر الناصرية واندونيسيا التي ارتكب نظامها جريمة إبادة مليون معارض للحكم، إبان حقبة الستينيات تحت ظل الرئيس سوهارتو، الذي تولى الحكم بعد سوكارنو. وكل دول الحركة كانت ترزح تحت حكم رؤساء مطلقي السلطة لا يؤمنون بالتداول السلمي للسلطة ويعتبرون انفسهم اصحاب الحق في رسم سياسات اوطانهم، بناء على رؤاهم التحررية حتى وان صب ذلك في خلق أنظمة ديكتاتورية.
والمبدأ الثاني من مبادئ الحركة (احترام سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها). كذلك كان المبدأ الرابع (عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو التعرض لها) بينما نجد أن اغلب دول حركة عدم الانحياز، إن لم نقل جميعها خاضت حروبا إقليمية مع جيرانها، أو دعمت حركات سياسية مسلحة وغير مسلحة في دول اخرى، بناء على اجندات ترسمها مواقفها السياسية، مثال ذلك، التدخل العسكري المصري في اليمن والجزائر والعراق ودول الخليج والعديد من دول افريقيا، تحت شعار دعم حركات التحرر في دول العالم الثالث. والحروب الهندية الباكستانية المتعددة الأسباب، والظروف التي وصلت إلى حافة الاحتراب النووي، ودعم كوبا للحركات الشيوعية في دول امريكا اللاتينية، ودعم ايران الملكية للتمرد الكردي في شمال العراق، ودعم اندونيسيا لحركات التمرد في جنوب شرق آسيا، وتدخلها الصريح في النزاع الكمبودي. ودوران يوغوسلافيا في فلك الاتحاد السوفييتي منفذة سياسته في الحرب الباردة، رغم كونها دولة غير منضوية في حلف وارشو.
كما أن المبدأ السادس ينص على (عدم استخدام أحلاف الدفاع الجماعية لتحقيق مصالح خاصة لأيّ من الدول الكبرى، وعدم قيام أي دولة بممارسة ضغوط على دول أخرى) بينما الكل يعرف ازمة الصواريخ النووية الروسية في كوبا، التي عرفت تاريخيا بأزمة خليج الخنازير، ومنظومات الدفاع الجوي من صواريخ وطائرات، التي كان يديرها الاتحاد السوفييتي في مصر الناصرية إبان النزاع مع الكيان الصهيوني في حقبة الستينيات، والقواعد الامريكية الموجودة في ايران الملكية، بل إن حلفاء استراتيجيين للولايات المتحدة مثل السعودية والبحرين كانوا اعضاء في حركة عدم الانحياز، كذلك التعاون العسكري القائم على وجود عسكري نوعي في العديد من دول الحركة، مثل الوجود السوفييتي في اليمن الجنوبي والصومال وإثيوبيا، بعد الانقلاب الشيوعي الذي اطاح بنظام الامبراطور هيلاسي لاسي، والوجود الامريكي في ايران، كل ذلك يمثل خرقا من دول الحركة للمبدأ السادس من مبادئ باندونغ.
من جهة اخرى تجدر الإشارة إلى الدور الذي لعبته حركة عدم الانحياز في تبنيها قضايا حركات التحرر في العالم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لكن الحقيقة أن الدعم كثيرا ما كان منصبا باتجاه دعم حركات يغلفها الاستقطاب الايديولوجي وليس دعما قائما على اسس المطالبة بوضوح بتطبيق قوانين الامم المتحدة، والضغط من خلال القنوات الرسمية في الامم المتحدة ومجلس الأمن، اذ لم نشهد سوى مواقف الشجب والتنديد، والدعم المعنوي لحقوق الشعب الفلسطيني في العودة، وايقاف عمليات الاحتلال الاسرائيلي لاراضيه، بينما كان باستطاعة الحركة تقديم الكثير من خلال القنوات الرسمية.
واخيرا فإن هنالك مبدأ مهم من مبادئ الحركة صيغ ضمن مبادئ مؤتمر باندونغ وهو (تعزيز المصالح المشتركة والتعاون المتبادل) والحقيقة كانت بعض الدول الغنية في الحركة تبذل بعض ثرواتها مثل العراق والجزائر وفنزويلا لبناء علاقات تعاون وتبادل خبرات مع دول الحركة الفقيرة، لكن حتى هذا الامر لم يصل إلى مستوى الفعل الحقيقي في تطوير بلدان دول العالم الثالث من الناحية التكنولوجية أو الزراعية والصناعية، وانما كانت هنالك مشاريع متناثرة تقوم على أساس تعاون الأنظمة الحاكمة مع دول الكتلة الاشتراكية، اذا كانت مؤمنة بالإيديولوجية الاشتراكية، أو تعتمد على بعض دول الغرب في مساعدتها في تطوير بناها الاجتماعية والاقتصادية، اذا كانت ليبرالية التوجه، لكن الامر لم يصل إلى حد بناء منظومات علمية قائمة على برامج تنمية مدروسة تحقق تطويرا لبلدان الحركة . والغريب في الامر أن حركة عدم الانحياز ما زالت مستمرة حتى بعد انتهاء الاستقطاب الثنائي، فما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه في تنمية دول الجنوب اليوم وهو بأمس الحاجة لهذه التنمية؟
كاتب عراقي

انحياز دول عدم الانحياز.. تفكيك تاريخي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية