مشروع السيد عمار الحكيم أم قرار العراقيين؟

حجم الخط
4

تميزت المشاريع الإصلاحية التي قدمتها الأحزاب الدينية الحاكمة في العراق على إنها ليست سوى طروحات فئوية بعيدة عن الفهم الحقيقي للمجتمع العراقي وإشكالياته ومشاكله، التي تم فرضها عليه من خلال أنماط جاهزة لا تتماشى مع تاريخ الدولة وموقعها الجغرافي والسياسي المستقل في المنطقة، فكانت النتيجة المعروفة سلفاً هي الفشل والرفض الجماهيري الكامل لهذه الطروحات، التي لم يكلف أصحابها أنفسهم عناء البحث الحقيقي عن أسباب رفضها من قبل العراقيين.
ولعل النظرة الاستعلائية الفئوية التي مارسها كثير من زعماء الأحزاب الحاكمة حالت بينهم وبين الشارع العراقي العابر للطوائف، وجعلت من هؤلاء قادة بعيدين عن المجتمع ولا يدركون عمق مشاكله، وبغياب الاندماج الوطني والتمسك بالهوية الطائفية، يبقى خطاب المصالحة والتسوية، الذي يخرج بين الحين والآخر خارج نطاق حدود المجتمع وغريبا عن الشكل العام للدولة العراقية منذ تأسيسها في القرن الماضي.
من هنا يدخل خطاب السيد عمار الحكيم الأخير في مؤتمر العشائر العراقية ضمن هذا النوع من الطروحات والحلول الشخصية البعيدة كل البعد عن الواقع العراقي، الذي يتطلب منا جميعا موقفا صريحا لتصحيح قراءة خطاب التسوية الوطنية، من خلال طرح التساؤلات الموضوعية، في محاولة للخروج من حالة الالتباس والسجال المستمر الذي يعكسه المشهد السياسي العراقي، إلى بناء منهجية وطنية واضحة واعية للوصول إلى مركز الإشكالية، ومن ثم إيجاد الحلول المناسبة لها.
من الناحية النظرية، يبقى خطاب التسوية الوطنية الذي أعلنه (رئيس التحالف الوطني) غريبا في توقيته وتوافقه مع التغيير الجديد في الإدارة الأمريكية، ومع قدوم الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، والتغييرات المحتملة التي قد تطرأ على طبيعة السياسة الأمريكية، لإعادة الاستقرار المفقود في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي. أما من الناحية العملية فقد تميز هذا الخطاب على أنه ليس أكثر من أمنيات تخفي وراءها الكثير من الإشكاليات وتتخطى العديد من الوقائع والمطبات الخطيرة الموجودة واقعا.
مشروع التسوية الذي جاء به عمار الحكيم وكما أظهره فحوى خطابه الأخير والزيارات الخاصة الى طهران وعمان، لم يأت بشي جديد لإصلاح النظام السياسي العراقي الفاشل منذ أربعة عشر عاما، ولإعادة بناء الدولة العراقية التي تلاشت نتيجة للغزو الأمريكي، بل لإجراء عملية ترقيع جديدة بين أحزاب وأقطاب العملية السياسية والشخصيات المحسوبة باطلاً على المكون السني، إرضاء لهذا وذاك، واعتمادا على مبدأ المحاصصة الموجود أصلاً في شكل الدولة منذ 2003، وهي العملية السياسية التي تتحمل المسؤولية في ما حدث ويحدث، وهي التي شجعت وطورت تدريجياً الشعور المذهبي في الانتماء للطائفة ومن ثم ترسيخه إلى يومنا هذا في الأذهان.
من هنا يبدو أن مشروع التسوية الذي جاء به السيد عمار الحكيم ليس إلا قبولا بإدامة حالة الاحتقان المذهبي، من خلال الآليات التي جاءت بها المحاصصة من جهة، واصرار الأحزاب المنتفعة من هذه العملية على تفريق المجتمع من جهة أخرى، لان وجود هذه الأحزاب يعتمد على مبدأ الصراع بين المكونات للوصول إلى تقاسم السلطة، وهذا بحد ذاته هو الخطر الذي يهدد وجود الدولة الوطنية ويؤدي لغيابها، وهو الذي يدفع العراقيين الى التخندق وراء أحزاب المكونات ومن يتزعمها من الزعماء، سواء كانوا شيوخ العشائر او المراجع الدينية.
لا شك في أن مشروع التسوية الذي جاء به السيد عمار الحكيم في خطابه الأخير ما هو إلا مشروع تشبث الاحزاب المذهبية بالحكم. ورفض زعمائها الإقرار بالفشل. فدستور المحاصصة الذي قسم العراقيين إلى طوائف متناحرة وخلق المليشيات وتنظيم «داعش» يتلاءم مع رؤية السيد عمار الحكيم ويؤمن له الكرسي المناسب. فالعودة للوراء وعدم القبول بالواقع الطائفي الذي جاء بالأحزاب الشيعية والسنية إلى السلطة، وانتشار الإرهاب وإعادة كتابة الدستور، وكما جاء في خطاب «تسويته الوطنية» هو الرجوع إلى المربع الأول ونسف ما بنته الديمقراطية الإثنية والتراجع عما حققه لحزبه ولنفسه شخصياً.
ثمة حقيقة ينبغي ألا يغفل عنها العقل، وهي ان الاحتلال الأمريكي للعراق هو من أدخل المحاصصة، من خلال الدستور في بلادنا. على الرغم من استحالة قبول الغرب بتطبيقها في مجتمعاتهم. فقوانين الدستور الحالي خلافا لدساتير الدول الآمنة لا تضمن للعراقي حقوقه وأمنه كمواطن ضمن مرجعية الوطن، بل كفرد من مكون ضمن مرجعية مذهبية أو عشائرية، إذ بغياب المرجعية الوطنية يصبح ترتيب مكانة العشيرة والمذهب فوق مكانة الدولة، في حالة المطالبة بالحقوق أو التعرض للخطر وفقدان الأمان. وهنا لابد من تذكير السيد عمار الحكيم في أن الخطوات التي «تُـشعر الجميع بالعدالة وعدم التعرض للظلم أو التمييز الذي أشار إليهما في خطابه» تبدأ بإنهاء التمييز بين العراقيين أنفسهم وتقسيمهم إلى «شيعة وسنة» عن طريق حكم وطني مُستقل ومرجعية وطنية عابرة للطوائف، لا تتبع لأي مرجعية دينية أيا كان مذهبها. وكما ان إنهاء الظلم والتمييز الذي يتكلم عنه، لن ينجح إلا بإعادة توازن المعادلة السياسية عن طريق وقف هيمنة الأحزاب المذهبية الحاكمة على مؤسسات الدولة وثروات العراقيين وسرقتها واستعمالهما وسيلة للبقاء في الحكم من خلال السيطرة على الانتخابات العراقية، لإبعاد الغالبية الشعبية التي تـُمثلها التيارات والقوى الوطنية الطامحة لبناء عراق مدني متسامح وعابر للطوائف.
يبقى السؤال المطروح هو في كيفية إعادة بناء الدولة، في ظل الاحتقان الطائفي المستشري والفساد والتدخل الإقليمي في الشؤون الداخلية، وفي كيفية التوصل إلى إيجاد عقد اجتماعي يجمع العراقيين كافة ويضمن لهم حق الاختلاف المذهبي، بشرط وضع درجة انتمائهم للوطن فوق انتمائهم للعشيرة والمذهب. من هنا وجب إعادة تأسيس الدولة العراقية من خلال تصحيح الدستور وعودة نظام جمهوري عابر للطوائف يؤمن به العراقيون ويؤتمنون عليه، في ظل نظام إقليمي جديد يمنع تدخل الاستراتيجيات الإقليمية للدول المجاورة في شؤون العراق، لإخراج البلاد من محور الصراع السعودي التركي الإيراني ويضمن للعراق كيانه الوطني القوي.
ثمة حقيقة أخرى ينبغي أن لا يغفل عنها العقل والضمير، وهي تمسك العراقيين بعراقيتهم، على الرغم من غياب الدولة الحاضنة لشعورهم وانتمائهم. فغياب الدولة الحامية وغياب القانون واستشراء الفساد وظهور تنظيم «داعش» حصيلة السنوات الأربع عشرة الماضية. وكما أن غيابها في المستقبل سوف لا يضع المناطق المحررة في مأمن من أحداث مؤلمة مقبلة، طالما لم تتم إعادة بناء الدولة الحامية والعادلة بدستور يضمن العدالة والمساواة للمواطن العراقي، إذا أخدنا بعين الاعتبار الطريقة الخطيرة التي وعد بها «داعش» أبناء الموصل والمناطق الغربية لإنهاء الفساد وتخليصهم من التنكيل الطائفي، الذي اعتمده النظام في بغـداد ضد سكان هذه المدن العراقية.
الحل الوحيد يكمن في إعادة بناء الدولة، وليس إعادة صياغة مشروع تسوية السيد عمار الحكيم المتناقض، والالتباسات التي حملها خطابه في تفسير الفرق في معنى «المشروع والقرار». فشتان وألف شتان بين مشروعه الطائفي العشائري وبين قرار العراقيين في بناء «دولة المواطنة» العابرة للطوائف، وأمل الجميع شيعة وسنة في الأمان والوحدة والعيش الكريم.
كاتب عراقي

مشروع السيد عمار الحكيم أم قرار العراقيين؟

 أمير المفرجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية