التقارب بين السراج وحفتر يتوقف على الحسم في رئاسة الدولة وقيادة الجيش

حجم الخط
0

بنغازي ـ «القدس العربي»: يجتمعان أم لا يجتمعان؟ سؤال يشد إليه أنظار النخب والرأي العام على السواء في ليبيا، فالرجلان فائز السراج وخليفة حفتر باتا يختزلان أقطاب الصراع في البلد وامتداداته الاقليمية والدولية. صحيح أنهما اجتمعا قبل نحو سنة ولم يتفقا، غير أن موازين القوى تغيرت بشكل جذري مُذاك، فغدا التوافق بينهما ضرورة داخلية قبل أن يكون مطلبا خارجيا، لأنه الجسر الوحيد لتفادي التقسيم.
استطاع الجنرال أن يفرض نفسه كلاعب لا يمكن الالتفاف على دوره، بعدما بدا زعيما للشرق الليبي من خلال المعارك التي قادها، خاصة في بنغازي، لإخراج الجماعات المسلحة وإنهاء سيطرتها على المدنيين. وشكل هجومه المفاجئ في 12 و13 أيلول/سبتمبرالماضي على منطقة الهلال النفطي، وهي شريان الحياة في ليبيا (60 في المئة من صادرات البلد النفطية)، أكبر ضربة عسكرية واستراتيجية سددها لخصومه، إذ انتزع الحقول النفطية من قبضة جهاز حرس المنشآت النفطية، الذي كان يقوده ابراهيم الجضران. والأرجح أنه يسعى لضم ورقة جديدة إلى أوراق التفاوض التي جمعها، بالاتجاه جنوبا لمحاولة قطع الطريق أمام فلول «داعش» المنسحبة من مدينة سرت نحو منطقة الكفرة في الجنوب، التي لا تبعد عن الحدود مع تشاد سوى 200 كيلومتر.
ما كان للجنرال أن يقطع كل هذه الخطوات لولا الدعم السياسي واللوجستي المصري والتأييد الدبلوماسي، وربما العسكري، الروسي والمساعدة الفرنسية بالخبراء والمدربين، وكثيرٌ من المال الخليجي. يُضاف إلى هؤلاء الداعمين تقاربٌ حفتر مع الجزائر وتأييدٌ مطلق من الرئيس التشادي ادريس ديبي. بهذا المعنى لا يُعاني حفتر من الضغوط والصعوبات التي يواجهها السراج إن مع زملائه في المجلس الرئاسي أم مع الأطراف الخارجية، فرئيس حكومة الوفاق يقف على أرضية هشة، إذ لا يملك سيطرة على الأرض، حتى في العاصمة طرابلس. وبرهن رجل الأعمال المصراتي الذي درس هندسة الديكور وتخرج في إحدى الجامعات الليبية، على أنه غير قادر على حل المشاكل الاجتماعية غير المسبوقة التي يُعاني منها الليبيون مثل الارتفاع المتصاعد للأسعار وشح السيولة وانهيار سعر العملة المحلية.

انتصار باهظ الثمن

صحيح أن القسم الأكبر من الميليشيات الاسلامية التي كانت تؤلف كتلة «فجر ليبيا» انضم إلى حكومة الوفاق في أعقاب التوقيع على اتفاق الصخيرات (كانون الأول/ديسمبر 2015) وهو الذي تشكلت منه قوات «البنيان المرصوص»، التي مكنت من إخراج عناصر «داعش» من مدينة سرت. غير أن السراج لم يُحصل مغانم سياسية أو عسكرية من ذلك الانتصار الذي كان باهظ الثمن. أكثر من ذلك لم يتردد بعض رفاقه في المجلس الرئاسي عن تحديه بتقديم الاستقالة من المجلس، وهو أمرٌ لا يمكن تصوُرُه في الناحية المقابلة، لاسيما في ظل التراتبية العسكرية. من هنا تبدو الكفة غير متوازنة والحوار غير متكافئ، ما يجعل الوصول إلى اتفاق يُرضي الطرفين هدفا دونه عقبات في هذه المرحلة.
المُؤكد أن السراج يُدرك نقاط ضعفه في التعاطي مع حفتر، أقلها أنه لا يستطيع أن يجول في طرابلس خارج القاعدة البحرية، لذا فهو يسعى لإنشاء قوة ضاربة أطلق عليها اسم «الحرس الرئاسي» ستكون مؤلفة من 6000 إلى 10000 عنصر يتم تدريبهم في دول عربية، بينما المفروض الاتفاق على تشكيل مثل تلك القوة منذ البدء، أي لدى التوقيع على اتفاق الصخيرات. ومع أن المجلس الرئاسي سمى قائدا لتلك القوة، التي لا يمكن اعتبارها جيشا ولا شرطة وإنما هي جهاز درك شبيه بالدرك الفرنسي والجزائري، فإن مهمتها الأولى ستكون حماية مؤسسات الدولة، وخاصة المجلس الرئاسي والحكومة. لكنه جهاز بلا أسلحة بسبب الحظر المفروض على إرسال السلاح إلى ليبيا منذ 2011، ولذلك طلبت حكومة السراج من الأمم المتحدة منحها استثناء يُتيحُ لها تأمين التسليح اللازم لـ«الحرس الرئاسي».
والأرجح أن عناصر الميليشيات التي تخلت عن رئيس الحكومة المنتهية ولايته خليفة الغويل في طرابلس وانضمت إلى المجلس الرئاسي، سيدمجون في الجهاز الجديد بشكل فردي، لكنهم سيشكلون عبئا إضافيا على السراج، العاجز حاليا عن تأمين رواتبهم. ويتضح من اختلال التوازن بين الفريقين أن المجلس الرئاسي لن يستطيع إعادة الاستقرار وضبط الأمن في البلد بمفرده، وبالتالي فإن التفاهم مع حفتر ممر إجباري لتحقيق الأهداف التي من أجلها أنشئ المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق. فهذا التفاهم التاريخي هو الشرط للوصول إلى معادلة سياسية وأمنية تُخرج البلد من الأزمة المستحكمة منذ 2014. يتوقف هذا المخرج على قبول الطرفين بمقايضة تُجيبُ على سؤالين جوهريين، أولهما يتعلق بالمرجعية العليا لقائد الجيش، والثاني بتحديد من هو رئيس الدولة؟

