تواصل الحراك التونسي المصري الجزائري للحل في ليبيا

حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: مثلت عملية نقل قرابة سبعين جنديا ليبيا من الموالين لخليفة حفتر دليلا قاطعا لدى عدد من الخبراء والمحللين على ما راج في وقت سابق من أن موسكو ستلقي بكل ثقلها في الملف الليبي دعما للواء المتقاعد والبرلمان المرابط في طبرق. وهي استنتاجات غذتها الزيارتان اللتان أداهما حفتر إلى روسيا ونزوله على سطح إحدى حاملات الطائرات الروسية الراسية قرب المياه الإقليمية الليبية أين تحادث مع وزير الدفاع الروسي عبر دائرة الفيديو المغلقة.
ويشار إلى أن موسكو، وحسب تأكيدات مصادر ليبية، تعهدت باستقبال المزيد من الجرحى الليبيين الموالين لحفتر، بعد أن حسمت أمرها بالتدخل مباشرة في الصراع الدائر في ليبيا من خلال بوابة طبرق، وهي التي فقدت الكثير من نفوذها على الساحة الليبية بعد سقوط نظام القذافي لصالح الحلف الأطلسي. ويفسر البعض هذا الإصرار على عدم تزكية «حكومة الوفاق الوطني» التي يرأسها فائز السراج من قبل البرلمان في طبرق، بهذا الدعم السياسي والعسكري الروسي لخليفة حفتر والذي سيغير من موازين القوى على الميدان.

الغنوشي على الخط

ويربط البعض بين هذه المتغيرات على الساحة الليبية وبين الزيارة الأخيرة التي أداها رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي إلى الجزائر والتقى خلالها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بتفويض من الرئيس الباجي قائد السبسي، والتي أثارت الكثير من الجدل على الساحة التونسية. فالغنوشي كلف على ما يبدو من الجانبين التونسي والجزائري بإقناع «أصدقائه» في طرابلس بالقبول بالمبادرة الثلاثية، التونسية المصرية الجزائرية، للحل في ليبيا والتي تعلق عليها دول الجوار المتوسطية آمالا كبرى للدفع باتجاه المصالحة.
ولعل الزيارات التي تحصل في الاتجاه المعاكس، أي تلك التي تقوم بها أطراف ليبية إلى دولة مساندة لخصومها، قد تساهم بدورها في إذابة الجليد والتسريع بالحل الذي يمثل مصلحة لليبيين ولدول الجوار. فرئيس البرلمان في طبرق عقيلة صالح زار تونس التي اتهمت في كثير من الأحيان بالوقوف مع الفريق المسيطر على العاصمة طرابلس، وحفتر زار الجزائر التي تخشى من تمدد نفوذ مصر غربا من خلاله، ويبدو أنه قدم لها التطمينات من أنه لا يعمل ضد مصالحها، وزار فريق من المجلس الأعلى للدولة القاهرة التي تدعم خليفة حفتر الذي يضغط باتجاه عدم تزكية حكومة الوفاق الوطني من قبل البرلمان.
ولعل القمة الثلاثية التي من المتوقع أن تجمع في الجزائر رؤساء كل من تونس ومصر والجزائر، ستكون مناسبة للمصارحة بين هذه الدول التي تجاور ليبيا ولخلق مناخ من الثقة بينها كان مفقودا خلال السنوات الماضية. حيث يبدو أن هناك قناعة من هذه الدول بأن استمرار الوضع في ليبيا على ما هو عليه لم يعد ممكنا وأن نهاية ليبيا كدولة سيعود بالوبال على الجميع نظرا للترابط الوثيق في الأمن القومي بين هذه الدول والجارة الليبية.

النظام السابق

وتؤكد مصادر مطلعة على أن أطرافا محسوبة على النظام القذافي أبدت موافقتها على المبادرة الثلاثية التونسية المصرية الجزائرية، وهو ما سيمثل عاملا إضافيا قد يدفع باتجاه التعجيل بالحل في الملف الليبي. فلا يمكن انجاح أي مسار سياسي في ظل اقصاء أي من الأطراف السياسية، ويبقى في النهاية للقضاء أو للعدالة الانتقالية وحدهما حق محاسبة المذنبين وتتبع الجناة الذين أجرموا بحق الشعب الليبي.
ولعل الافراج عن البغدادي المحمودي، آخر رئيس للوزراء زمن القذافي يأتي في إطار خلق أجواء للمصالحة بين الليبيين قد تساعد على نجاح المبادرة الثلاثية. كما أنه، وحسب البعض، بادرة حسن نية من قبل الجهة التي كانت تحتجزه الهدف منها بناء الثقة مع باقي الفرقاء، وذلك بالرغم من حديث جهات عديدة عن صفقة ما حصلت بين المحمودي ومن كان يحتجزه، اشترى بموجبها البغدادي حريته بثمن باهض. ولعل من المفارقات أن أكثر الداعين إلى اشراك المحسوبين على النظام السابق في العملية السياسية هو رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي الذي يحتفظ بعلاقات متينة مع من يسيطرون على العاصمة طرابلس. كما أن للغنوشي علاقات متينة بنظام القذافي وخصوصا بسيف الإسلام الذي جمعته به لقاءات سابقة قبل سنة 2011، وبالتالي قد يلعب الغنوشي دورا هاما ومحوريا وأساسيا في أي تفاهمات مستقبلية بين الأطراف المتصارعة.
وتجدر الإشارة إلى أن البغدادي المحمودي قبض عليه في تونس سنة 2011، حين كان يعبر الخضراء باتجاه الجزائر بعد سقوط نظام القذافي. وتم تسليمه لاحقا في عهد حكومة الترويكا إلى طرف ليبي، وما زالت قيادات حركة النهضة تتبرأ من هذا التسليم وكذا الرئيس المؤقت السابق المنصف المرزوقي، وهناك حديث عن قبض أموال طائلة مقابل هذا التسليم، لم تثبت صحته بعد.

قبول دولي

ولعل السؤال الذي يطرح هو ذلك المتعلق بمدى قبول القوى الكبرى والمتدخلين في الصراع الليبي من غير التونسيين والجزائريين والمصريين بهذه المبادرة الثلاثية. فإلى جانب روسيا هناك الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وهناك بلدان عربية وإسلامية وافريقية رسخت وجودها طيلة السنوات الماضية في بلد عمر المختار.
وهناك أيضا الأمم المتحدة التي رعت مفاوضات الصخيرات وساهمت في بلورة الاتفاق الذي انبثق عنها، ويبدو مبعوثها مارتن كوبلر اليوم في موقف لا يحسد عليه بسبب فشل جهوده في تحقيق التوافقات المنشودة. فهل سيواصل كوبلر مهمته خاصة وأن كل الفرقاء الليبيين غير راضين عن أدائه ما جعله عرضة لانتقادات واسعة ولاتهامات خطيرة؟ وهل سيدعم المنتظم الأممي المبادرة الثلاثية كبديل عن جهود كوبلر وسلفه؟
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن هناك قبولا دوليا بالمبادرة الثلاثية سيحصل بعد الإعلان عنها، وهو ما جعل الدول المبادرة تتحمس وتمضي قدما في مسعاهاـ خاصة أن هذه المبادرة لن تخرج عن الإطار العام لاتفاق الصخيرات وهدفها هو تجاوز النقائص التي تضمنها والتي أعاقت نجاحه في فض الاشكال الليبي.
وفي هذا الإطار يعتبر مروان السراي الباحث في المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق في تونس، أنه لا مفر للدول الكبرى من أن تزكي هذه المبادرة باعتبار أن أمد الصراع قد طال في منطقة لا تشبه في شيء الصومال وأفغانستان اللتين تُركتا للفوضى، فليبيا هي الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي والمتاخمة شأن دول جوارها للأسطول السادس الأمريكي المرابط في إيطاليا ولا يمكن تركها للفوضى إلى الأبد.
كما أنه لا توجد في الوقت الراهن سوى هذه المبادرة كبديل عن مسار الصخيرات الذي فشل في فض الاشكال، وبالتالي وجب دعمها دوليا خاصة وأنها في تناغم مع الإطار العام لما تم الاتفاق عليه في الصخيرات برعاية أممية. كما أن شعبية كوبلر في تراجع وهناك سخط ليبي من ممارساته ولا يبدو أنه يحظى بالمصداقية اللازمة لإدارة أي حوار ليبي خلال المرحلة المقبلة.

معوقات

ويضيف قائلا: «لكن رغم كل شيء فإن هناك معوقات عديدة قد تفشل هذه المبادرة الثلاثية لعل أهمها السعي المحموم من قبل الفرقاء الليبيين على ضمان أكبر قدر ممكن من الحقائب في أي حكومة ستتشكل. فرغم تنصيص المبادرة على ضرورة أن تتشكل الحكومة من التكنوقراط إلا أن ما برز خلال مفاوضات الصخيرات من رغبة في الهيمنة سيجعل الوزراء مستقلين على الورق لا غير، وفي النهاية من سيشعر بالضيم وأنه لم ينجح في السيطرة على أكبر قدر ممكن من الوزارات سيحاول جاهدا افشال العملية برمتها.
كما ان اللاعب الروسي القديم الجديد، والذي خسر الكثير بعد انهيار نظام القذافي لم يحدد مطالبه بعد والمرجح أنه سيتفاوض مع الولايات المتحدة وستكون هذه المفاوضات هي المحدد لمآل الأوضاع في ليبيا. ولا يبدو أن الإدارة البيضاوية الجديدة قد وضعت خطتها بعد بشأن ليبيا باعتبارها حديثة عهد بتسلم مقاليد الأمور وهي التي صنفت ليبيا ضمن الدول التي يمنع مواطنوها من نيل تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالتالي وحتى تضمن هذه المبادرة نجاحها، على رعاتها انتظار ما ستتمخض عنه التفاهمات الأمريكية الروسية ثم التنسيق مع البلدان الأوروبية المتدخلة في الشأن الليبي وكذا بعض بلدان الخليج التي تتخندق مع هذا الطرف أو ذاك دون نسيان تركيا التي تعتبر لاعبا هاما في الساحة الليبية وباتت لديها مصالح حيوية لا يتصور أن يتم التفريط فيها بالسهولة التي قد يتصورها البعض».

تواصل الحراك التونسي المصري الجزائري للحل في ليبيا

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية