سفينة المشروع النهضوي إلي أين.. تسييس الدين أو تديين السياسة؟
مطاع صفديسفينة المشروع النهضوي إلي أين.. تسييس الدين أو تديين السياسة؟هل هي ظاهرة العودة إلي الدين، أم أنها هي السياسة التي تتسلم التدين كإيديولوجيا جديدة بديلة عن المذاهب السياسية العلمانية التي تهرأت منطلقاتها النظرية تحت وطأة الممارسات الفاسدة للأنظمة الحاكمة باسمها. فالسياسة لا تزول ما دام هناك اجتماع إنساني يحتاج الي انتظام أموره وحماية أمنه المعيشي والمدني. وهي دائماً مستعدة لاستخدام العقائد والأفكار الشمولية كيما تحقق أهدافها. والدين هو إحدي هذه العقائد، وربما أهمها لأنه لا يكتفي بطرح المصائر العامة ومخارجها التاريخية فحسب، بل يبحث عن طرق الخلاص الذاتي للأفراد. وحين يشتد يأس الناس من بلوغ أبسط أهدافهم اليومية بوسائل الإيديولوجيات المطروحة، يغدو التعلق بالقوي العلوية المفارقة هو السبيل الأخير للخلاص العام والخاص.مجتمعاتنا العربية الثائرة في مجملها علي أنظمتها السياسية البالية الفاسدة لا تتراجع حقاً عن الالتزام بأهدافها التاريخية، لكنها باحثة عن الأجهزة الفكرية والعملية البديلة عن كامل (عدة) الشغل المألوفة التي تهرأت وتداعت تحت طائلة الهزائم الحضارية التي منيت بها تجاربها الوطنية والقومية الخائبة.فالمسألة ليست تسييس الدين، أو تديين السياسة. ولكن جعل كل منهما في خدمة الآخر. بما معناه أن الصالح العام هو المحطة الأخيرة التي يتوق كل من السياسة والدين إيصال جماعته إلي جنته الموعودة، مع فارق الاختلاف حول الطرق المؤدية إلي الهدف الواحد عينه. ذلك هو التسويغ (المنطقي) الذي يتحاشي وضع القطبين في موقف التناقض الحدي بينهما، كما أنه يتحاشي ما أمكن إضفاء صيغ التكامل المصطنع بينهما. وفي التجربة العربية الراهنة حيثما يتردد الاعتقاد أن التدين قد حل مكان السياسة وألغي دورها إذ استولي علي جماهيرها المتحركة بالجملة، وأزاح عن كاهل هذه الجماهير قياداتها التقليدية، سواء منها المتوارثة عشائرياً أو الطارئة انقلابياً. نقول إنه في التجربة العربية الراهنة لا يمكن التسليم بشائعة الدين بديل السياسة، فليس هناك صراع إلغاء متبادل بينهما. إذ ان انتشار التحشيدات الاسلاموية إنما يأتي امتداداً لظاهرة التحشيد العقائدي المسيطرة بصفة عامة علي تاريخ الحياة السياسية منذ مطلع الاستقلالات الوطنية. فالجماهير هي عينها التي شكلت قواعد الأولي وراحت تشكل القواعد الاسلاموية المستجدة والمتكاثرة. وهي التي قد تصير يائسة من الأولي، ومتأملة في قوة الثانية وسلامة ممارستها ونجوع شعاراتها. إنها بالأحري طامحة في (ثورة أخلاقية) علي مبتذلات الأولي ومصارع القيم التي كادت أن تختص بها فقط. أي أن الدعوات الدينية قد اختارت مداخل الأخلاق إلي حركاتها، وأعادت تربية الفرد سلوكياً أكثر من تلقينه أيديولوجياً. ذلك أن انهيار الحقبة الأيديولوجية كان أخلاقياً في المقام الأول. فقبل الفساد السلطوي تفشي الفساد الأخلاقي في رموزه وقياداته.هنا يبرز التشبت بثقافة الفضائل الدينية كإعادة اعتبار لتربية الفرد كأساس داعم لنصاعة النضال الجماعي والارتفاع به إلي مستوي الجهادية المرادفة للتضحية بالذات دونما قيد أو شرط. وهذا ما يُعبّر عنه بإعادة السياسة إلي حضن الأخلاق، بحيث يلعب ضمير الفرد مجدداً دور الرقيب الأول علي سلوك صاحبه. فلا شك أن مصادرة أنظمة الاستبداد لشعارات بعض الأيديولوجيات القومية والتقدمية واتخاذها متاريس دفاع لفظوية خلال تحولها الي سلطات إقطاع فئوي، قد دفع بغالبية النخب الثقافية إلي التخلي عن قيادتها للشارع تجنباً للقمع السلطوي من جهة، والتحاق بعضها بمراكز النفوذ الحاكمة من جهة أخري. فتمت بذلك أكبر عمليات تجريد الجماهير من وظيفتها الطبيعية في ممارسة رقابتها لتصرفات الحاكمين والتعبير عن حق المعارضة السلمية. وخضعت المجتمعات العربية إجمالاً خلال عقود متوالية، إلي أسوأ حملات القمع الجماعي المنظم، وبما هو أشد إظلاماً وجبروتاً مما عرفته خلال حقبة الاستعمار الأجنبي. فحدث ذلك الفراغ الكبير من الحركات السياسية العادية والتلقائية من واقع الحياة العامة. ومع ابتذال الشعارات الوطنية والقومية وإفراغها كذلك من أبسط شروط الصدق والالتزام من قبل القوي المسيطرة، فقد طغت عليها كل نقائض الشعارات المرفوعة في نوع من الاستهتار واحتقار كرامة الدولة والوطن والشعب في علنية صارخة لم تعد تبالي بأية محاسبة أو اعتراض من أية جهة كانت.إن تحريم السياسة قد عوضت عنه سلطة الاستبداد بإطلاق الجمعيات ذات الطابع الديني، حتي كادت تغطي تقريباً سطح الحياة الاجتماعية. كأنما كانت السلطة تطبق الفكرة الماركسية القائلة بأن الدين هو أفيون الشعوب. فاعتقدت في المراحل الأولي أن إشغال الناس بشؤون العبادات قد يصرفهم عن مراقبة الحكم وتأليف الأحزاب السرية المعارضة. لكن التدين لن يظل تعويضاً عن السياسة وبديلاً لها. سرعان ما ينقلب هو كذلك إلي سياسة أخري. وسوف تأتي بمحصول فكري وعقائدي مختلف، وتنظم شؤونها بأساليب تحشيد وتوجيه وإعداد لم تألفها التنظيمات المدنية السائدة قبلها. لكن الدين عندما يغدو هو السياسة فإنه سوف يعاني من كل أمراضها أكثر مما يفيد من مزاياها. سيصير إلي انقسامات وتتقاطعه تيارات متباينة تزايد علي بعضها، وتكون عرضة لشتي ضروب الاستثمار والتوظيف الخارجي والداخلي، فالغرب راهن دائماً علي الزعامات الدينية التقليدية في كبح حركات التحرر، وتثبيت أصول التخلف الحضاري. ودعم الأنظمة العشائرية المتحالفة تقليدياً مع المؤسسة الدينية. وكذلك استندت طبقات الإقطاع القديم والمستحدث إلي هذه التحالفات واستثمرتها كمتراس ضد تصاعد النزعات القومية والتقدمية التي حاولت أن تعطي الي الاستقلالات الوطنية مضموناً نهضوياً شاملاً، وذلك قبل أن تقع هذه المرحلة كلياً في قبضة الانقلابات العسكرية، التي بدورها ما لبثت أن استنفدت حيوية التحرر كسياسة نهضوية شاملة، تحقق حداثة عصرية في الفكر الاجتماعي، وترقي بشعوبها الي مصاف الأمم الحرة والمبدعة التي تستحقها وتؤهلها لها امكانياتها البشرية والمادية الهائلة.ما كان يسمي بتوأم الرجعية والاستعمار شكّل حقيقة جوهرية تختصر مجمل عاقات الأمة ذاتياً وخارجياً. وكان السلاح الأهم في يد هذا التوأم هو إعادة إنتاج مؤسسة التخلف والانحطاط، ومدّ سلطانها إلي مختلف المجالات المتحركة، الواعدة بالتغيير الحر. وتحقيق تنميات متوازنة متكاملة علي الصعيدين الوطني والقومي معاً، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً. كان ذلك هو العنوان الجامع الشامل لمختلف حركات الشبيبة الصاعدة في أوسع مساحة جغرافية وسياسية برزت معالمها المضيئة عقب جلاء الجيوش الأوروبية عن مناحي الوطن العربي المحتل. ولم يكن الدين غريباً أو نائياً عن هذ الدفق النهضوي المحرك لجماهير الأمة وطلائعها المتنورة عامة. ولم ينفصل بعض الدين وأدعيائه إلا بعد أن جري اتهام التقدم العربي إجمالاً بالشيوعية، عندما كادت موجة التقدم تطيح ببقايا الأنظمة العشائرية، وتفتح الطريق هكذا واسعاً أمام قيام وحدة اجتماعية نهضوية مبشرة بلمِّ شعث الخارطة العربية المجزأة. فالسياسة حتي ذلك الحين والمفترق التاريخي كانت هي أجندة التكامل بين الوحدة القومية ومحتواها من مشروع النهضة المؤصلة بالحداثة في بُعدها العمقي الذاتي حسب شخصية مفهومية جديدة لن يكون التراث بعيداً عن أصولها الثقافية، ولن يكون الدين مبعث تمييز تكفيري إيماني ما بين مكونات مجتمعاتها المتحررة العازمة علي الخروج النهائي من عصر انحطاطها المتمادي من عمق الماضي إلي راهنية الحاضر، والمهدّد دائماً لآمال المستقبل المختلف المنشود.لكن (الانحطاط) كان أفعل من قوي نهضة ناشئة. لقد كان يمتلك وسائل مجربة باختطاف فرص التغيير، وقابلة للاستخدام الذكي والمبرمج من قبل كل عدو أهلي أو أجنبي، تخيفه ملامح الاستقلال الحقيقي لشعوب العرب والاسلام. إذ إن استقلالها هذا هو طريق وحدتها الحتمية. وذلك هو أخطر ممنوع دولي في أجندة كل قوة دولية طامحة للهيمنة علي العالم، ومن مدخل هذه القارة العربية الاسلامية دائماً.واليوم، واللعبة العقائدية في أوج سلطانها (الشعبوي)، وعلي محاور التطويف والتمذهب والعنصرة، فقد أمست هي سياسة الأمر الواقع. وهي التي تقدم أسلحة متعارضة إلي أيد متقاتلة. أما إذا سألت عن (الدين) أين هو من كل هذه التسميات والشعارات التي تنطق باسمه، فهو الغريب الحقيقي في كل ملّة ونحلة تدعي أنها هي أهله والناطقة الوحيدة بلسانه. في حين أن الانحطاط ومستغلّيه، من غرباء وأقارب، هو المحصلة الأخيرة للعبة العقائدية المفتعلة والتي تكاد تصير وحدها واسطة التحشيد والتشرذم. فهي في العراق أحدث آلة لتفكيك أواصر جسده ومجتمعه ودولته. وهي في لبنان الحارسة الأمنية علي استمرارية دولة الطوائف في مختلف عهود الجلاء والاستقلال العابر ثم في حقبة الوصاية ابتداء من نفوذ الجار إلي (الانتداب) المزدوج الأمريكي الفرنسي.لكن الدين كسياسة للأمر الواقع الجماهيري الذي انتهت إليه الأحوال العامة لأكثر المجتمعات العربية، لا يمكن اختصاره بأعراض الأمراض الفئوية الملصقة به. فهو في الآن عينه أصبح يمثل الأقطاب الأقوي أو المحورية في كل معارضة متصدية لأنظمة الاستبداد وإقطاعاته السلطوية المطلقة والاقتصادية الفاسدة. إذا لم يكن بنداً رئيسياً في أجندة النهضة، فقد يشكل في سياقها مؤونة لحركة تصحيحية تعيد إنتاج أخلاقيتها المفقودة أو المتعثرة، وتردّ لها جماهيرها النائية عنها، وتقربها ربما من أهدافها الصعبة.9