الحديث عن العلاقة بين التربية والتغير الاجتماعي حديث قديم وجديد في آن معاً، لأنّه حديث الرسالات السماوية والحضارات والشعوب والأمم كلّها، واليوم نحن بحاجة إلى أكثر من أي وقت مضى إلى دراسة هذه العلاقة وكشفها وتحليلها، فالتربية حجر الزاوية في بناء الجيل، وحسب المدخلات التربوية وعملياتها تتكوّن شخصية الفرد، وتكون مخرجاتها التي تلعب دوراً في صناعة واقع جديد يؤثّر في توجّهات المجتمع ومستقبله.
ويعود الكسل السياسي الفكري لدى الناشئة إلى عدم الإدراك العميق لواقع التطورات التي تمسّ العلاقات الدوليّة، والاعتقاد بسكون هذه العلاقات واستمرارها وفق معايير ومفاهيم وتصورات ثابتة، علماً أن إلقاء نظرة إلى تاريخ هذه العلاقات خلال القرن الأخير، يؤكّد أنّ المتحكم فيها التغيّر المستمر وفق مخطط المصالح الحقيقية للدول الكبرى التي تصنع القرار العالمي وتؤثّر فيه وتوجّهه، وفي الوقت ذاته تعمل جاهدة على التأقلم مع التغيرات التي لا تستطيع السيطرة عليها بشكل نهائي، لا سيما في ظلّ ارتفاع الدول الصاعدة التي تبحث عن مكان لها في المشهد السياسي الدولي كإيران وتركيا والبرازيل…
والمناهج التعليمية اليوم تعاني من هوة بين التنشئة الاجتماعية والتنشئة السياسية، فمن غير المقبول اقتحام القرن الحادي والعشرين بفلسفة سياسية ترجع للقرن الثامن عشر، ومؤسسات سياسية ترجع للقرن التاسع عشر، ونسق قرار قد يبدو ديمقراطياً، ولكنه صُمّم لعالم لم يعد موجوداً إلا في كراسات القانون الدستوري والقانون الدولي، ولعلّ هذه بعض الأسباب لتخلّف بنياتنا وأنساقنا العقلية، وعجزنا عن مواجهة التحديات التي تقابلنا وفهم الأحداث التي تعصف بنا منذ عقد أو اثنين من الزمن وتزداد خطورة شيئاً فشيئاً.
إنّ الوصول الى مرحلة التفوّق والريادة نحو العالمية والمنافسة الدولية يحتاج الى تفوّق معلوماتي، وأدواته الانطلاق من العلم الذي ترعاه التربية ودورها في التغير الاجتماعي وخلق الوعي السياسي، ولذلك لا بد من فهم لتوجهات الأحداث وهندسة العلاقات الدولية وقضايا المصلحة وميزان القوى والحرب والاقتصاد السياسي وقضايا اللاجئين والمهاجرين والبيئة، وكلّما تعمّقت الناحية التربوية وتأصّلت خلقت ثقافة جديدة في المجتمع تدفع إلى إحداث التغيير المطلوب، وتسهم في تعميق وتطوير الوعي الجمعي الذي يهدف إلى توعية الغالبية العظمى من المجتمع لتفهم حقوقها وتحمي حرياتها المدنية والفردية كافة.
ومن الواضح وجود ارتباط وثيق بين التنشئة الاجتماعية والتنشئة السياسية، وهما مختلفتان من وقت لآخر، لارتباطهما بثقافة المجتمع وطبيعة التغيرات التي تكتنفه كمّاً ونوعاً، ومدى النجاح في تلقينها للناشئة، وعلى المخططين وضع خطط دقيقة تواكب الواقع في أبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
إن التنشئة والثقافة السياسية جزء من وظيفة التربية، إنها التربية الداعية الى المواطنة الصالحة، وهي فكرة قديمة وليست بجديدة، جاءت على شكل أفكار وتصورات وتوجيهات، أشار «أفلاطون» في الجمهورية الفاضلة إلى قيمة التعليم في كونه أحد أعمدة الدولة الفاضلة في التنشئة السياسية، وكذلك «أرسطو» وجد في التربية مسؤولية في إعداد الجيل لكونها من واجبات الحاكم.
ويمكن الإفادة من جهود بعض المفكرين في مجال التنشئة السياسية كما جاء عند «هربرت» في أثناء دراسته لسيكولوجيا السلوك السياسي والانطلاق من المجتمع الذي يعدّ من أهمّ العوامل التي تؤثر في بناء المنهج من ناحية الإرث الثقافي وما يحمله من قيم ومعايير، وأهداف المجتمع التي يريد تحقيقها، وحاجات المجتمع ومشكلاته.
والثقافة السياسية تتمثل من خلال المحددات الآتية:
محدد معرفي: من خلال طبيعة المعلومات والمعارف ذات الطابع السياسي.
محدد عاطفي: ويتمثل في طبيعة العلاقات بين المواطنين والقادة والمؤسسات.
محدد تقييمي: ويتمثل في مختلف الأحكام والتقييمات التي يصدرها الأفراد على الظواهر والمؤسسات مع تسليمنا بأهمية الخبرات المبكرة في تشكيل شخصية الفرد بصورة عامة إلا أن ذلك لا يمنعنا من الاعتراف بالدور الإيجابي للفرد في تقبّل وتمثل الأحداث الخارجية، فالثقافة السياسية لا تنتقل من جيل لآخر كمسلمات، وإنما تتعرض لقدر من التغيير يعكس التغيير الاجتماعي.
وعمليات التطوّر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي تتطلّب تنمية مشتركة ومتوازنة، بشكل صحيح وقويم يساعد على التعايش الإيجابي، ومتى ما استطاعت قيادة المجتمع ووضع خطة استراتيجية تعليمية لأبنائها فإنها حتماً سوف تقطف ثمار التقدّم والتطوّر والازدهار، وهذا ما يثبت أن سلاح الدولة وأساسها مجتمع متعلّم مثقّف، وقراءة التاريخ تشير إلى دولٍ استطاعت بناء نهضتها وتطورها على أسس من العلم والمعرفة والبحث والتطوير وطرائق نقل العلوم والمعارف إلى أبنائها كالسويد وماليزيا.
ويمكن القول إنّ التنشئة السياسية عملية غرضية، تهدف إلى نقل الثقافة السياسية إلى المجتمع عبر الأجيال، وخلق ثقافة سياسية جديدة أو تعديل الثقافة السائدة أو تغييرها، وتمثل في الوقت نفسه أساساً بالنسبة لمتطلبات التنمية العامّة، والتنمية السياسية بوجه خاص، فهي تتأثّر بالتركيب الطبقي للنظام السياسي والنسق الأيديولوجي الذي يعكس مصالح الطبقة المسيطرة والسائدة، ومن ثم تحقيق أهدافها وتطلعاتها.