دونالد ترامب… أفكار كبيرة و مشاكل أكبر

حجم الخط
1

الرَّئيس الأمريكي دونالد جون ترامب – مواليد ضاحية كوينز في نيويورك عام 1946 وهو نَجْلٌ لفريد كريست ترامب صاحب شركة عقارات كبيرة أصلاً ـ أصبَحَ دونالد ترامب مليارديراً باذخَ الثَّراء، وهو مقدم برنامج تلفزيوني شهير، ومؤلِّفٌ وكاتبٌ أمريكيٌّ له العديد من المؤلَّفات في مجال الأعمال وإدارة شؤون المال.. « فَكِّرْ أكْبَرْ، وتفوَّق في مجال الأعمال والحياة « و«كيفَ تكونُ بطلاً ؟ « أو « كيفَ تُصْبِحُ غنيَّاً ؟» هذه أبرز مؤلَّفات الملياردير دونالد ترامب، صاحِبُ إحدى أكبر المجموعات العقاريَّة في الولايات المتَّحدة، ومديرٌ للعديدِ من مشاريع المنتجعات السِّياحيَّة والتَّرفيهيَّة التي تضم عشرات الكازينوهات ـ صافي أرباح مجموعة ترامب العقاريَّة كانت عام 2015 أربعة تريليونات دولار ـ وهو النَّجمُ التِّلفزيوني، ومقدم البرنامج الواقعي الشَّهير في الولايات المتحدة بعنوان « المُبْتَدِئ « في تلفزيون «إن بي سي» سابقاً، والرَّئيس الأمريكي الخامس والأربعون حاليَّاً.
أشهر العبارات التي تتكرَّر في مؤلَّفات ترامب هي: « فكِّرْ دائماً بطريقة كبيرة أو بطريقة أكبر» و « ادْخُل في صُلْبِ الموضوع «. وهذه العبارات نجدها متصلة بمفهوم الضَّخامة ذي الصلة الوثيقة بالثقافة الأمريكيَّة وبالوجدان الأمريكي، والمتجسِّد في الولايات المتَّحدة واقعاً مُعاشاً – ضخامة الطُّموحات الإمبراطوريَّة الكونيَّة عبر العوالم والفضاء، ضخامة الأساطيل الأمريكيَّة عبر البحار، ضخامة نشاطات وموازنات وكالة الفضاء ناسا، ضخامة إنتاج هوليود، ضخامة مؤسسات وشركات الإعلام، ضخامة الطُّرق والأبنية والمشاريع العقاريَّة، ضخامة الإنتاج الزِّراعي والصِّناعي والتكنولوجي والغذائي والطَّبي، ضخامة إنتاج المجمع العسكري الصناعي الأمريكي، ضخامة محرِّكات السَّيارات والشَّاحنات والطَّائرات العملاقة، ضخامة البلاد ذاتها، ضخامة أجساد الآباء المؤسِّسين كما يُسَمَّوْنَ في الولايات المتَّحدة، وهم أصلاً طلائعُ المهاجرين – الأنكلو ساكسون – إلى القارَّة الجديدة.
أفكار دونالد ترامب التي كان يطرحها عبر مؤلَّفاته، وقدَّمها عبر برامجه التلفزيونيَّة، هي إذنْ بنتُ بيئتها السُّوسْيُولوجيَّة والسَّيكولوجيَّة الأمريكيَّة أساساً.
« فكِّرْ بشكل أكبر، وادخل في صلب الموضوع «.
الفكرة الأولى ـ فَكِّرْ أكبرْ – تستدعي طرح رؤىً كبيرة واسعة في مَدَيَاتٍ رحبة تجاه أمورٍ كبيرة جدَّاً وضمن برامج جذريَّة شاملة عملاقة طموحة ـ ربَّما تتجاوز قدرة ترامب على الإحاطة بها ومعالجتها جميعاً عبر سنِّيِ ولايته المفترضة، كمواضيع المعالجة الجوهريَّة والجذريَّة للبطالة والنُّهوض الدَّراماتيكي الشَّامل بقضايا الضَّمان الاجتماعي والرِّعاية الصِّحيَّة، وتجاوز ارتدادات الأزمة الماليَّة وأزمة الرَّهن العقاري وأزمة المديونيَّة الفدراليَّة العميقة التي عصَفْت بالولايات المتِّحدة قبل سنواتٍ قليلة، عِوَضاً عن التَّصدي لشؤون ومشاكل موجات الهجرة عبر الحدود الأمريكيَّة ـ المكسيكيَّة تحديداً – وعبر حدود العوالم الأوروبيَّة، والَّتي جعلها ترامب إحدى هموم إدارته الأساسيَّة.
والفكرة الثَّانية ـ ادخل في صلب الموضوع ـ تتصل بمفهوم البَرِغْمَاتيَّة الأمريكيَّة المُمَيَّز، بمعنى إعطاء الأهميَّة الكبرى والأولويَّة القصوى للأفكار العمليَّة والواقعيَّة القابلة للتطبيق بغضِّ النظر عمَّا تفرضه المنظومات والقيم والمبادىء الأخلاقيَّة الخاصَّة حيال آليَّات تطبيقها. هذه المفاهيم والأفكار أصيلة في الثَّقافة والسُّوسْيُولوجيا الأمريكيَّة ـ مجموعة القواعد والنظم التي حكمت وتحكم تطور المجتمع الأمريكي ـ لكن دونالد ترامب يتناول هذه المفاهيم والأفكار ويحاول التركيز عليها بشكلٍ مُغامرٍ مُتسَرِّعٍ فَجٍّ كما هو بادٍ. وهو يبدو في الظَّاهر كما أنَّه يتعامل مع أمريكا والعالم كجزءٍ من إمبراطوريَّته العقاريَّة، ويُوحي كما لو أنَّه يريدُ إدارة أمور أمريكا والعالم بذاتِ منهجه في إدارة مؤسَّسَتِه العقاريَّة والتَّرفيهيَّة العملاقة، وفي إطار ذات الأفكار الإداريَّة التي يؤمن بها، ويؤمن ويثِقُ بأنَّها وراء نجاحه الكاسح في مجال الأعمال والمال !!.
يمكن ملاحظة ذلك من خلال نبرَتِه وطبيعة العبارات التي استخدمها في خطابِ تولِّيه للرئاسة، ومن خلال طبيعة التعيينات التي قام بها لتشكيل إدارته الجديدة، والتي تُوَاجَهُ بامتعاضٍ شديد من قبل الكونغرس والجمهور الأمريكي، وتمر بصعوبة عبر الكونغرِس وخاصَّة في ما يتعلَّق بتعيين الوزراء؛ إذْ من الضروري أن يمر تعيينهم عبر مناقشة الكونغرس لأهليَّتهم وكفاءَتهم المهنيَّة وعبر مصادقة الأخير عليها، كما يمكن ملاحظة ذلك من خلال ما يصدر عنه من أقوالٍ فَجَّة تجاه الدَّاخل الأمريكي والخارج الأوروبي والعوالم العربيَّة والإسلاميَّة واللَّاتينيَّة في جنوبِه ، ومن سلوكٍ انفعالي تجاه منافسيه وخصومه السِّياسيين.
لكن، لدى التَّمَعُّن بالمفاهيم التي أشار إليها في خطاب تولِّيه للرئاسة ـ على سبيل المثال – ذلك الخطاب الذي يمثل رؤيَةً والتزاماً يقدِّمه الرَّئيس لجمهوره ولجمهور الولايات المتَّحدة عموماً، ومع ما تضمَّنه من تعبيراتٍ تَشي بسيكولوجيَّة الإيمان العميق بالأفكار والأحلام والطُّموحات الكبيرة، إلَّا أنَّه تضمَّن علامة ودالَّة أساسيَّة بارزة هي: ضرورة التركيز على شؤون الدَّاخل الأمريكي، ومواصلة نهج تقليص النَّفقات في الخارج، وبمعنىً آخر، مزيداً من الانشغال في الدَّاخل مع انفعالٍ أقل في الخارج، وهو ما يعكس استمراراً لنهج الإدارة الدِّيمقراطيَّة المُغادرة ـ فثمَّة مشتركات عديدة وواضحة بين خطاب حالة الاتِّحاد الذي ألقاه باراك أوباما قبل أشهر وبين خطاب تولِّي ترامب – لكنَّ ترامب طرح الموضوع كعادته بشكلٍ دعائيٍّ وبانوراميٍّ أكبر وأضخم. وبالإجمال، يمكننا القول: مع أهميَّة ما يتمتَّع به كل رئيسٍ أمريكيٍّ جديدٍ من سماتٍ شخصيَّة وقناعاتٍ وأفكارٍ ورؤىً خاصَّةً به ومدى تأثير ذلك نسبيَّاً وقياسيَّاً وظرفيَّاً في مجمل السِّياسات الدَّاخليَّة والخارجيَّة الأمريكيَّة، إلَّا أنَّ الحقيقة التي تكاد تكون جوهريَّة وثابته مُتَّصِلة عموماً، هي حقيقة أنَّ آليَّة صنع السِّياسات ومؤدَّياتِها واتِّجاهاتها الاستراتيجيَّة في الولايات المتَّحدة كانت على الدَّوام وعبر خصوصيات كل مرحلة زمنيَّة وحقبة ـ وعلى الأغلب كانت تلك الحقب تمتد لفترة طويلة ـ تُحْكَمُ بمبادىءٍ عامَّة تمَّ إقرارها وإرساؤُها دستوريَّاً ضمن المناخ الدُّستوري والوزن النِّسبي للمؤسَّسات الدُّستوريَّة المؤثِّرة على قرارات الرَّئيس وتلك المؤسَّسات بطبيعة الحال تتمثل بالكونغرس بمجلسيه وبمؤسسات الأمن وبالمحكمة الدُّستوريَّة العليا وبطواقم البيت الأبيض الأكثر تخصُّصاً في مجال تقرير وإدارة وتوجيه السِّياسات، وقد حَمَلَتْ تلك المبادىء أسماءَ رؤساءٍ جرى تقريرها في عهدهم كمبدأ « مونرو « الرَّئيس الأمريكي الخامس عام 1824 وامتداداً له مبدأ روزفلت الأوَّل في نهاية القرن التَّاسع عشر، اللَّذين نظَّما ووجها سياسة الولايات المتَّحدة داخليَّاً وخارجيَّاً لعقودٍ طويلة ـ وتحديداً تجاه أوروبا وأمريكا الجنوبيَّة واللَّاتينيَّة ـ وذلك حتَّى نهايات الحرب العالميَّة الأولى عل الأقل وعلى سبيل المثال، واتِّصالاً بذلك ما عُرِفَ بِمُتَلازِمة الرَّئيس ثيودور روزفلت، وكذلك مبدأ هاري ترومان.
ربَّما يمكن القول حيال ذلك أنَّ مبدأً عامَّاً آخر قد تمَّ إرساؤُه ولحقبة جديدة من الزَّمن ـ وإنْ لم يُعْلَن عن ذلك رسميَّاً، وذلك عبر ثماني سنواتٍ مضت من عمر الإدارة الديمقراطيَّة الأخيرة، وما اعترى تلك السَّنوات من تغييراتٍ منهجيَّة في اتَّجاهات السِّياسة الأمريكيَّة المزدوجة داخلياً وخارجيَّاً ـ ذلك المبدأ هو ما يمكننا تسميته اصطلاحاً بمبدأ باراك أوباما ـ الانشغال والإنفاق أكثر في الدَّاخل على حساب تقليص الانفعال والنَّفقات في الخارج ضمن ما تفرضه أولويَّة رؤية المؤسسات الدُّستوريَّة بغضِّ النَّظر عن قناعات الرَّئيس وسيكولوجيَّة تفكيره ـ وهو مبدأٌ وإنْ لم يتم إعلانه رسميَّاً لكنْ سيجري الإلتزام به منهجيَّاً، وإنْ بِغلافِ أفكار ترامب المُثيرة كبيرة الحجم ذات الطَّابع الدِّعائي والإشْكَالي. وذلك بطبيعة الحال لا ينفي إمكانيَّة أنْ تُثيرَ طريقةُ تفكير ترامب الدَّراماتيكِيَّة المثيرة كبيرة الحجم مشاكل أكبر حجماً، وربَّما لَهُ كرئيسٍ عتيدٍ للولاياتِ المتَّحدة قبل غيره و في المحصلة أيّا ًتكن الأفكار التي يؤمن بها الرئيس كبيرة ربما تكون المشاكل التي تثيرها اكبر .
٭ كاتب فلسطيني

دونالد ترامب… أفكار كبيرة و مشاكل أكبر

رائد دحبور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية