ساد قمة قادة الاتحاد الأوروبي التي التأم شملها يوم الجمعة في العاصمة المالطية، فاليتا موضوعان ترامب والهجرة. وتبادل القادة الأوروبيون الأدوار بالتحذير من خطر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مستقبل الاتحاد الأوروبي. وحضرت ليبيا في القمة باعتبارها تهديدا على الأمن الأوروبي، لكن ليس من زاوية تنظيم الدولة الإسلامية الذي هزمت قواته في مدينة سرت ومناطق أخرى من البلاد بل من ناحية الهجرة. وأصبحت ليبيا بعد الاتفاق الأوروبي- التركي العام الماضي للحد من تدفق اللاجئين، المكان الرئيسي لانطلاق المهاجرين من سوريا ودول القارة الافريقية إلى أوروبا. ففي خلال 3 أيام أنقذ خفر السواحل الايطاليين حوالي 2.600 مهاجر كانوا مسافرين على متن قوارب مطاطية وأخرى قديمة متهالكة. وحسب إحصائيات منظمة الهجرة العالمية ففي العالم الماضي عبر البحر من ليبيا إلى ايطاليا 181.000 مهاجر ومات 5.000 شخص أثناء الرحلة. وأصبحت منطقة وسط البحر المتوسط تعرف بمقبرة اللاجئين والبحر من أخطر المياه في العالم ومات فيها منذ بداية العقد الحالي حوالي 13.000 مهاجر.
ترامب وليبيا
وكان الرئيس الأمريكي ترامب منع رعايا ليبيا بالإضافة لست دول إسلامية أخرى من دخول الولايات المتحدة بسبب خطر الإرهاب النابع منها. وليس غريبا أن تكون ليبيا محط اهتمام رئيس زعم أنه يضع مصلحة أمريكا «أولا» فعلى سواحلها خاضت الولايات المتحدة أولى حروبها فيما يعرف بحروب الساحل البربري ـ الحرب المنسية أحيانا ـ ما بين 1801 -1805 وظلت تجربة أمريكا في ليبيا متعثرة، فمن القصف الأمريكي عام 1986 إلى الإطاحة بالرئيس معمر القذافي عام 2011 إلى اغتيال السفير الأمريكي في بنغازي عام 2012 لم يحسن الأمريكيون التعامل مع هذا البلد الشاسع المساحة والغني بالنفط. وكان الرئيس السابق باراك أوباما واضحا عندما عبر عن ندمه لترك ليبيا دون معالجة حيث اكتفى بالقيادة من المقعد الخلفي في الحملة التي قادها حلف الناتو ضد نظام القذافي. وترك التدخل الغربي ليبيا ساحة للصراع بين الأطراف المحلية والإقليمية وتسيطر عليها ثلاث حكومات واحدة في طرابلس والأخرى في طبرق والثالثة في طرابلس وتم تشكيلها بدعم من الأمم المتحدة بالإضافة لمئات الفصائل المسلحة والدول الإقليمية التي تساعد كل دولة فيها طرفا، خاصة مصر والإمارات العربية المتحدة.
إعلان
وكان رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج اجتمع مع رئيس الوزراء الايطالي البلد المتضرر أكثر من تجارة البشر وتهريبهم، باولو جيتنولوني. وجاء الاجتماع عشية القمة الأوروبية في مالطا حيث اتفق المؤتمرون وأطلقت دول الاتحاد «إعلان مالطا» الذي تناول محاربة ظاهرة تهريب المهاجرين غير الشرعيين في بلدان المنبع والعبور وتنبيه الراغبين في الهجرة بمخاطر التهريب بالتعاون مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ومنظمة الهجرة العالمية. وتضمنت الوثيقة برامج تحسين شروط إقامة المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا وتمكين الجهات المحلية من استضافتهم، وإمكانية ترجيعهم لبلدانهم. وفي تصريح لافت للأمن العام لحلف الشمال الأطلسي ينس ستولتنبيرغ في مؤتمر صحافي مشترك عقده مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج عبر فيه عن استعداد الحلف بناء وزارة دفاع وهيئة أركان وجهاز استخبارات في ليبيا تحت سيطرة مدنية، وأن حكومة الوفاق الوطني هي الممثل الوحيد للشعب الليبي. وهو بمثابة تحذير لمصر وللدول الإقليمية الداعمة لهيمنة العسكر على السلطة في ليبيا بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر. وتأتي وثيقة مالطا رغم العملية التي أطلقها الاتحاد العام الماضي «عملية صوفيا» وتوسيع عملها ليشمل كامل المياه الإقليمية الليبية بعد أن كانت محصورة ما بين سرت والحدود البحرية الغربية. ورغم ما ورد من اهتمام بمسألة الهجرة غير الشرعية ووضع حد لها إلا أن الإعلان يظل فارغا لأن لييبا بلد يعاني من فراغ في السلطة مقارنة مع اتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا. ويرى توني باربر في صحيفة «فايننشال تايمز» (31/1/2017) إن منظور نجاح اتفاق جديد مع ليبيا ليس جيدا وذلك بسبب المشكلة الجوهرية التي تعاني منها البلاد وهي «انهيار» مؤسسات الدولة بعد ثورة 2011. ومع أن دول أوروبا واعية بهذا الواقع إلا انها تعلل نفسها بوجود شريك في طرابلس وهي حكومة الوفاق الوطني «وللأسف القول إن هذا التعاون ما هو إلا من نسج خيال الاتحاد الأوروبي». ويقول باربر إن الفوضى التي تعاني منها ليبيا كانت فرصة ذهبية لمهربي البشر فمن بين 181.000 مهاجر غير شرعي عبروا المتوسط بدأت نسبة 90٪ رحلتها من الشواطئ الليبية. ووصل معظم هؤلاء عبر الصحراء الجنوبية ومن النيجر. ولم تتوسع سلطة حكومة الوفاق الوطني خارج طرابلس. وفي الجنوب تعيش مجتمعات كاملة وعبر الحدود على التجارة غير الشرعية هذه. ووصف مارتن كوبلر، الدبلوماسي الألماني الذي يقود جهود الأمم المتحدة في ليبيا البلد بأنه «السوق البشري» للمهاجرين. ويقوم المهربون بنقل الارتيريين والنيجيريين وبقية الافارقة إلى السواحل الليبية ويبيعونهم أماكن على قوارب مطاطية منفوخة وغير ذلك من القوارب المتداعية. ومع أن بعض القوارب تصل إلى الشواطئ الإيطالية إلا أن معظمها يغرق في مياه البحر المتوسط. ووصل خلال الأعوام الثلاثة إلى الشواطئ الليبية نصف مليون قارب من هذا النوع. وحسب مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة، ديمتريس أفراموبولوس فهناك 300.000 مهاجر ينتظرون على الشواطئ الليبية كي تسنح لهم الفرصة واجتياز البحر باتجاه أوروبا. وعندما يصل هؤلاء الذين يبحثون عن حياة جديدة يكتشفون أن الاتحاد الأوروبي لا خطة لديه لتوزيعهم في أنحاء أوروبا.
ويعتقد الكاتب أن طموحات الأوروبيين ما هي سوى حبر على ورق لأن ليبيا تعيش وبسبب فراغ السلطة حروبا داخلية وفوضى باتت الدول الأجنبية تلعب فيها دورا. ويقف وسط هذه الحروب الجنرال السابق خليفة حفتر الذي عزز معقله في الشرق الليبي. ويحظى بدعم كل من مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة وفي الفترة الأخيرة روسيا، كما أقام صلات مع فرنسا. ويصور حفتر نفسه بالمعارض الشرس للتطرف الإسلامي، وهو موقف قربه من الكرملين وقد يكون جذابا لإدارة ترامب. ويعلق باربر أنه في حالة قررت واشنطن تحويل دعمها عن الحكومة في طرابلس فقد يجد الاتحاد الأوروبي نفسه متفرجا على المشاكل في ليبيا التي ستستورد الفوضى من المنطقة مع أن مهمتها هي تصدير الاستقرار إليه.
طموحات الكرملين
ولوحظ في الفترة الأخيرة توسع الطموحات الروسية في ليبيا، فقد زار حفتر الكرملين مرتين العام الماضي واجتمع مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغ عبر الفيديو من على متن البارجة «أدميرال كوزنستوف» التي كانت في طريق العودة بعدما أنهت مهمتها في سوريا. وذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» (19/1/2017) أن الطموحات الروسية هي أبعد من سوريا التي باتت اللاعب الرئيسي فيها بغياب الولايات المتحدة، فهي تطمح بالحصول على ليبيا من خلال دعم حفتر بالإضافة لتوسيع سوق بيع السلاح والمشاركة في حصص النفط والغاز بالمنطقة العربية. وتساءل مات بيربل محرر «رير بوليتكس» بمقال نشره موقع «ناشونال إنترست» (22/1/2017) إن كانت روسيا ستسيطر على ليبيا. ويشير إلى حماقات الولايات المتحدة بالمنطقة العربية والتي لا تزال واضحة في العراق الذي يعيش حربا طويلة وكذا سوريا. ولكنه يرى أن أكبر الحماقات في السياسة الخارجية الأمريكية واضحة في ليبيا وفيها جنرال يحاول السيطرة، وهو نفسه كان مقربا في السابق من «سي آي إيه» وحليفا سابقا للقذافي وقام بعدة محاولات للانقلاب عليه من منفاه الآمن في فيرجينيا حيث أقام هناك أكثر من عشرين عاما. ويدعم حفتر حكومة مجلس النواب في طبرق التي تعوق رفضها لحكومة فائز السراج الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب. وتعتمد كل حكومة على فصائل مسلحة. فحكومة طبرق تحظى بدعم «الجيش الوطني الليبي» بقيادة حفتر أما حكومة الوفاق فتجد سندا من الفصائل المسلحة والقوية في مصراتة. ويعلق بيربل قائلا، إن الفصائل المسلحة هي التي ستقرر في النهاية مستقبل ليبيا. ويقول إن الولايات المتحدة ارتكبت في ليبيا الخطأ نفسه الذي ارتكبته في العراق. فهي لم تفهم طبيعة الانقسامات المحلية التي يعاني منها المجتمع الليبي وطبيعته الجهوية والقبلية. فليبيا الحديثة ولدت من ثلاثة أقاليم هي برقة وطرابلس وفزان حيث حاول الملك إدريس وبصعوبة إدارة هذه الأقاليم. وبعد انقلاب القذافي عام 1969 حاول بناء هوية وطنية وبطريقة ديكتاتورية وأقام ليبيا الحديثة التي عادت لخلافاتها القديمة بعد الإطاحة به. وكان خطأ واشنطن أنها حاولت بناء ديمقراطية على ركام الديكتاتورية فخلقت عوضا عن ذلك الفوضى. ويعلق بيربل إن كل ما يمكن قوله عن ليبيا اليوم أن الحرب فيها ليست بدرجة الدموية التي تعيشها سوريا.
ومع ذلك فهناك تشابه بين البلدين من ناحية القوة التي تحاول تشكيل الأحداث فيها. ففي سوريا، منحت موسكو نظام بشار الأسد فرصة للبقاء وفي ليبيا تدعم حفتر الذي اتفق مع الروس. ويحاول فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي تحقيق نصر استراتيجي وأيديولوجي في ليبيا من خلال دعمه «الرجل القوي» حفتر في وقت تراهن فيه أوروبا على الحكومة في طرابلس.
وستمنح ليبيا الروس الفرصة لتعزيز أهدافهم في منطقة البحر المتوسط. وحسب الاتفاق الذي وقع مع حفتر فإن الروس سيقومون ببناء قاعدتين عسكريتين في شرقي ليبيا. ويتحدث الكاتب عن الأطراف التي تدعم حفتر من مصر والإمارات وتوقعات دعم أمريكي له خاصة أن ترامب يميل نحو الشخصيات القوية. وفي الوقت نفسه تعاني حكومة الوفاق من تحديات داخلية ومحاولات حكومة الإنقاذ التي تخلت عن السلطة العودة إليها. ويراقب حفتر الأوضاع وأعلن أنه لن يعترف بحكومة فائز السراج. ويعتقد أن لديه القوة للسيطرة على البلاد من خلال التعاون مع كتائب الزنتان في جنوب-غرب العاصمة والتحرك نحوها إن قرر مع معرفته أن كتائب مصراتة ستواجهه. ويرى بيربل إن الإنجاز العظيم للتدخل الغربي في ليبيا قد يكون عبر استبدال رجل قوي بآخر وفي هذه المرة يكون متحالفا مع روسيا.
إبراهيم درويش