مجسد المرجعية

يعتبر المجلس الرئاسي أن رئيسه هو رئيس الدولة، فيما يُصرُ حفتر على اعتبار حليفه رئيس البرلمان عقيلة صالح هو رئيس الدولة. أما عن مرجعية القيادة العسكرية فيعتبر حفتر نفسه المُجسد لتلك المرجعية، بينما يقضي اتفاق الصخيرات بخضوع قيادة الجيش لسلطة مدنية تتمثل في المجلس الرئاسي. لذا فالحلُ الوسطُ يكون برفض الدعوة لإقصاء حفتر، مثلما يُخطط بعض قادة الميليشيات، والامتناع في الوقت ذاته من تسليمه منفردا قيادة الجيش، أي بتعبير آخر تشكيل مجلس عسكري يتولى هذه المهمة.
من المهم التذكير هُنا أن السراج لم يصنع الصخيرات بل هو صناعةُ الصخيرات، إذ تم تكليفه برئاسة الحكومة والمجلس الرئاسي بعد استكمال التوقيع على الاتفاق. وعليه فلن يعترض على معاودة صياغته، وهو ما صرح به مرارا، ما يعني أن المقايضة المحتملة ستتأسس على مضمون المراجعة، بعدما بات الجميع تقريبا موافقا عليها من حيث المبدأ. غير أن التجسيد يحتاج إلى حل العقدتين السابقتين رئاسة الدولة وقيادة الجيش. وليس خافيا أن هناك توجُسا لدى كثيرين من خطر الانزلاق إلى حكم عسكري يعود بليبيا عقودا إلى الوراء، في حال تثبيت حفتر قائدا أعلى للجيش. وربما ما يُؤخر اجتماع الرجلين هو غياب رؤية للخروج من هذا العطل. وهنا تبرز بعض المسارات الخلفية التي قد تُساهم في الحلحلة، وبعضها يتعلق بالدور الممكن لرؤساء القبائل، ذات الولاء المُوزع بين الفريقين المتصارعين، فيما يتعلق بعضها الآخر بالدور المحتمل لرجال النظام السابق الذين يجري الاعداد حاليا لرفع الفيتو عنهم.
من هذه الزاوية قد يشكل مسار التطبيع مع رموز نظام القذافي، الذين لم يتورطوا في أعمال القمع، مربعا مشتركا بين السراج وحفتر، بما يُؤدي عمليا إلى إلغاء قانون العزل السياسي الذي سنه البرلمان في أيار/مايو 2013 وقضى بمنع جميع من تولى مسؤوليات سياسية أو إدارية أو عسكرية في عهد القذافي من تقلُد مناصب قيادية في مؤسسات الدولة. وما من شك أن حفتر يسعى لكسب تلك الكتلة إلى صفه وأن السراج يفعل الأمر نفسه، لكن بروز قوة ثالثة على سطح التجاذبات السياسية من شأنه رُبما أن يفكك الثنائية الراهنة المُعطلة للخروج من الأزمة. ويُذكر في هذا السياق أنه تم الافراج أخيرا عن وزير الخارجية الأسبق عبد العاطي العبيدي والرئيس السابق لمؤتمر الشعب العام (برلمان القذافي) محمد بلقاسم الزوي. ويتواتر الحديث عن إفراج وشيك عن رئيس الحكومة الأسبق البغدادي المحمودي ورئيس مخابرات القذافي الخارجية أبو زيد عمر دوردة وربما أيضا نجله سيف الاسلام.

فوضى غير خلاقة

قُصارى القول إن إنهاء حال الفوضى غير الخلاقة في ليبيا يتطلب التخلي عن السلاح والاتجاه إلى توافق بين الكتل الرئيسة الثلاث في البلد، وهي التيار الليبرالي الذي فاز بالغالبية في انتخابات البرلمان (2014) وتيار الإسلام السياسي المُعتدل الذي فاز بالأكثرية في انتخابات المؤتمر الوطني العام (2012) ورجال النظام السابق ممن لم يثبت تورطهم في أعمال القمع والفساد، على أن يحظى هذا الوفاق بدعم القبائل وأعضاء المجالس البلدية.
وهذا يعني أن يرفع حفتر الفيتو عن المنضوين في التيار الإسلامي المعتدل، وفي المقابل يرفع الليبراليون والإسلاميون الفيتو عن عناصر نظام القذافي. والظاهر أن هذا هو فحوى المبادرة الجزائرية التونسية، والتي لا يبدو أن القاهرة متحمسة لها، بالرغم من كونها طرفا فيها. فالتونسيون ينطلقون من تجربة حافة الهاوية التي وجدوا أنفسهم فيها بعد ثورة 14 كانون الثاني/يناير 2011 وأوشكت على قدح شرارة حرب أهلية، والتي تغلبوا عليها بسياسة التوافق القائمة على تنازلات متبادلة. أما الجزائريون فيعتبرون تجربة الوئام المدني، التي أتى بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في العام 1999 لمعالجة نتائج الحرب الأهلية، أنموذجا يمكن لليبيين أن يقتبسوا منه. وتحقيق الوئام في ليبيا يتوقف على تجميع السلاح وحل الميليشيات ومعاودة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية، والنأي بهما عن التجاذبات السياسية، تمهيدا لإجراء استفتاء على الدستور يفتح الباب لإجراء انتخابات عامة حرة وشفافة.

التقارب بين السراج وحفتر يتوقف على الحسم في رئاسة الدولة وقيادة الجيش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية