الفرق بين الاستبداد الأمريكي ونظيره العربي

حجم الخط
5

لم تُخطئ وسائل الإعلام الأمريكية عندما شبهت الرئيس الجديد دونالد ترامب بأنه «سيسي أمريكا» وأنه «رئيس شرق أوسطي»، في إشارة إلى استبداده وسلطويته، وعلى اعتبار أن حكام منطقة الشرق الأوسط هم المعروفون دوماً بتسلطهم واستبدادهم وقهرهم لشعوبهم، لكن الحقيقة أن الاستبداد الأمريكي يظل مختلفاً عن نظيره العربي في أمرين لا ثالث لهما.
في غابة الاستبداد الأمريكي ثمة مؤسستان تضعان حداً لأي سلوك غير قانوني أو غير عادل أو يتناقض مع معايير حقوق الإنسان قد تنزلق له السلطة التنفيذية، وهاتان المؤسستان هما: الكونغرس (أي البرلمان) والقضاء الذي يُشكل على الدوام جدار الحماية لأي مظلوم، ويقفُ حائلاً أمام الاستمرار في أي انتهاك للقوانين في البلاد.
وخلال أيام قليلة من تولي ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة جنح نحو اتخاذ جملة من القرارات التنفيذية المرعبة التي أثارت جدلاً واسعاً واحتجاجات كبيرة، وبينما كان مئات الآلاف في الشوارع الأمريكية يحتجون على قرارات ترامب كان عشرات القضاة ينظرون في شأنها، وسرعان ما تصدت المحاكم لتلك القرارات، أو لبعضها على الأقل.
في الولايات المتحدة نجحت قوى العدل باستصدار حكم قضائي يُطيح بالقرار العنصري الاستبدادي الذي اتخذه ترامب بحظر دخول رعايا سبع دول مسلمة، وهو قرار لم يعرف له الأمريكيون مثيلاً في تاريخهم، بسبب أنه ينطوي على عقاب جماعي لمواطني هذه الدول، وهو ما يتنافى بشكل كامل مع القوانين الأمريكية النافذة، بما في ذلك الدستور الأمريكي ووثيقة إعلان الاستقلال والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، على أساس أن كل هذه القوانين والمواثيق تحظر التمييز بين الناس على أساس الدين أو العرق أو الأصل.
في أمريكا يوجد اليوم رئيس مستبد ومتسلط، وهذا ما وصفته به وسائل الإعلام المحلية، بما فيها شبكة «سي أن أن» التي تعرَّض مراسلها للإسكات وتكميم الفم خلال أول مؤتمر صحافي لترامب، كما أن منصب الرئيس في النظام السياسي الأمريكي يُعتبر الأقوى من حيث السلطات، مقارنة بغيره من الأنظمة السياسية الديمقراطية في العالم، وهو نظرياً يستطيع أن يفعل ما لا يتمكن غيره من الرؤساء أن يفعل.
ثمة فرق جوهري ومهم بين الاستبداد في الولايات المتحدة والاستبداد في العالم العربي، في أمريكا يتصدى القضاء المستقل للحاكم المستبد، ويتصدى الكونغرس رغم أن أغلب أعضائه من الحزب الحاكم للاستبداد أيضاً، أما في عالمنا العربي فإن البرلمانات ليست سوى مهرجانات للتطبيل للسلطة السياسية الفاسدة، بدلاً من أن تقوم بعملها في مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية، أما القضاء فأغلبه إن لم يكن كله بات مراكز للظلم والقهر وإعانة النظام المستبد على شعبه، ورحم الله القائل: «لا تغرنكم عبارة (العدل أساس الملك) في المحاكم، فكم من اللصوص كتبوا: (هذا من فضل ربي)».
في العالم العربي يفتقد الناس لمحاكم العدل، ويفتقد القضاء للاستقلال، كما أن الإعلام يتلقى أوامره من ضباط أجهزة الأمن، ولا يجد الناس من يلجأون إليه لينتصر لهم، بينما لا نتوقع أن يستمر الأمر في الولايات المتحدة على حاله طويلاً، إذ لا يمكن للقضاء والبرلمان أن يتركوا ترامب يُغرق البلاد بقرارات استبدادية تُعيد الولايات المتحدة عقوداً إلى الوراء وتقضي على ديمقراطيتها.
كاتب فلسطيني

الفرق بين الاستبداد الأمريكي ونظيره العربي

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية