عندما تؤخذ الأمور بجدية، لا يملك عاقل إلا أن يتمنى انتهاء ولاية الرئيس دونالد ترامب اليوم قبل الغد. ولا يحتاج الأمر إلى إسهاب في الشرح، لأن الرجل يضرب مثل فيل في محل خزف! وأول أسبوعين من حكمه قالا كل شيء وبعثا بهذه الرسالة: إذا كانت السنوات الأربع المقبلة ستمضي مثل الأسبوعين، كان الله في عون أمريكا والعالم!
لكن هناك وجها آخر للصورة يدفع إلى التمني أن تمضي ولاية الرئيس ترامب إلى نهايتها لنرى كل شيء ويتبيّن إن كان الأسبوعان القاعدة أن الاستثناء، ولأن الرجل سيكون طرفا أساسيا في الكثير من المواقف والأحداث التي من حق العالم أن يعيشها ويعرف عنها.
من هذه الأحداث وقائع لم تتوقف عندها وسائل الإعلام طويلا، لأن الأوامر التنفيذية المتعلقة بحظر السفر وبجدار المكسيك والمنظومة الصحية، غطت عليها.
قبل أن ينقضي الأسبوعان كان الرئيس ترامب قد أقفل سماعة الهاتف في وجه رئيس الوزراء الأسترالي. وهدد رئيس المكسيك بإنزال عسكري. وتماطل في استقبال ملك الأردن عبد الله الثاني، وبعد أن استقبله صدر عن الجانب الأمريكي بيان غريب في شكله ومضمونه.
كانت البداية من حول الاتصال الهاتف الذي أجراه ترامب بالملك سلمان، فتضاربت الروايات حول موضوع المناطق الآمنة في سوريا: البيان السعودي شدد على أن الرجلين اتفقا (على إقامتها)، بينما جاء في البيان الأمريكي أن ترامب «طلب» من الملك «المساعدة في إقامة هذه المناطق، والأخير وافق.
ثم المزيد: صحيفة «نيويرك تايمز» أوردت الخميس الماضي أن اتصالا هاتفيا بين ترامب ورئيس الوزراء الاسترالي، مالكوم تـَرنبُل، شهد تبادل لغة حادة وكاد أن يسفر عن أزمة بين البلدين.
كان من المفروض أن يناقش الاتصال اتفاقا أبرمته إدارة أوباما مع الحكومة الأسترالية وتعهدت فيه باستقبال ألف ومئتين وخمسين لاجئا. غير أن ترامب أراد التنصل من الاتفاق، ما أغضب رئيس الوزراء الأسترالي. في ذروة المكالمة الهاتفية وبعد أن وصل النقاش إلى طريق مسدود، أنهى ترامب الاتصال بطريقة تخلو من الاحترام والأعراف الدبلوماسية، وفق «نيويورك تايمز».
الذين أذهلهم هذا التصرف في الولايات المتحدة يخشون من آثاره على علاقات البلدين، وهما حليفان قويان أيّا كانت الإدارة في البيت الأبيض، ديمقراطية أو جمهورية. كما تنامت المخاوف من أن يكون من تداعيات ذلك التصرف ارتماء أستراليا في أحضان الصين، مع ما لذلك من عواقب على أمريكا ومصالحها الاستراتيجية في المحيط الهادئ.
في اليوم نفسه، الخميس، نقلت مجلة «تايم» الأمريكية عن مصادر خاصة أن ترامب، وفي مكالمة هاتفية، هدد الرئيس المكسيكي، إنريكي بينا نيتو، بإرسال قوة عسكرية إلى الحدود «لتأديب أولئك الأشرار».
لم تقل المجلة من هم «الأشرار» المقصودون بالتهديد، ولكنها تكهنت بأن يكونوا إما المهاجرين غير الشرعيين الذين يتسللون عبر الحدود، أو مهربي المخدرات الذين يخوضون حروبا مستمرة مع السلطات وحرس الحدود.
المجلة قالت انها لم تتمكن من معرفة ردة فعل الرئيس المكسيكي في تلك المكالمة، لكنها نبهت إلى أن لغة ترامب كانت مهينة، ولم تُخفِ ذهولها من اللغة التي يستعملها الرئيس الأمريكي في مخاطبة نظرائه، وبالخصوص رئيس دولة طالما اعتُبرت الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.
إذا صحت هذه الرواية، قد يدفع بينا الثمن من شعبيته في بلاده بعد ارتفاعها عقب إلغائه زيارة كانت مقررة إلى واشنطن في 30 من الشهر الماضي، رداً على قرار ترامب بناء جدار على الحدود وإصراره على أن المكسيك ستتحمل تكاليفه.
يوم الخميس كذلك، السفارة الأمريكية في لندن تصدر بيانا عن استقبال الرئيس ترامب للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في آخر يوم من زيارة للأخير لواشنطن كانت بدأت الإثنين 30 كانون الثاني (يناير).
اللافت في بيان السفارة الأمريكية إشارته إلى أن ترامب والملك عبد الله التقيا بسرعة.
علاوة على تأخر لقاء الرجلين (بعد مرور 4 أيام من وصول الملك عبد الله إلى واشنطن في زيارة مُعلنة)، منطقيا لم يكن هناك داعٍ للإشارة إن كان اللقاء طويلا أو قصيرا، إلا إذا كان أصحاب البيان (لماذا توزعه السفارة الأمريكية في لندن على الصحافيين؟) يهدفون إلى إيصال رسائل معينة.
يبدو ان البيان يحمل رسالة معينة، على الرغم من أن زيارات ملك الأردن إلى أمريكا تستغرق في العادة مدة أطول من بقية الرؤساء والملوك، وتتخللها نشاطات تتراوح بين العام والخاص.
لا حاجة لللتذكير بأن الأردن هو الحليف الأوثق والأقرب للولايات المتحدة في العالم العربي. علاقاته مع واشنطن بلا مطبات وخالية من الأزمات.
إذا كان ترامب يعامِل ملك ورؤساء دول حليفة وصديقة بهذا الشكل غير اللائق، يحق للمرء أن يتساءل كيف سيتصرف في حضرة دول علاقاتها فاترة أو مأزومة مع الولايات المتحدة.
إلى وقت قريب كان الرؤساء يخشون العقيد معمر القذافي و»فلتاته» زائراً أو مستقبِلا، وربرت موغابي ولسانه «الفالت». لكن القذافي وموغابي ومم يشبهانهما، ظواهر صوتية وقول أكثر من فعل.
اليوم، نحن أمام رجل بينه وبين كارثة نووية «كبسة زر»، كما يقال.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي