تطوّرات جديرة بالانتباه في الأردن

حجم الخط
10

تزامن قصف طائرات أردنية بلا طيار قاعدة تتبع تنظيم «الدولة الإسلامية» في جنوب سوريا أمس مع وجود الملك الأردني عبد الله الثاني في واشنطن وبعد لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
يحمل اللقاء بذاته إشارات مهمّة كون العاهل الأردني كان أول زعيم عربيّ يلتقي ترامب بعد استلامه منصب الرئاسة رسميّاً، فهذه الأفضلية تدلّ على تفهّم الإدارة الجديدة لدور الأردن الحسّاس في منطقة شديدة الالتهاب، فيما يشير القصف إلى تموضع سياسيّ وعسكريّ مستجدّ للأردن ضمن التوجّه الأمريكيّ العام والذي يشكّل القضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية» بؤرة مركزيّة فيه.
ينتبه تقرير تنشره «القدس العربي» اليوم إلى أن القصف الأردنيّ لم يواجه بتعليق عدائيّ سريع من النظام السوريّ ويفسّره بكونه تغطية من النظام للعملية إذا تمّ عطفها على عودة الإعلام الرسمي الأردني لاستخدام مصطلح «الجيش العربي السوري» بدل «الجيش النظامي»، وأن قوات تنظيم «الدولة» المستهدفة كانت تسيطر على قاعدة انتزعتها من جيش النظام، صار الاستنتاج أن ما حصل كان «شكلاً من أشكال التعاون مع النظام السوري» قابلاً للهضم.
يشكّل القصف الجانب العمليّاتي (والشكليّ) من تطوّرات أكبر يعتبر الأردن الرسميّ أنه الأقدر على استشرافها والتعاطي معها، وبالتالي فإن تغيير لهجة عمّان الرسمية نحو النظام السوري وسكوت دمشق الرسميّ (وكذلك المختصّين بمناوشة الأردن من أنصار الأسد كجنراله المخضرم بهجت سليمان عن تغريداته الفظة) عن عمليّات الأردن العسكرية الحاليّة (والمقبلة) هما مؤشّران مهمّان لكنّهما تفصيليان في إطار اللوحة المعقّدة الأوسع التي يجري تشكيلها في المنطقة العربية، وإن كانت سوريا موقع اشتعالها الأخطر.
يمكن تفسير صمت دمشق كنوع من الرضوخ لتوافق دولي على أن أوان التخلّص من الدور الوظيفي لتنظيم «الدولة الإسلامية» قد نضج بعد أن قام النظام السوري باستنفاده إلى أقصاه وكانت النتائج كارثية على سوريا والمنطقة والعالم مما أدى إلى موافقة المنظومة الدوليّة على تقبّل الصفقة المطلوبة: الخلاص من «الدولة الإسلامية» مقابل إعادة تدوير النظام الذي تم اختصاره إلى سيّديه الحاليين، روسيا وإيران، وتطعيمه بمعارضة تم تكسيرها وتخفيض قيمتها المعيارية برفدها بمعارضات محسوبة بدورها على أطراف لا تبعد كثيراً عن النظام، منها موسكو نفسها، ومنها مصر.
لقاء عبد الله الثاني بترامب والنقلة العسكرية الأردنية هدفهما إذن إعلان الحضور غير المحسوب لعمّان في التسوية الجاري عقدها يستخدم أوراق نفوذ الأردن المهمّة ضمن المعارضة السورية، ولكنّه يطمح أيضاً إلى التخفّف من عبء اللاجئين السوريين ومن مجموع هذين يتمّ التفكّر في قضية «المناطق الآمنة» ووظيفة الأردن في تأمينها على الخاصرة الجنوبية لسوريا.
إضافة إلى واشنطن الحاضرة في خلفيّة هذا التحرّك، تحضر موسكو أيضاً، كما تحضر السعودية التي تشعر بأن مفاوضات أستانة قد أبعدتها نسبيّاً عن التأثير الفاعل في الملف السوري، وهو ما يجعل المسألة مناط تطلّع أردنيّ لإمكانيات تفعيل العلاقات والمصالح، العاجلة منها أو البعيدة المدى، مع موسكو والرياض على أرضية الرمال المتحرّكة للتسوية السورية.
التساؤل الضروري هنا هو هل يتناسب هذا الخطّ الخارجيّ المستجد للأردن مع الملفّات الأردنية الداخلية.
القضية الأكثر بروزاً مؤخراً وجدت عنواناً كبيرا لها في قضية اجتماع «الإصلاح أو الموت» والتي أدت لاعتقال 19 شخصاً أغلبهم سبق أن شغل وظائف أمنية وعسكرية وبرلمانية، وقد أظهر الاتهام الخطير لثمانية منهم بالسعي «لتقويض نظام الحكم»، الجانب الخشن والأمنيّ للدولة الأردنية.
الرسالة الواضحة كانت أن المؤسسة الحاكمة ليست في وارد التسامح إطلاقاً مع أي تحرّكات سياسية معارضة حتى لو كان القائمون عليها من «أبناء» الدولة نفسها، وهي رسالة مرتبطة، بالتأكيد، بالمناخ الدوليّ الذي تتصاعد فيه نزعات تعديل الدساتير واعتبار الإصلاحات أمراً يفضي للفوضى.
هي مرحلة على العالم أن يجتازها ليتأكد، مجدّداً، أنه على خطأ!

تطوّرات جديرة بالانتباه في الأردن

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية