الأردن… «لا تسكر خطك»… و«أغلق فمك»

يحق لوزيرة الاتصالات الأردنية الأنيقة جدا تقمص دور «ماري انطوانيت» بين الحين والآخر وسط شعب مرهق ترتفع تكاليف معيشته ويواجه تفكيرا بيروقراطيا على شكل جزيرة هنا وأخرى هناك.
الوزيرة المحترمة مجد شويكة استفسرت مرة عن سبب الضجة المبالغ فيها شعبيا بعدما اقترحت في توصية لم يكتب لها النفاذ فرض ضريبة بمقدار دينارين على استخدام تقنية «واتس آب» وبعض تطبيقات الهواتف الذكية.
مثل حق المواطن تماما في معرفة المبررات التي تدفع حكومته لبيع خدمات مجانية أصلا له يحق للوزيرة ان تستفسر وتسأل بين الحين والآخر لكنها خاطبت أكثر شعب مدخن في الكرة الأرضية وهي في حالة استغراب قائلة بان الرسم الجديد المقترح يساوي ثمن علبة سجائر.
وسط غابة من المدخنين في الشعب الأردني لا يمكن الإساءة لعلبة سجائر فالسيجارة في الموروث الشعبي رفيق وحبيب وشريك في كل اللحظات وقد تكون أحيانا قبل رغيف الخبز والارتفاع الدائم لأسعار السيجارة لم يمنع الأردنيين من التعلق الشغوف بها.
طبعا وزيرة الاتصالات لم تقصد الاساءة للسيجارة لكنها أرادت فيما يبدو اقناع الرأي العام بان تكلفة الدينارين لا معنى لها عندما يتعلق الامر بسيد يتربع على عرش التواصل الاجتماعي بين الأردنيين واسمه «واتس آب» حيث ثمانية ملايين مستخدم لتقنيات «الواتس آب» في الأردن في شعب لا يزيد تعداد سكانه عن سبعة ملايين اصلا.
يعني ذلك ان الشعب برمته من الكبير إلى المقمط في السرير يستخدم الواتس اب وان العمال الوافدين يستخدمونه ايضا.
المهم الوزيرة تقمصت للحظات ماري انطوانيت.. لا يضير ذلك احدا لكن ما حصل لاحقا في غاية الاثارة حيث اشتعلت وسائط التواصل بعد الإساءة التي طالت علبة السجائر في مقارنة لم تكن منصفة أصلا فردت الأوساط الشعبية بحملة شرسة عنوانها « سكر خطك».
هذا العنوان يطالب الأردنيين بإغلاق هواتفهم الأردنية لمدة 24 ساعة فقط ردا على مقترحات الوزيرة.
بالمناسبة صديق لي متخصص جدا بالاتصالات يؤكد ما يلي: لا يوجد عمل حقيقي في الحكومة الأردنية لوزارة الاتصالات اطلاقا لأن هيئة الاتصالات وهي خارج ولاية الوزارة هي التي تقوم بكل الأعمال.. قد يفسر ذلك عمليا سعي الوزارة لبعض الجدل والضوء فطاقمها لا يقوم اصلا بوظيفة محددة ومن المناسب المشاركة في مسلسل «الجباية».
نعود للموضوع فقد اشتدت حملة تسكير الخطوط الهاتفية بعد تصريح الوزيرة عن علبة السجائر.. انزعجت شركات الاتصالات التي تعتمد موارد الخزينة في جزء حيوي منها عليها وطبيعي ان تتحرك لاحقا وزارة الاتصالات لحماية قطاعها الحيوي.
يبدو ان الوزيرة تحركت بشكوى قانونية ضد بعض من نقدوها والقطاع تحت يافطة حماية المستهلك الأردني.
تم اعتقال أربعة نشطاء في حملة سكر خطك تفاعلا مع شكوى الوزيرة شويكة.
شخصيا لا اعتقد بأي حال بان الاعتقالات تمت فعليا على هامش ارضاء الوزارة لكن الجانب القانوني دوما يمكن استخدامه في اطار رسالة سياسية جديدة للرأي العام.. هنا عمليا مربط الفرس.
أفهم كمراقب وإعلامي ومواطن مباشرة بان السلطة في بلادي ترفع لافتة كتب عليها ممنوع المرور عندما يتعلق الأمر بتقليد موضات وموجات المقاطعة للمستهلكين فالمواطن الأردني غلبان هو الذي ينفق في الواقع على شركات القطاع الخاص الكبيرة العملاقة والمستهلك الأردني على رأي الصديق المحامي حسام ابو رمان هو الذي ينفق على الحكومة ايضا لأن جيب المواطن هو الهدف لا بل مصدر الدخل الابرز للخزينة وقبل المساعدات.
لذلك تبدو المسألة حساسة قليلا لأن فوبيا الخوف من الجديد منتشرة أصلا في اوصال وأوساط مؤسسات القرار وسلطة الحكومة.
وعليه تبرز رسالة الاعتقالات الأخيرة فهي سياسية بامتياز وتقود ضمنيا لكل من يحرض الناس على اغلاق هواتفهم الخلوية احتجاجا حضاريا وسلميا بان الرد سيكون بمنتهى البساطة وعلى شكل عبارة من كلمتين وهما «سكر ـ ثمك» وهي عبارة قصيرة بكل الأحوال تطالب الأردني الناشط في مجال المقاطعة بالعامية بإغلاق فمه.
بمعنى آخر فرض وعودة سياسة تكميم الافواه في مواجهة ذلك النشاط المدني الحضاري الذي يبدو ان بعض الموظفين في مساحة الهاجس الأمني تحديدا يخشونه أكثر بكثير من الانفلات المعارض المادي حيث مسيرات وتظاهرات ويافطات وبيانات.
الرسالة واضحة على الأردني ان لا يتعلم ويقتبس من تجارب الشعوب المدنية في المناكفة والاحتجاج السلمي والخيار الأمثل للسلطة أو لأذرعها الأمنية هو تجمع في مسيرة احتجاجية حتى تتقرر حمايتها ومرافقتها او قمعها.
ضمنيا يقول أصحاب هذه الاعتقالات والذراع الأمنية الخشنة لكل أردني يفكر بالمقاطعة بان يد القانون ستطاله وبان اغلاق الافواه هو الخيار الاسهل اليوم بدلا من دراسة المعطيات والاستعداد للتعامل مع موهبة جديدة تماما وطازجة في مجال المعارضة او الاحتجاج حيث لا مكان وسط نخبة القرار الموجودة اليوم للمواهب من اي نوع.. لا مواهب تخدم السلطة والنظام ولا مواهب من النوع الذي يؤدي إلى تفريخ مظاهر احتجاج مدنية متحضرة.
تلك مسألة تحتاج لذهنية مستنيرة في اوساط القرار ولا علاقة لها بأفلام الكاوبوي.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

الأردن… «لا تسكر خطك»… و«أغلق فمك»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية