ظالمين لا ظالمون

حجم الخط
11

قبل أن يتحفنا فلان الفلاني بأن في القرآن أخطاء لغوية ونحوية وتاريخية وجغرافية، وغير ذلك مما عدّده وأحصاه، حدثنا عن كيفية وصوله إلى اكتشاف تلك الأخطاء، قائلا إن أباه كان يضع سفّودا من الحديد على النار ويفرض عليه، وهو في السابعة من عمره المبارك، أن يقرأ القرآن فإذا أخطأ كواه به. ولا يصدق ذلك إلا الأحمق.
ثم انتقل إلى مرحلة أخرى من العمر فاكتشف الأخطاء التي يتلذذ بالإشارة إليها. وتأكيدا على موضوعيته ذكر أنه ذهب إلى شيخ يسأله فنهره الشيخ وقال له: إن الله حُرّ يرفع وينصب ويجر، وليس لك حق السؤال. فإذا صحت الواقعة، فلا بد أن الشيخ قد تشيّخ بجهله لا بعلمه. ثم يذكر الموما إليه مجموعة من الآيات شواهد على تلك الأخطاء. والقول بالخطأ في هذه الآيات، تكرر عبر الزمن، لدى صنف من البشر. فهي ليست من الجديد الذي اكتشفه هو وغيره من معاصرينا الذين حملهم آباؤهم، بحسب زعمهم، على قراءة القرآن تحت وقع سياط العذاب، والسفافيد الخالية من الكباب.
وقد رد عليهم الرافضون لتلك المزاعم، ولكن الكثير من تلك الردود اعتمد على تبريرات النحويين. ومنها ما اعتمد على أن العرب الفصحاء وعلماء اللغة والنحو القدماء لم يذكروا أنها أخطاء. وثمة من قال إنها من اختلاف لهجات العرب، وآخرون رأوها تمثل مرحلة ما قبل وضع قواعد اللغة.
وتهرب القائلون بالخطأ من مناقشة هذه الردود زاعمين أن عقول من ردّوا عليهم (مبرمجة) لخدمة الدين فلا يريدون الاعتراف بوقوع أخطاء في القرآن. والملاحظ أن معظم تلك الردود تبريرات من خارج النص. وكأنها انسياق مع القائلين بالأخطاء، مع محاولة تبريرها. وهذا الانسياق نهج خاطئ، لأنه خروج على أسلوب التحليل اللغوي الذي توحي به اللغة العربية، وأساليب التعبير بها. وما هدف علم اللغة إلا دراسة اللغة بذاتها ومن أجل ذاتها.
وأعتقد أن المنهج الصائب للرد أن ندع الآية تكشف عن نفسها بنفسها، من غير تدخل خارجي بإضافة أو تقدير محذوف، أو تبرير. ونظرا لطبيعة هذه السلسلة حجما ونشرا سأكتفي بآية واحدة، أدعها تكشف عن ذاتها بذاتها وبتركيب ألفاظها في سياقها ومن غير استشهاد بأقوال علماء أو مبررين.
أما الآية فهي: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). حيث يرى المكويّ بالسفّود أن الصحيح: لا ينال عهدي «الظالمون» لأنه فاعل مرفوع، فكيف يقول القرآن «الظالمين»؟ من غير أن ينتبه إلى أن الآية لو كانت برفع الظالمين لوقع تناقض فيها.
فالرفع على الفاعلية يعني أن الظالمين يريدون ذلك العهد «المقصود به الإمامة، التي منحها الله للنبي إبراهيم ومن تأهل لها من ذريته» ولكنهم لا يحصلون عليه. والتناقض، هنا، أنّ الظالمين، بحكم المفهوم القرآني للظلم، لا يريدون ذلك العهد، فكيف يصل إليهم؟ فهما على طرفي نقيض، هو مبني على العدل الممتزج بالرحمة، وهم أبعد ما يكونون عنهما.
فـ(العهد) هو الفاعل، فإن أهّل المرء نفسه للحصول عليه، فإن العهد يأتيه، تماما مثل الرزق، فرزقك لا يصل إليك إلا إذا تأهلت له بسعيك وجدك وعملك.
والصحة في بدنك ما بذلت جهدك للمحافظة عليها، فإن لم تحافظ عليها غادرتك، إلى أن تأخذ بأسباب الشفاء وآنذاك تعود إليك. وإلا فسيؤدي بك المرض إلى الهلاك، وقاك الله المرض وما ينتج عنه.
الفلسفة القرآنية في الشؤون كلها تعتمد على الجهد الإنساني يبذله المرء كي يصل إليه ما كتبه الله له، تماما كما في العهد «وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ» وغيره. فاللفظ في الآية لا يمكن أن يكون فاعلا مرفوعا، وإلا فإنه يفتح باب التناقض على مصراعيه، ويختل مفهوم القرآن للظلم وما شاكله.
– ملاحظة: هذا المقال إيماء فحسب. وللتفصيل موضعه.

٭ باحث وجامعي عراقي – لندن

ظالمين لا ظالمون

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية