القصة القصيرة جدا ومجسات تحبيك السرد فنيا

حجم الخط
5

ما كان لي ان أكتب عن هذا الموضوع لولا الاســـتطلاع الذي نشرته «القدس العربي» يوم 25 كانون الثاني/يناير 2017 وقد التقط كاتبه آراء كتاب عراقيين عن القصة القصيرة جدا، وهنا أقول إن للقصة القصيرة جدا في العراق هويتها التي لا يظفر الباحث بها إلا بعد طول نظر وتمعن في كتابات القصاصين الذين عرفوا بكتابتها، بعد أن تميزوا في كتابة فنون أخرى كالرواية والقصة القصيرة والشعر، مثل حنون مجيد وأحمد خلف وهيثم بهنام بردى وجابر محمد جابر وغيرهم.
ومعلوم أن الكتابة الإبداعية ليست عملية قياسية ولا افتراضية، بل هي منتجة لا تتم إلا بالتكنيك الذي به يشيد الحبك ويضبط بنائيا، فقد تنحاز بنائية القصة القصيرة جدا إلى الشكلية التراتبية على أساس تعاقب الأحداث وتتابعها ضمن سلسلة سردية واحدة كاملة أو صغرى، تتكون بحسب جيرالد برنس (عبر الانتقال من موقف معين إلى موقف ضدي) ومن ذلك قصة «دماء بيضاء» من مجموعة «مطر على رصيف الذاكرة» لجابر محمد جابر التي تشكلت من سلسلة سردية تتكون من فعلين ماضيين (نزلت) و(سقطت) ومنهما تتولد لحظة التأزم لتنفرج بالمفارقة «في منطقة اشتباكه مع القدر نزلت نقطة دم بيضاء على ظاهر يده وفجأة سقطت إلى الأعلى».
وقد تنحو القصة القصيرة جدا منحى البناء الفني ذا التأسيسية السردية التصاعدية التي تتضمن حدثا واحدا يبدأ بفعل ثم يتنامى كحبكة متصاعدة ليبزغ الحل من داخلها، كما في قصة «حجر غزة» من مجموعة «حجر غزة» لحنون مجيد 2014 التي تبدأ بالفعلين (كان/ يتبادلون) ثم يتصاعد هذان الفعلان في الختام «بينما كان الملوك والرؤساء العرب يتبادلون بمناسبة عيد الفطر المبارك أزكى التحيات وأحر التهاني بالسعادة ودوام الحكم، كان حجر البيوت المهدومة في غزة يتبادل التعازي». ويتصاعد السرد في قصة «الطفلة في العيد» من مجموعة «الخيانة العظمى» للكاتب نفسه بالاسترجاع (لم تعرف/ عرفت ذلك/ مزق / بكاء /نتأ / لم تستطع) لتكون المفارقة في الخاتمة أن (عمتها البائسة لا تعرف الخياطة).
وإذا كان هذان النمطان هما الأكثر اعتمادا في تأسيس البنية الشكلية للقصة القصيرة جدا فإن أعقد التأسيسات البنائية وأنضجها تلك التي تعتمد نمط البناء الدائري، وفق رؤية شكلية إجناسية مخصوصة كأن تبدأ من العنـــونة لتنتهي بها في إطار مدور لا يوحي بالانتهاء بقدر ما يوحي بالانفتاح على الآتي كتماشٍ جدلي مع دورة الكون ونظامه الزمني التعاقبي.
ومن أمثلة البناء الدائري لشكل القصة القصيرة جدا مجموعة «السلم» لحنون مجيد 2015 إذ نجد أن أسلوبية القص تقوم على تدوير السرد، بدءا من العنوان ومرورا بالمتن وانتهاء بالقفلة. وبما يجعل القصة دائرية في شكلها وموضوعها لتكون لحظة التوهج ناتجة عما بين العنونة والختام من التضاد أو المفارقة التي تشد القارئ إزاء ما كانت القصة قد ابتدأت به وما انتهت إليه. ولا وجود لسلسلة سردية من دون حبكة، وهي عادة ما تكون في القصة القصيرة جدا خاطفة، لكنها تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها الحبكة في الأجناس القصصية الأخرى، أعني البدء بالتوازن ثم تحطيم التوازن وإعادة التوازن. ويشرح جوناثان كلر في مقاله «تحديد الوحدات السردية» كيف تكون الحبكة ملخصة بالقول: «نستطيع أن نفعل ذلك بواسطة جملة واحدة أو بواسطة فقرة طويلة مفصلة هناك بكلمات أخرى تراتب لملخصات الحبكات الملائمة تبدأ من أكثرها إيجازا وتنتهي بأكثرها تفصيلا». وقد يقوم السرد ذو الشكل الدائري القصير جدا على حدث واحد يعمل على تأزم الشخصية ليدفع بها نحو التوهج، كما في قصة خرزة من مجموعة السلم التي تدور حول البحث «ابحث في أوراق قديمة لعلني أجد فيها شيئا أجد قصة قصيرة جدا كتبتها قبل عشر سنوات ونسيتها أفرح وأقول: حتى وأنت تبحث في التراب تجد خرزة ما».
وتنتهي القصة التي عنوانها «فزاعة» لهيثم بهنام من مجموعته «التماهي» باللفظة نفسها وبينهما أفعال ماضية تتشكل منها سلسلة سردية صغرى يحكي لحظة استرجاع الشخصية المسرودة لحكاية وليدها الذي فقدته في الانفجار، ثم تتصاعد وتيرة الحبكة فيها بالدهشة التي ألجمتها عن أن تواصل السرد فتختفي، وبذلك تنتهي القصة بما كانت قد ابتدأت به، وعلى مثل هذا التكنيك في معمارية البناء سارت قصص مجموعة «السلم» القصيرة جدا وهي (كل ما في الأمر/ أويلي/ أصوات الناس/ ربما/ وطن/ من/ لو أن لي/ قيامة الصبح/ استثناء/ لكنت/ مخيال/ سلامي/ الفارق المخيف/ المعادلة/ العيد/ خرائب بغداد).
واعتمدت مجموعة حنون مجيد «وردة لهذا الفطور» 2007 هذا البناء في قصص (أعطنيها / تعاقب الأحوال/ القطار/ السؤال/ حوت/ ما أفسد الدهر/ بما لا تشتهي السفن/ غراب/ إن شئت/ مقايضة الكاتب/ شيء كثير/ سراب/ رماد / للفقراء/ للبشر كذلك/ على هذا المنوال/ أي منهما أنت/ المحنة البشرية/ مغالبة/ حل/ وردة لهذا الفطور). وبنيت بعض قصص مجموعة «مطر على رصيف الذاكرة» لجابر محمد بناء دائريا مثل (نهر / ذاكرة معطوبة /أصدقاء /شاعر وعنوان). وتضمنت مجموعة «عصا الجنون» لأحمد خلف سبع قصص قصيرة جدا، ومنها قصة «كرة» التي اتخذت بناء دائريا فبدأت بالعنوان وانتهت به بصوت سارد يسترجع بضمير الأنا ذكريات طفل ليس في حياته من جوانب مشرقة سوى الكرة التي هي ليست كأي كرة، ليكون التوهج كامنا فيها وهكذا يختم السارد قصته بالعنوان نفسه وهو الكرة وهذا ما جعل معمارية بناء القصة دائرية.
وسارت مجموعة قصص «الخيانة العظمى» القصيرة جدا على مسار دائري يتخذ من العنوان والحدث الواحد مرتكزات تلتف حولها العناصر القصصية الأخرى لتتمرأى في وحدة قصصية واحدة تبدأ بحركية فعلية وتنتهي بها متصاعدة بالاسترجاع وبالتراتبية التي هي نفسها تعاقبية الحياة.
ويغلب على السلسلة السردية في هذه المجموعة الفعل الماضي باعتماد الاسترجاع. والسارد فيها إما عليم مقتحم، أو هو ذاتي يشارك في الحدث مستبطنا الدواخل، كما في قصة «دعه يغني» من مجموعة الخيانة العظمى التي تسرد بضمير الغــــياب وتستحضـــر لحظة باطنية تدور في خلد الأب عن ابنه وبلوغ الذروة هو الذي يعيد خط السرد إلى المبتدأ/ العنوان، وهو أن يدع الأب الابن في سعادة بالغناء لا بالشعر لأن في الأخير العذاب والهموم.
وقد تصطبغ الحبكة في البناء الدائري بصبغة زمنية ماضية أو مضارعة تجعل القصة القصيرة جدا تبدأ بالفعلية نفسها التي تنتهي بها كما في قصة «في مدى البحر» التي تبدأ بفعلية مضارعة (لم يتراء) وتختتم بها (يدفن نفسه) وهذا ما يجعل القصة ذات منحى درامي يوحي بالتحول والاستمرارية. وقد تصطبغ الحبكة الدائرية بصبغة مكانية تجعل الوصف بالجمل الإسمية مهيمنا على بنية المتن، كما في قصة «الفينيق» لهيثم بهنام التي تتكور لحظة التوهج فيها آتية من احتدام الحبكة بالأمكنة وأوصافها التي تحاصر الطفل وهو ينقل خطواته الأولى،
ولا يتضمن البناء القصصي القصير جدا حبكة، لكنه مع ذلك لا يخلو من التوهج الذي يحققه العنوان متعاضدا مع المتن، الذي هو عبارة عن جملة سردية أو جملتين أو ثلاث جمل توحي بزمانية ما، يسردهما سارد واحد في سلسلة سردية ليست محبوكة لكنها متوهجة. وقد يصبح المكان هو محور العملية القصصية متقدما على الزمان أو الحدث باستعمال الوصف بعين الكاميرا كتقانة فاعلة في هذه الحالة، تمنح المكان شعرية خاصة فتغدو القصة القصيرة جدا تشيئية، كما في قصة «ديوارانت» من مجموعة «التماهي» لهيثم بهنام التي تبنى من مجموعة جمل إسمية تجعل بؤرة السرد صفرية بلا وجهة نظر، وبوصف خارجي قار، وكأن القصة لوحة ترسمها عين الكاميرا «القامات تحمل كل ما يقع في أيديها الدواليب الفـــــولاذية المناضد نمـــــوذج للكرة الأرضية، تحف، صور معلقة على الجدران، الأيدي تتشابك في ما بينها في نزاع حول قطعة أثاث تصير في النهاية للبدن الأقوى».
وقد تؤازر العناصر القصصية الأخرى المكان وتدعمه بما يجعل الوصف مركبا، وقد يكون الوصف تصنيفيا فتتعدد الأمكنة داخل القصة الواحدة باستعمال سرد موضوعي بضمير الغياب من ذلك قصة «شناشيل» لحنون مجيد التي ترد فيها الأماكن (الموكب/الشارع/ البيت/القبو) أو يغدو الوصف تعبيريا يعكس يوميات مكان عادي وغير عادي لأن اللامعتاد فيه هو المعتاد. وهكذا تختلف حيثيات بناء الحبكة في القصة القصيرة جدا وتتباين مجسات توصيف آلياتها وإشكاليات مساراتها ومسوغات اشتغالها.

٭ كاتبة عراقية جنينٌ

القصة القصيرة جدا ومجسات تحبيك السرد فنيا

نادية هناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية