بعض الصحافيين الرياضيين يؤمنون بمقولة «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» على نحو خاطئ، مثال ذلك ما حدث لإعلامي تونسي يعمل مقدم برامج في «بي إن سبورت»، تعامل بعجرفة وفظاظة مع صحافي مغربي خلال جلسة حوار على هامش إقصائيات كأس إفريقيا لكرة القدم. فما إن نطق المغربي جمال اسطيفي بلفظة «المحللين في بي إن سبورت «، حتى انتفض المقدم التونسي، وعمد إلى مقاطعته محاولا منعه من مواصلة الكلام. وصار يعطيه دروسا في ما ينبغي الحديث فيه وما لا ينبغي، وضمن هذا «اللاينبغي» هم محللو القناة الرياضية المذكورة.
ما هي «الجناية» التي ارتكبها الصحافي المغربي، حتى استحق المنع من الكلام، وصار عرضة للسخرية ولدروس الوعظ والإرشاد؟ كل ما فعله أنه أجاب أحد المشاركين في النقاش الذي قال له: «أنت لست مع المدرب في غرفة الملابس، حتى تقول هذا الكلام.» فجاء جوابه على النحو التالي: «هل محللو «بي إن سبورت» الذين يحللون الدوري الإسباني والإنجليزي يكونون مع المدرب في غرفة الملابس»؟
ومن ثم، رفع المذيع التلفزيوني عقيرته بالقول: «لا أسمح لك بالحديث عن «بي إن سبورت»، ولا تقارن نفسك بهم. نحن لدينا محللون من الدرجة الأولى، ولديهم من التجربة والقراءة الكروية ما يغنيهم عن معرفة ماذا يحصل في الكواليس».
وصار يرفع صوته فوق صوت جمال اسطيفي، ويقول له: «الله يرضي عليك…»، «الله يرحم والديك»، ويشير إليه بحركة بإصبعه كأنه أستاذ يلقن درسا لتلاميذه، خاصة بالنظر للوضع الذي اختاره لنفسه أو اختاره المخرج له في البلاتوه: هو واقف يتحرك كما يحلو له، والضيوف جالسون على الكراسي؛ وظلّ، خلال ست دقائق، يدور في حلقة مفرغة للتشويش على الضيف ومنعه من الكلام، حيث وقف عند «ويل للمصلين…» كما قال له جمال اسطيفي.
والحال أن وضعية الاستماتة في الدفاع عن المحللين، بطريقة دونكيشوتية مفتعلة، كانت تخفي من ورائها حقيقة مصادرة الرأي الآخر وحرية التعبير، وذلك في تعارض تام مع أخلاقيات مهنة الإعلام. كما لو أن محللي «بي إن سبورت» منزهون عن الخطأ، رغم أن الصحافي المغربي لم يكن بصدد انتقادهم أو التقليص من مكانتهم؛ وإنما قصده هو القول: ليس ضروريا للمحلل أو الصحافي الرياضي أن يكون مع المدرب في غرفة الملابس ليقدم تحليله حول المباراة!
غموض الصورة
ومن التحليل الرياضي ننتقل إلى التحليل السياسي، الذي صار «تقليعة» تلفزيونية جديدة تفترض أول ما تفترض ـ وفق المقياس المحلي ـ قدرة على الاسترسال في الكلام، حتى ولو كان بدون معنى أو مغزى، واستعراضا لبعض المصطلحات الرنانة.
وقبل هذا أو ذاك، قدرة على اللمز والغمز تجاه الحكومة المنتهية ولايتها، وتجاه الحزب الرئيسي فيها «العدالة والتنمية»، وتجاه رئيس الحكومة المعين عبد الإله بن كيران، ومسح كل أوزار البلاد فيه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، واعتباره السبب الأوحد في عرقلة قيام تحالف حزبي يمكن أن يقود إلى تشكيل حكومة جديدة.
عن هؤلاء المحللين، يسجل الكاتب المغربي العربي غجو في تدوينته الملاحظة التالية: «منذ بدء ما أصبح يصطلح عليه في مشهدنا السياسي بالبلوكاج (العرقلة) والقنوات التلفزية المغربية لا تستدعي لتنشيط ما تسميه «برامجها الحوارية» إلا من تسميهم «خبراء وأكاديميين ومختصين»، وكأن هناك توجيها ما لهذه القنوات بعدم دعوة ممثلي الأحزاب السياسية لشرح مواقفها والإدلاء برأيها.
المشكل أن هؤلاء المحللين لا يحللون شيئا، لأنهم لا يزيدون الصورة إلا غموضا. ولعل السبب والله أعلم يكمن في كونهم لا يتمتعون بما يكفي من الاستقلالية والجرأة لا أقول «السياسية» بل «العلمية»!
دعاية وتمجيد
من بين الآليات التي تقاس بها درجة حرية التعبير في عالم اليوم، النشرات الإخبارية الإذاعية والتلفزيونية، ومدى قدرتها على الالتزام بتلك المسافة الضرورية المطلوبة مع السلطة، إنها مسافة الاستقلالية والمهنية والتفاعل الحقيقي مع قضايا الناس وانشغالاتهم، بنظرة موضوعية لا تعادي الفاعل السياسي، ولا تتماهى معه في الوقت نفسه.
بيد أن وسائل الإعلام العمومية في المغرب ما زالت أبعد ما تكون عن تحقيق ذلك المطلب، حيث تحرص على ترديد الخطاب الرسمي وتلميعه بصورة مبالغ فيها، وفية للازمة الأغنية الشعبية: «قولوا العام زين».
وحتى عندما توجه سهام النقد المباشر أو غير المباشر لجهاز حكومي معين، فإنما تفعل ذلك تناغما مع توجهات أحد أجنحة السلطة أو «المخزن» بالتعبير المحلي الدقيق. وبهذا الخصوص، يقول الأكاديمي الدكتور عز الدين بونيت: «في مثل هذا الوقت من السنوات الماضية، كانت وسائل الإعلام العمومية تجعل من قساوة الطقس والظروف الصعبة التي تفرضها على سكان المناطق الباردة والوعرة الولوج، مناسبة لتسييس الموضوع وإنتاج خطاب يبكت وزير الصحة ووزير التجهيز ووزير التعليم».
ويضيف في تدوينته «الفيسبوكية» قائلا: «هذا العام لاحظت أن النشرات الإخبارية مليئة فقط بالتمجيد والمباركة للتعليمات الملكية التي عبأت كل المتدخلين، وحتى «المواطنون» الذين كانوا في السنوات الماضية يجأرون بالشكوى والأنين والاحتجاج على أولئك الوزراء في الربورتاجات التي تقدمها النشرات، صاروا اليوم يلهجون بحمد الله والثناء على التعليمات المباركة التي جعلت معاناتهم تتحول إلى سعادة غامرة. وأكثر من ذلك، حظيت سيدة حامل بربورتاج كامل تتبعها من أعالي الجبال إلى قاعة الولادة، ما جعلنا نفرك أعيننا أكثر من مرة لنتأكد إن كنا في المغرب نفسه الذي عشنا فيه السنوات الماضية». وتساءل بونيت: «ما الحكمة في هذا التحول؟ وهل هو تحول يعكس ما يجري في الواقع؟ أم يعكس تحولات في الخطوط التحريرية لوسائل الإعلام تلك، أم في الأداء المهني للطواقم الصحفية؟» ليجيب: «اليوم، لا توجد حكومة يمكن تسفيهها بسبب أو بدون سبب. اليوم توجد تعليمات الملك وحدها، وهي كافية لتجعل إعلامنا يتحول إلى أبواق رثة للدعاية التافهة، مما يعمق لديّ سؤال مصداقية الإعلام العمومي واستقلاليته. أي ثقافة سياسية يريد القائمون على توجيه هذا الإعلام أن يكرسوها في أذهاننا؟ أخاف ان تكون هذه الرسالة: المغرب أفضل حالا بدون حكومة ولا برلمان ولا مؤسسات دستورية ولا دستور… والذين يظنون أنهم يفعلون خيرا بتكريس هذه الثقافة، لا ينظرون أبعد من تحت أنوفهم، لأن حبل الكذب دائما قصير، ولأن دولة بلا مؤسسات لا تعدو أن تكون فقاعة فارغة ترتع حولها كل أصناف الانتهازية. والحال أن تجربة التاريخ علمتنا أن الانتهازيين هم أول من يقفز من السفينة الآيلة إلى الغرق».
كاتب من المغرب
الطاهر الطويل