الانتقال الحاد للفلسطينيين بين الأمل وبين خيبة الأمل قد يولد موجة أخرى من العنف. قيادة فتح تتحدث عن ذلك علنا وتُعد الميدان لذلك. التقدير في إسرائيل هو أن قرار 2334 لمجلس الأمن ضد المستوطنات هو لحظة الذروة في حالة النشوة في الصراع ضد إسرائيل، في الوقت الذي كان فيه الأسبوعان الأولان لترامب بمثابة الكابوس بالنسبة للفلسطينيين. اوباما غادر وجاء ترامب، وقائمة الضربات التي يعدها الفلسطينيون آخذة في التزايد.
لامبالاة أمريكية واضحة، إضافة إلى تصريحات إسرائيلية حول بناء 6.100 وحدة سكنية في القدس وفي المستوطنات، والتهديد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ـ الإمكانية التي لم تغب عن البرنامج اليومي، حيث يقول المقرب من ترامب، رودي جولياني، إنها ليست مسألة «إذا» بل «متى»، وتجميد قرار اوباما اعطاء 221 مليون دولار للسلطة الفلسطينية ـ المبلغ الذي يساوي تقريبا المبلغ الذي دفعته الولايات المتحدة للسلطة الفلسطينية في عام 2016، القرارات الأمريكية بتجميد تمويل مؤسسات الأمم المتحدة التي تمنح السلطة الفلسطينية وم.ت.ف مكانة المجتمع الكامل، واشارات أولية للتقرب من جديد بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي بعد عامين من العلاقة المتوترة، على خلفية استبدال السلطة في الولايات المتحدة، والعمليات الإرهابية الإسلامية المتطرفة في اوروبا.
لقد حصل الفلسطينيون في بداية الأسبوع على «هدية» أخرى، وهي تصريح لم يسبق له مثيل من الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، انطونيو غوتريش، جاء فيه «واضح مثل الشمس أن الهيكل الذي دمر على أيدي الرومان هو هيكل يهودي». بعد قرارات اليونسكو الغريبة التي تجاهلت الصلة بين اليهود وبين الحرم، هذه الأمور تبعث على السعادة لل إسرائيليين، لكنها مثل الماء المغلي تصب في آذان الفلسطينيين. ويشدد الفلسطينيون على القول «الهيكل المزعوم»، أي الكاذب أو الوهمي.
إن التهديد الرمزي والأكثر أهمية حسب الفلسطينيين يكمن في امكانية نقل السفارة الأمريكية من تل ابيب إلى القدس، حتى لو تم نقلها إلى غربي القدس، الذي لا يطالب به الفلسطينيون. وأبو مازن يعتبر أن هذا لا يقل أهمية عن المصادقة الأمريكية على ضم شرقي القدس. وهناك جهات في إسرائيل تقول إن غربي المدينة يقلق الفلسطينيين مثل شرقها. وتضيف أن الفلسطينيين أعدوا قوائم وثقت 7 آلاف مبنى في غربي المدينة كانت تحت سيطرة العرب قبل عام 1948، وهذا من اجل المطالبة بها في المفاوضات مع إسرائيل حول مستقبل القدس.
التهديد الرئيسي
إضافة إلى المعارضة الفلسطينية الشديدة لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فإن الاردن والكويت فقط تعارضان ذلك. وهذا ايضا يزعج الرئيس الفلسطيني. وقد قال بنحاس عنبري، باحث في مركز القدس لشؤون الجمهور والدولة ومحلل قديم في شؤون الشرق الأوسط والفلسطينيين، إنه عندما طلب من الرئيس المصري السيسي وملك السعودية الانضمام إلى هذا الصراع «لم يعبرا عن حماسة». أي أنهما لا يريدان الانضمام إلى معركة الفلسطينيين ضد نقل السفارة. وأبو مازن، كما قال عنبري، عرف ذلك من خلال النقاشات في السعودية مع الملك سلمان.
واثناء لقائهما اتصل الرئيس المصري مع ملك السعودية وأوضح أنه سيتناقش مع ترامب حول نقل السفارة، في الوقت الذي صمت فيه ملك السعودية.
هل توجد علاقة بين خيبات الأمل المتواصلة وبين عمليات اطلاق النار ـ خمس عمليات ـ خلال أربعة أيام في الأسبوع الماضي، التي انتهت بمعجزة بدون مصابين، بدأ ذلك باطلاق النار على سيارة إسرائيلية قرب نيلي في منطقة بنيامين، واستمر إطلاق النار نحو الجنود في حلميش وإطلاق النار على سيارات في شارع 55 قرب عزون، وانتهى بإطلاق نار قرب قرية عبود، والعبوات التي تم القاؤها على الجنود اثناء عملهم في مخيم جنين للاجئين.
«هذه النار الصغيرة» تقلق الأجهزة الأمنية. وقد اندلعت بالتوازي مع النقاش الإجمالي للعام 2016 بين ضابط رفيع في وحدات يهودا والسامرة مع المراسلين العسكريين. وفي ذلك النقاش قال الضابط إن عمليات اطلاق النار هي «تهديد وتحد مركزي ل إسرائيل في الضفة الغربية». وتشير المعطيات إلى أن عدد عمليات اطلاق النار ضد المواطنين في عام 2016 لم يتغير مقارنة مع عام 2015: 18 عملية كل عام. ولكن عمليات اطلاق النار الخمس في نهاية الاسبوع الماضي تشير إلى حدوث تحول.
مقاومة بطرق سلمية؟
رغم نجاح الجيش الإسرائيلي والشباك في منع انتاج السلاح، وخاصة الكارلو، في ارجاء يهودا والسامرة، فإن السلاح ما زال متوفرا في الضفة الغربية. ثمن الكارلو من الانتاج المحلي ارتفع من 1500 شيكل إلى 6 آلاف شيكل. وفي عام 2016 تم العثور على 500 قطعة سلاح والكشف عن 43 مخرطة قامت بانتاجها. ولكن التهديد الحقيقي ما زال اطلاق النار في الشوارع في ارجاء يهودا والسامرة.
الميدان قابل للاشتعال، لكن السلطة الفلسطينية لا تسعى إلى إخماد النار، بل العكس: امكانية أن تقوم الولايات المتحدة بنقل السفارة من تل ابيب إلى القدس تدفع من جديد إلى التهديد العلني بالإرهاب والعنف. ومن يتحدثون في هذه المرة هم قادة فتح وعلى رأسهم أبو مازن. والأمور الأكثر وضوحا جاءت على لسان رئيس حركة فتح في القدس شادي مطور: «نحن في حركة فتح، وعلى جميع المستويات، قلنا إن هذا بمثابة اعلان حرب، وإن هذا تحطيم لعملية السلام سيؤدي إلى انفجار الشارع. وقد بادرت فتح إلى عدة لقاءات مع الفروع والقادة الميدانيين والشبيبة من أجل الإعداد لانتفاضة شعبية قوية إذا تم تنفيذ القرار. نحن لن نخجل ولن نتردد في الخروج إلى الشوارع لمواجهة الاحتلال بكل الطرق».
د. ايتمار ماركوس، من «نظرة على وسائل الإعلام الفلسطينية»، قال إن قادة السلطة الفلسطينية يستخدمون مفهوم «جميع السبل» و»انتفاضة بطرق سلمية» أو «انتفاضة شعبية» من أجل الإشارة إلى أحداث تشمل العنف الدموي ضد الإسرائيليين مثل رشق الحجارة والطعن وإطلاق النار.
إن منطور ليس وحده، فالدكتور واصل أبو يوسف، أمين عام القوات القومية والإسلامية وعضو اللجنة التنفيذية في م.ت.ف، حذر من أن نقل السفارة الأمريكية من تل ابيب إلى القدس سيؤدي إلى «انتشار الإرهاب وإلحاق الضرر باستقرار المنطقة». عضو اللجنة المركزية في حركة فتح، عباس زكي، قال إن الفلسطينيين «لا يرون فلسطين بدون القدس. لذلك إذا تم نقل السفارة اليها فسيكونون معفيين من أي التزام وسيتملصون من جميع العلاقات القائمة». وأضاف «نحن لن نجلس مكتوفي الأيدي ولن نكون وحدنا… القدس هي أم المعارك وبدونها لا أهمية للحياة». عضو اللجنة المركزية في فتح جمال محسن، استخدم كلمات مشابهة وقال «اللجنة المركزية في فتح اتخذت قرار مقاومة نقل السفارة بجميع السبل».
وقد حذر أبو مازن نفسه، بعد لقائه مع الملك الأردني، من أن هذه الخطوة «ستقضي على عملية السلام، وسيكون لها مردود كارثي على أمن المنطقة واستقرارها». ايضا جبريل الرجوب، من قادة فتح، الذي يطرح نفسه مؤخرا كوريث محتمل لأبو مازن، يحذر من أن هذه الخطوة قد تضر باستقرار المنطقة. وقادة حماس، سامي أبو زهري ومشير المصري، يتحدثان ايضا عن «تجاوز الخطوط الحمراء». والدكتور احمد بحر، أحد قادة حماس في غزة يطلب من السلطة الفلسطينية وقف التنسيق مع إسرائيل واعطاء الضوء الأخضر للمنظمات في الضفة الغربية للعمل ضد الاهداف ال إسرائيلية. وتيسير خالد، عضو اللجنة التنفيذية في م.ت.ف، وعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية، يقارن بين الخطوة الأمريكية وبين ذهاب اريئيل شارون إلى المسجد الاقصى في 2000 الذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية. ويقول المصري بشكل واضح إنه «اذا تم تنفيذ القرار، فيجب على الفلسطينيين الانتقال من الأقوال إلى الأفعال».
في ظل كل ذلك، ما زالت هناك حالة توازن لا يعرفها الجمهور. أبو مازن سيفكر مرتين ـ ثلاث قبل السماح بعودة المواجهة الشاملة مع إسرائيل. وهي المواجهة التي ستعرض وجود السلطة الفلسطينية للخطر.
إسرائيل هي الدعامة الأقوى للسلطة الفلسطينية. 200 ألف شخص يعملون الآن في إسرائيل، ويعتمدون عليها اقتصاديا. الحديث يدور عن 150 ألف يعملون داخل الخط الأخضر و50 ألف يعملون في المناطق الصناعية في يهودا والسامرة في ألف مصنع تقريبا. 90 في المئة من الانتاج الفلسطيني يذهب إلى إسرائيل.
إن نصف ميزانية السلطة الفلسطينية التي تبلغ الآن 15 مليار شيكل، تصل من تبرعات الدول، وخصوصا اوروبا والولايات المتحدة. وحل السلطة سيزيد من اعتماد الفلسطينيين على إسرائيل. ويشار إلى أن الاعتماد هو متبادل. إلا أنه في الوقت الذي قد يضر فيه سقوط السلطة الاقتصاد الفلسطيني، سيؤدي إلى انهيار كامل لدى الفلسطينيين.
صحيح أن هناك في إسرائيل من يريدون رؤية نهاية السلطة الفلسطينية، لكن الموقف الأساسي في الأجهزة الأمنية، الذي يوافق عليه المستوى السياسي، هو أن اعتماد السلطة على إسرائيل هو أمر جيد، الامر الذي يجعلها تسيطر على مستوى اللهب والعنف الذي يندلع بين الفينة والأخرى. وأنه ليس امام السلطة أي خيار سوى التعاون مع إسرائيل ضد الإرهاب. هذا على الرغم من أنها تسمح باستمرار التحريض وتأجيج الكراهية و»أحلام العودة».
غضب ضد الرئيس
إن اعتماد السلطة على إسرائيل ليس اقتصاديا فقط، بل هو أمني ووجودي. في عام 2014 كشفت إسرائيل خلية لحماس كانت تُعد لاقالة أبو مازن، وخططت لانقلاب في السلطة، مثل الانقلاب الذي تم في غزة. وفي العامين الماضيين قامت الأجهزة الأمنية ال إسرائيلية بإعطاء المزيد من المعلومات حول خطط حماس ضد السلطة الفلسطينية، آخرها الكشف عن خلية كبيرة لحماس في الشهر الماضي في رام الله، وفيها عشرات النشطاء الذين قامت حماس بتمويلهم. وقد تبين أن الخلية تسعى إلى تعزيز السيطرة من أجل إسقاط السلطة الفلسطينية.
خلية أخرى لحماس تم الكشف عنها في نهاية السنة الماضية في نابلس، قامت بتجنيد أربعة انتحاريين لتنفيذ عمليات في حيفا والقدس.
أبو مازن يعرف كيفية اظهار العرفان بالجميل الصامت ل إسرائيل لأنها تحافظ على سلطته وتقوم بالكشف عن أسرار حماس التي تهدده وتخطط لاسقاطه. إن الاعتماد الاقتصادي والامني على إسرائيل يؤدي إلى وجود التعاون من اجل افشال العمليات. والمصلحة ال إسرائيلية حسب الأجهزة الأمنية هي استمرار هذا الوضع.
إن عهد ترامب، حسب الفلسطينيين، قد يؤدي إلى التغيير. السلطة الفلسطينية تهدد باستئناف الإرهاب، والتربية على مفاهيم انكار وكراهية إسرائيل والتمسك بحق العودة. «تقول للاطفال في المدارس إنه سيأتي اليوم الذي سيعودون فيه إلى منازلهم في عكا وحيفا والرملة واللد». وهي تقوم بتسمية الشوارع على أسماء الإرهابيين وتحولهم إلى أبطال ونماذج.
السيناريوهات التي عرضت على المستوى السياسي تتحدث عن عدة إمكانيات. منها امكانية أن يضعف أبو مازن أكثر على خلفية سياسة ترامب. وزيادة اعتماد أبو مازن على إسرائيل، الأمر الذي سيزيد من تحفظ الفلسطينيين منه. وفي هذا السيناريو تزداد قوة المعارضة التي قد تخرج إلى الشوارع وإجراء المظاهرات العلنية ضد الرئيس. بنفس القدر الذي تسعى فيه إسرائيل لمنع العمليات، فهي تسعى للحفاظ على سلطة أبو مازن. هذه المهمة التي تزداد تعقيدا أكثر فأكثر.
إن اللقاء المتوقع في البيت الابيض في 15 شباط بين نتنياهو وترامب سيُظهر للفلسطينيين توجه الإدارة الأمريكية الجديدة، والى أي حد هي مستعدة للوقوف إلى جانب إسرائيل ومواقفها. وحسب الفلسطينيين، القدس والبناء ومكانة المستوطنات هي من الأولويات. وقد حاول الفلسطينيون في الأسبوع الماضي اقامة بؤرة في المنطقة التي يفترض أن تقوم عليها منطقة يهودية في إي1 بين معاليه ادوميم والقدس. ولكن تم اخلاؤهم. إسرائيل تسعى إلى منع الاشتعال في الحرم، الذي نجحت في تهدئته في الاشهر الأخيرة. الحرم هو دائما الملجأ الأخير للفلسطينيين، وهو مادة مشتعلة يمكن من خلالها توحيد القوى وتجنيد الدعم وضخ الدماء الجديدة في شرايين الصراع. إسرائيل تأمل أن لا يذهب أبو مازن في هذا الاتجاه، لكن هذا الأمر ليس مضمونا.
إسرائيل اليوم 3/2/2017