براءة طفل ابن ثلاثة أشهر تعيد البراءة والحياة لمجرم شاب فقد عالمه الآمن تسوتسي : فيلم من جنوب إفريقيا عن العنف في مدن الصفيح والإيدز والأبارتيد والصفح والغفران
ابراهيم درويشبراءة طفل ابن ثلاثة أشهر تعيد البراءة والحياة لمجرم شاب فقد عالمه الآمن تسوتسي : فيلم من جنوب إفريقيا عن العنف في مدن الصفيح والإيدز والأبارتيد والصفح والغفراناثول فوغارد، كاتب ابيض يعود في اصوله للافريكان وايرلندا، كان من الكتاب الذين جسدوا صورة جنوب افريقيا في اثناء التمييز العنصري، وروايته تسوتسي كتبها في الخمسينات ونشرت في الثمانينات من القرن الماضي والان تحولت الي فيلم سينمائي من اخراج غافين هود من جنوب افريقيا. الراوية عن مجرم شاب يصارع احلام طفولته، الفقر والتشرد وعذاب الضمير هي عن جنوب افريقيا واحياء الفقر في سويتو. وفاز تسوتسي بجائزة اوسكار للفيلم الاجنبي في اذار (مارس) عام 2006 هو ايضا عن جنوب افريقيا في فترة ما بعد الابارتيد. والفيلم يبدأ بإيقاع موسيقي عالٍ، يقوم فيه تسوتسي البطل الرئيس في الفيلم (لعب دوره بريسلي تشوينياغي) بمغادرة غرفة التنك التي يعيش فيها مع رفاق العصابة بوتشر (زينزو نيغوبي)، والقاتل المحترف وصديق الطفولة والتشرد لتسوتسي (اياب)، وبوسطن، القاتل الذي دخل المدرسة يوما لكي يصبح مدرسا.يذهب الاربعة في رحلة للسرقة في محطة قطار جوهانسبرغ. اللعبة معروف. مراقبة حركة المسافرين بصمت وانتهاز فرصة ان يقوم بها شخص باظهار ما يشي انه يحمل في جيبه نقودا، وعندها تبدأ عملية الملاحقة في القطار المكتظ، في تلك الليلة يشتري رجل اسود من فتاة هندية ما يبدو انه شال لزوجته ويخرج من جيبه مغلفا بنينا مليئا بالنقود. يعطي تسوتسي الاشارة للملاحقة، يحاصر الرجل العجوز من قبل العصابة، ويتم قتله في عربة القطار المزدحمة، تنتهي الرحلة ويخرج جميع الركاب وتترك العصابة القطار والرجل العجوز مضرجا بدمه. في تلك الليلة، بوسطن، الذي لا يتحدث الا وزجاجة الخمر بيده يعنف تسوتسي علي فعلته وبفعل الخمر يتحداه ان يكشف عن اسمه الحقيقي، فهو علي معرفته الطويلة به لا يعرف اسمه الحقيقي ولا من اين جاء، وعندها يقوم تسوتسي بضربه ضربا مبرحا ويتركه هاربا في طريق هرب به في الصغر.السرقة هي واحدة من عمليات العصابة، اما الاخري فهي سرقة السيارات، في حي راق، يراقب تسوتسي وحيدا سيدة سوداء غنية تصل الي بيتها المحصن بالبوابة الكهربائية، عندما لا تفتح البوابة تذهب سيدة البيت بولما (نامبيثا امفوالانا) لاعلام زوجها في البيت، في تلك اللحظة ينتهز تسوتسي الفرصة ويقوم بسرقة السيارة بعد اطلاق النار عليها ويهرب، وفي منتصف الطريق يجد انه لم يكن وحيدا في السيارة، ويكتشف صوتا طفل صغير في المقعد الخلفي.لا يعرف المجرم تسوتسي ماذا يفعل بالطفل الصغير الذي لا يتجاوز الثلاثة اشهر، هل يتركه، يأخذه، والانطباع الاول هو قتله للطفل وبعده الانزلاق نحو مدينة الصفيح المليونية حيث لن يعرفه احد، او يأخذ النقود الموجودة في حقيبة السيدة ويهرب تاركا الطفل. كل هذه التوقعات التي ترفع درجة التوتر في الفيلم لا تتحقق، عندما يقرر تسوتسي اخذ الولد الصغير الي غرفته في مدينة الصفيح ويحاول ان يعتني به، وعندما يفشل يجبر امرأة جميلة ميريام (تيري فيتو) علي ارضاع الطفل. وعندما تفيق الام من غيبوتها تقدم وصفا للشرطة عن السارق تسوتسي، وعندها يبدأ رحلة الندم. في تسوتسي الكاميرا تركز دائما علي وجه البطل الشرير، وتنقل اكثر من بعد، الصرامة والقسوة والشدة التي لا تتوافق مع شاب لا يتجاوز العشرين من عمره، ولكن الملامح تتغير كلما تطورت احداث الفيلم، وعندما ينظر الي وجه الطفل يتذكر امه المريضة بالايدز وموقف والده القاسي المدمن علي الشراب والذي منعه من الاقتراب منها. في عالم عصابات مدن الصفيح، تعتبر عدم قدرة الشاب تسوتسي علي قيادة السيارة عيبا، فرئيس العصابة لا يسوق السيارات فقط ولكنه يتاجر فيها، ولكن رمزية العجز امام السيارة تعني انه يعيش حياة بدون اتجاه، ولا دليل او مرشد له ولهذا دائما يصدم تسوتسي السيارة ويحطمها. فيلم تسوتسي من الصعب مشاهدته للعنف والفقر والتشرد فيه، فهو علي خلاف افلام عنف عن مدن الصفيح مثل “مدينة الله” البرازيلي يتحدث عن عنف المجتمع الذي يواصل اندلاعه وانفجاراته، ومشاهد القتل والجريمة هي مشهد مصغر عن مشهد الموت الذي لا يزال يتحكم بحياة سكان مدن الصفيح علي الرغم من العهد الجديد. الفيلم هو عن اللوم، لوم المجتمع، عن جريمة ارتكبت بحق المجرم عندما كان طفلا، جريمة البيت المهدم، الام المريضة التي تريد ان تقول ان كل المجتمع في احياء الفقر مصاب بالايدز والرجال الذين لا يحبون الا الزجاجة، والجريمة هنا بحق الطفل تبدو واضحة في دفعه للهروب من البيت والنمو في اعمدة اسمنتية ملقاة علي حواف المدن الفارهة التي تتطاول ببناياتها الكبيرة وقرب بيوت الصفيح التي تفرخ الموت واليأس والخوف والقتل، طوال طفولته يعيش في هذه الاعمدة معتمدا علي السرقة قبل ان يتمكن من تشكيل عصابته وينتقل الي قلب المدينة المكتظة بالناس. ورغم قساوة الوضع الا ان الفيلم هو ايضا عن رحلة التحررمن الاثم والخوف، عن الكيفية التي تتغير فيها حياة مجرم بسبب طفل صغير لم يتجاوز الثلاثة اشهر. الطفل البريء بصفحته البيضاء يحدث انقلابا في حياة الشاب المجرم الذي اكتشف فيه براءته المفقودة مع ان كليهما نتاجٌ عن مجتمع مختلف، تسوتسي اجبرته الدولة علي المضي في طريق الشر،اما الصغير المختطف الان فهو من ابناء الطبقة الراقية من السود. علاقة تسوتسي بالطفل هي محاولة للاعتراف، القول ولو بطريقة غير مباشرة آسف علي كل الاعمال التي يقوم بها و لكنه لا يتحدث بلغة مباشرة عن ذنب المجتمع، ولكن عبر الحركة وعلاقته مع الطفل الذي يعطيه اسمه، نعرف ان الشاب يمر بمرحلة من الاصلاح، او العودة الي البراءة التي حرمها منه المجتمع. و تسوتسي هو اللقب الممنوح الي المجرم الاسود برطانة مدن الصفيح، واتخذه البطل للتغطية علي ماضية ورعبه. وظهور الطفل في حياته اعاد اليه ماضيه المقهور، ومن هنا فعملية التحول من مجرم الي الطفل الذي كانه هي رحلة سيكولوجية، فتسوتسي سار في طريق الجريمة و الاجرام لان الحياة اجبرته علي ذلك ولان لعبة البقاء في عالم المدن التحتية تقتضي ذلك. ولكن هذا الطفل الصغير يكشف عن حجم الرضوض والمخاوف في داخل البطل الشرير/ تسوتسي. فالجريمة هي محاولة لايقاف العنف بالعنف. في الماضي كان تسوتسي يحمي افراد عصابته بالعناية بهم وباستعراض قوته امامهم، فالقيادة لا تتم الا بالعنف، يضرب صديقه بوسطن ويلقيه ارضا مضرجا بدمه، وفي محاولة لمنع جريمة قتل اخري يقتل صديقه بوتشر . مع وصول الطفل ودخوله المفاجيء في حياته يقوم الطفل بوضع حد لهذه التصرفات، فهو لم يكن كمجرم جاهزا اصلا للتعامل مع طفل، تنظيفه، اطعامه، وعندما يجبر سيدة علي ارضاع الصغير، يتكشف عالم جديد له لم يكن يعرفه، عالم الامومة وعالم البيت الآمن علي الرغم من المأساة التي تعاني منها المرأة التي قتل زوجها عندما كان عائدا من العمل، وربما كانت عصابة تسوتسي هي التي قتلته. تسوتسي علي الرغم من الخوف ومشاهد العنف فيه الا انه فيلم ايجابي، عن التحرر من الخوف كطريق للخروج من حياة الشر، وهو رؤية من الداخل عن حياة سكان مدن الصفيح التي ترفض الشرطة دخولها لان سكانها بالملايين ويكتظون في بيوت خشبية او من الصفيح، ولكن في داخل هذه البيوت حيوات لا تعيش اليأس، وهناك في داخل الفقر امكانية لاصلاح النفس. تعكس الكاميرا دائما ما يدور في ذهن البطل الشرير في تحولاته عبر التركيز علي ملامح وجهه ونظراته، والتركيز علي الوجه يعكس درجات من التوتر داخل الفيلم، اولا عند اكتشاف الطفل الصغير، وعندما يواجه الرجل المشلول الذي يجمع الصدقات من المارة والمسافرين في محطات القطارات يسأله عن السبب الذي يجعله وهو العاجز، المريض يواصل الحياة، فعندما يقول له انه يحب رؤية الشمس ويتحسسها علي يديه يتركه ويعود. ولكن درجات التوتر العالية تظل مرتبطة بالطفل فهو يلقي بظله علي حركة الفيلم حتي عندما اخذه الي غرفته كنا نتوقع في اي لحظة ان يقتل الطفل او ان يموت من الجوع، ولكن هذا لم يحدث ابدا. وحتي عندما بدأ بالعناية بالولد، كنا نعرف انه ليس اهلا للامر، فهو يترك الولد مع علبة صفيح من الحليب المركز والتي تدعو جيشا من النمل، وقبل ذلك عندما يكتشف ان الولد بحاجة للتنظيف، ينظفه ويلفه باوراق صحيفة قديمة. وتسوتسي هو عن الحياة الجديدة في جنوب افريقيا، ففي الاحياء الراقية البعيدة عن فقر مدن الصفيح هناك طبقة من السود تستفيد من الوضع الجديد، وعندما يقود عملية ضد بيت الولد تحرص الكاميرا علي اظهار مدي الثراء والحياة المرفهة التي تعيشها العائلة ومنها غرفة الطفل الصغيرـ مقارنة مع الغرفة التي يعيش فيها في مدينة الصفيح والغرفة التي تعيش فيها الارملة مع ابنها. هنا بلد جديد للسود غير بلد المحرومين. يذكر فيلم تسوتسي بافلام الواقعية الجديدة في ايطاليا في الاربعينات من القرن الماضي، فتسوتسي/ ديفيد يقدم عبر الكاميرا بصورة قاسية لا يمكن التعاطف معها، وبشكل تدريجي تكشف الكاميرا عبر عدد من الاستعادات عن الظروف التي شكلت حياة الشاب. في داخل القسوة كانت فسحة للتراجع والاصلاح. في نهاية الفيلم عودة الي الذات، عندما يعطي الرجل المشلول المال الذي نثره علي الارض، وعندما يذهب الي البيت الذي ارتكب جريمة ضده. نهاية الفيلم لا تعني الكثير، فهو لم يهرب كما يفعل المجرم عندما يحاصره رجال الشرطة، ولم يقم باستخدام الطفل لتأمين الهروب، بل تصرف كحدث يعرف انه ارتكب خطأ ما، ويرتجف خوفا من الآتي وليس من المصير، فهو واحد من الاف الضحايا في جنوب افريقيا، ضحايا العنف والفقر والتشرد والعنصرية. في تحولات تسوتسي، تلعب الام ميريام دورا ذكره بدور الام، ورفضها لماله الذي سرقه من بيت الثري الاسود، كان اشارة عن الحياة النظيفة التي تحاول عائلات كثيرة في مدن الصفيح عيشها، وميريام هي بمثابة الام التي فقدها، وعندما ذكرته انه حتي لو اعطي الطفل الحليب وارضعه اياه فلن يكون امه الطبيعية، وافضل شيء يقوم بعمله هو اعادته لامه الحقيقية التي فقدت القدرة علي المشي بسببه. ولهذا فميريام هي ضميره، ضمير الام التي تطمح لابنها بالحياة المستقيمة.غافين هود في رسمه لملامح التحول في حياة مجرم هو تسوتسي، يعيد الكثير من تقنيات الواقعية الجديدة في السينما الايطالية. منذ ان ظهر الطفل في السينما خاصة في فيلم تشارلي تشابلن (الطفل) نعرف ان مسار الفيلم اما يتحول الي الكوميديا او التراجيديا، وفي تسوتسي، اللحظات التراجيدية فيها الكثير من الابعاد الساخرة. رغم ان الفيلم عن جنوب افريقيا في اثناء التمييز العنصري وما بعده الا اننا لا نري الا ظلال تلك الفترة القاسية التي لا تزال تلقي بثقلها علي الاحياء المكفهرة، الشوارع المغبرة، الاطفال المشردين، وحبال الغسيل المتناثرة بطريقة كرنفالية علي الاسلاك الشائكة، وطوابير السكان تبحث عن الماء من مضخة الماء الوحيدة في الحي. ولكن في داخل هذا الجو القاتم هناك حياة او حيوات جميلة، ترغب في الحفاظ علي انسانيتها، واستقامتها، والعيش بحرية وكرامة. ربما كانت مريام هي الوجه المخفي، الوجه الاخر لاحياء التنك التي تحاول الخروج من عزلتها. عندما انتخب نلسون مانديلا كان طموح ابناء احياء التنك هو الحصول علي بيت، وبعد اكثر من عشرة اعوام ما زالوا ينتظرون البيت الامن.فاز الفيلم الذي انتج بميزانية متواضعة بجائزة الاوسكارلأحسن فيلم اجنبي، حيث ان لغته هي تسوتسي – تال او اسيكماثو وهي اللهجة او الرطانة التي تستخدم في مدن الصفيح الافريقية وتقوم علي الافريكان، وزولو، خوسا، وتسوانا وسوثو. بقي ان نقول ان اثول فوغارد (ولد عام 1932) عاش في بورت اليزابيث، وبعد تجربة قصيرة في التمثيل بدأ يكتب مسرحيات، كلها عن جنوب افريقيا، وتحمل دائما ابعادا سياسة عن الابارتيد وما بعد الابارتيد. ولكن السياسي لا يؤثر علي الطريقة التي يتعامل فيها مع الشخصيات، سواء كانت قوية او ضعيفة وتعاني من مشاكل في علاقتها مع المجتمع، او لا تعرف وضعها وماهية الدور المناط بها. في عام 1963 قامت السلطات العنصرية بمصادرة جواز سفره بعد ان عرض مسرحية عقدة الدم ، واعماله الاخري في تلك الفترة مثل سويزي بانزي ميت و الجزيرة و نمر الكابتن وغيرها صورة عن تلك الفترة في رعبها وقساوتها وشحنتها السياسية. وروايته تسوتسي هي الرواية الوحيدة التي كتبها.ناقد من اسرة القدس العربي 0