سويســرا… «حكاية من ألف ليلة وليلة»

حجم الخط
11

(1) كانوا ثلاثة أصدقاء… أكملوا الدراسة الابتدائية في مدينتهم التي تقع حيث نهردجلة. ومع بداية العطلة الصيفية كان الأصدقاء الثلاثة يتقاطرون مع عديد الفتيان الآخرين عند شاطئ النهرالعذب المفروش بالحصى، لممارسة السباحة للتخفيف من حرارة الصيف الذي حلّ وطلّ، وليبتعدوا عن المدينة التي كانت مزيجاً من سبع عشائر تسكن حاراتها الحلزونية العتيقة، وهي تمور بعد العصر موراً، كأنها في مهرجان فيه مدّ وجزر وصيـد… وفيه للكبار سهم وسهم، وليس للصغار بينهم أرب للتنافس، بموجب العرف القديم.
وهكذا أعتاد أولئك الأصدقاء الثلاثة على أنْ يدلفوا إلى شاطئ النهر من بعد ظهر كلّ يوم من أيام الصيف، من دون أنْ ينشغلوا بعالم الكبار في المدينة التي تبعد عن النهر، أقل من ثلاثة كيلومترات. وعند الشاطئ توجد إسالة تصفية المياه القريبة من النهر، لينقل عبر أنابيب ذات أقطار واسعة إلى موزّع المياه قرب البلدية، ومنه إلى المنازل الكثيرة. كان مبنى إسالة المياه يبعد أقل من ألف متر عن الشاطئ الذي اتخذه الفتيان (بلاجاً) للسباحة…وهو شاطئ مكوّن من تلة صغيرة، ذات تكوينات صخرية هشة، لكنها مرتفعة، فيتخذها الفتيان للقفز من فوقها مباشرة إلى الماء.. وتتمّ في ذاك الموقع التليّ تنافسات أكثر مما هي مسابقات… تعتمد القفز لأبعد مسافة، والغوص لأطول مدّة تحت الماء، والسباحة لأبعد علامة في وسط النهر. وكانت شجرة توت قديمة، تقع خارج الشاطئ، لكن في موسم الفيضان الصيفي يغطي النهر أغلب جذعها… فتكون علامة للفتيان لبلوغ منتصف النهر، ومنْ يصل إليها قبل غيره ينال الجائزة من الشجرة، وهي حبات التوت الأبيض الحلو المذاق… لتعويض ما فقده (السبّاحون) من سعرات وسكريات نتيجة مجهود العوم السريع، في تلك المنافسات الصبيانية. وهكذا أصبح الأصدقاء الثلاثة الأقرب لبعضهم بعضا، بسبب التآلف واللقاء اليومي، الذي عززته أيام التلمذة في المدرسة، وفوق ذلك العيش المشترك في مدينة واحدة، رغم أنّ كلّ فتى كان ينتمي إلى عشيرة من العشائرالسبع، من دون إحساس الفرقة والتفرقة والتنابز الذي كان يسود بين الآخرين أحياناً. واصل الأصدقاء الثلاثة رحلة العمر طوال السنوات التالية للابتدائية، ولأنّ لكلّ فتى شخصيته، تمّ توزيع مسمّيات مبتكرة على كلّ واحد منهم: الفتى الأخضر للأوسط، وسمّي بالفتى الأخضر لأنّ والده (البخيل) كان يمتلك مزرعة كبيرة، ورثها عن والده، جدّ ذاك الفتى، فتناسب اختيار اللون كنية له، مع لون الزراعة والأرض الأديم، كما هي لون البدلة (الكاكي) التي كان أبوه يرتديها.

(2)

الفتى الأصفر للفتى الآخر، وسمّي بالفتى الأصفر لأنّ والده كان يمتلك (كورة جصّ) للبناء في الضواحي، وقودها من الزيت الثقيل ومادة الكبريت.. وكان والده قليل المال فيضطر لفرض سطوته على الفتى كي يساعده في تلك الكورة بدل استئجار عامل، فأصيب الفتى بالاصفرار نتيجة الجهد حتى (أعتقه) والده خشية على حياته.. ولا يُعلم وقتها لماذا كان ذلك الاصفرار الشاحب فيه؟ وكانت دار الفتى قريبة من كورة الجصّ. والفتى الأزرق لثالثهم، سمّي بذلك لأنّ والده كان مديراً مرموقاً، وله معاش شهري جيد، والفتى كان يرتدي غالباً ملابسه المتميزة ذات اللون الأزرق، والتي تزيده وضاءة على وسامته.. وما يناله من غذاء، لا يناله الفتى الأصفر على الأقــل. ورغم هذا التباين الاجتماعي لم يتنابز الأصدقاء ولم يتنافسوا ولم يختصموا، بل كانوا معاً بمحبة في أغلب الأيام، سواء أيام الدراسة أو أيام العطلة: الربيعية والصيفية وما بينهما. وكان الفتى الأزرق كريماً وحريصاً على (توفير) الحلوى التي يعشقها الفتى الأخضر والفتى الأصفر، بسخاء وودّ، فهما لا يحصلان عليها، ولو بشقّ الأنفس. ونتيجة هذه الصداقة بين الفتيان، تعارفت وتقاربت أسرهم كذلك كنتيجة، مع بعضها بعضا، خاصة في المناسبات المتباعدة. وعلى الرغم من متعة الزمالة في المدرسة، لكن كانت متعة الفتيان الثلاثة الحقيقية عند شاطئ نهر دجلة، قبالة إسالة الماء الكبيرة، التي تمتدّ أنابيبها إلى عمق النهر، لسحب المياه إلى أحواض كبيرة، لتنقيته من الشوائب والطين والعوالق، قبل تطهيره بمادة الكلور عبر مكائن مستوردة من أوروبا. ولهذا كثيراً ما كان الفتيان كغيرهم من السبّاحين عند تلك التلعة الصخرية الجميلة يتزحلقون فوق أنابيب مياه الإسالة، بمتعة تفوق اللعبة الأفعوانية : فورمولا روسو، الأسـرع في العالم…أو زميلتها (فيراري). ورغم ذلك كان عمّال الإسالة يمنعون الفتيان من التزحلق الصبياني فوق تلك الأنابيب السوداء اللون، لكن عناد الفتيان لا يصدّ ولا يمنع بسهولة، لذلك عمد العمّال على وضع دهان فوق الأنابيب كي يصدّوا كلّ متزحلق يسعى الاقتراب إليها أو عليها، بالتلوّث. وكان الفتى الأصفر صاحب الحلّ الأمثل، فأحضر معه في أحد الأيام مادة من (كورة الجصّ) لأبيه ووضعها فوق الدهان فأزاله بسرعة، وتمّ غسل الآثار بمياه النهر الجاري، وانتهى الأمر. وحينما سُأل الفتى عن مصدرتلك المادة (السحرية)؟ أجاب بزهو: إنّ أبي اشتراها من مصنع في سويسرا. فكان التعجّب يفوق الجواب المليء بالسخرية والنكتة. فمتى سافر والد الفتى الأصفر الفقير إلى (سويسرا) وهو الذي لم يرَ العاصمة أصلاً؟ وهكذا أطلق الفتيان تسمّية سويسرا على تلك التلة الصخرية المرتفعة، تيمناً بما قاله الفتى الأصفر. وطفقوا حينما يريدون الذهاب للسباحة يقول بعضهم لبعض: سنلتقي في سويسرا.. أيْ عند تلك التلة الصخرية على شاطئ نهر دجلة. كبـرالفتيان، ثمّ تخرّجوا من المدرسة الثانوية، وكان حظّ كلّ واحد منهم يتناسب مع معدله الذي يقبل به.. لإكمال دراسته الجامعية.. وهي طمـوح الجميع آنذاك.

(3)

وكان الفتى الأصفر أقل الثلاثة في الحصول على معدل يؤهله للدخول إلى الجامعة، فآثر التقديم للكليّة العسكرية ليكون ضابطاً. أما الفتى الأخضر فدخل معهداً للمعلمين، فيما الفتى الأزرق الوحيد منهم الذي حظي بالدراسة الجامعية. لكن علاقة الأصدقاء الثلاثة لم تنقطع لتباعد أماكن حياتهم، بعد مغادرة المدينة القديمة إلى العاصمة. وكان الفتى الأزرق في السنة الأخيرة من الدراسة الجامعية حين اتصل به عصراً الفتى الأخضر ليخبره باستشهاد (الملازم) الفتى الأصفر… فدارت دائرة الذاكرة حتى فقد معرفة اليمين عن الشمال.. وتدفقت الدموع المالحة حتى شتت الأنظار، وزفر زفرة تفوق زفرة آخر ملوك غرناطة وهو يغادرها مدحوراً. يا الله الذي أعطى وأخذ، لقد أنتزعت عن كبد الفتى قطعة من فؤاده، وأسرع لا يهتدي بساعات تلك الليلة… وركب في آخر سيارة متجهة من العاصمة إلى المدينة القديمة…ليلحق حضور مراسم قطعة الكبد التي قطعت نزفاً. ووصل الفتى الأزرق إلى منزل الفتى الأصفر الذي كان يعجّ بالنساء والرجال وبالصغار، وشهق شهقة الزمن المدفون.. واحتضن الأب المفجوع، ثمّ رأى صديقه الفتى الأخضر حاضراً فتعانقا وسط دموع، لو جمعت لأغرقت النهر، وزادت ملوحة المياه في إسالة المدينة.. ووسط هذه الفوضى الحزينة جاء الفتى الأخضر إلى الفتى الأزرق ليخبره، أنّ الشهيد الأصفر ترك وصيّة عجيبة، ووالده حائر مائر لكيفية تحقيقها. والتقيا بالأب، وأخذ الفتى الوصيّة المكتوبة التي جاء فيها: (أبي الغالي: عشت فقيراً.. وشاء الله أنْ أكون ضابطاً مقاتلاً.. فإذا استشهدت، فوصيتي أنْ أدفن في سويسرا فقط). نظر الفتى الأزرق في وجه الفتى الأخضر ثمّ في وجه والد الفتى الأصفر. فبادر الأب: (يا ولدي حفظك الله: أنت تعلم أنّ وصيّة الميت واجبة التنفيذ عليّ… وولدي الشهيد أوصى بدفنه في سويسرا… فمن أين لي أنْ أدفنه في تلك البلاد؟). تنهّد الفتى الأزرق وأدرك بسرعة المراد.. جلس وقال للأب المسكين: (ياعمّ وصيّة الشهيد، سهلة التنفيذ، هو يريد أنْ يُدفن في التلة المجاورة للنهر، حيث كنا نقضي أيام العطلة الصيفية صغاراً.. وسمّيت بسويسرا، لقصّة ليس الآن مناسبتها…وليست هي سويسرا في أوروبا). تنهّد الأب ثمّ ابتسم بمرارة وحزن: (حتى في وصيته يختلف عن الآخرين. كنت السبب في نهايته المبكرة لأنني لم أساعده على الدراسة ليدخل إلى الجامعة). وتمّ دفن الشهيد بموكب أكبر من موكب هارون الرشيد في الأرض التي اختارها عند شاطئ النهر.. .وكتبت يافطة أمام دار والده تقول (استشهد الملازم البطل..وهو يدافع عن أرض الوطن وتمّ الدفن في سويسرا، وسيقام مجلس الفاتحة لثلاثة أيام في دار والده الواقعة عند كــورة الجصّ).

٭ كاتــب من العـــراق

سويســرا… «حكاية من ألف ليلة وليلة»

د. جمال البدري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية