ضمّدي يا بثينة جراحي

حجم الخط
8

هذه قصيدة كانت ضائعة، ولها قصة: في صيف سنة 1977 سافرتُ من وهران إلى باريس، ورحلت هي لزيارة أهلها. اتفقنا على اللقاء في أوائل ايلول/سبتمبر. انتظرتها في الموعد فلم تأتِ، إذ قيل لها إني الذاهب إليها. انتابنِي القلق الممض، وأفضى بي إلى قصيدة، نسيتها في مشاغل الاغتراب. وأخيرا أرسلها لي من الجزائر صديق عزيز، إذ كنت قد ائتمنته وآخرين على كتب وملفات حين غادرتهم، وما كنت أعرف حينذاك أين سأستقر، إليكم بعضها:

أدْلَج الليلُ وانطفى المصباحُ
لا مساءٌ يضمّنا، لا صباحُ
أيّها الليلُ أين صبحُك عنِّــي
إنّه الشوقُ والهوى اللّمّاحُ
قَدْ صَبَرْنا على الفِراقِ طويلا
هكذا قالتِ العيونُ الفِصاحُ
ساءلتني وللهوى همســـاتٌ
هل يُتاح اللقاء أم لا يُتــاحُ؟
واستثار الفؤادَ حلوُ كَــــــلام
نثرت دُرَّهُ الشفاهُ الْمِلاحُ
قلتُ: أنتِ الحنينُ والأفـــراحُ
وزهورٌ وعِطْرُها الفَـــوّاحُ
فانشدي نَسمةَ الصباح مرارًا
هل يُراحُ الفؤادُ أم لا يُراحُ؟
نَفِدَ الصّبرُ فلتهبَّ الرّيـــــاحُ
إذ شِراعي مُنَشَّرٌ ومُتـــــاحُ
فاهْرعي يا سفينُ نحو ديـــار
إنّ روحي إليهمُ ترتــــــاحُ
لا تُراعي من الليالي ظلامــا
إذ نُجومُ السّما لهنّ التمـاحُ
يا نُجومَ السّما أنيري بُحــورا
إنّما أنتِ في البحور اتّضاحُ
أوصلي للدّيار منِّي تحايــــا
واشتياقًا وما علينا جُنــــاحُ
حيّ أهلاً وشاطئا من عَبيـــرٍ
ونخيلا بظلّها يُـــــــستراحُ
خبّريهم عن الهوى واشتياقي
فلقاءُ القلوب حَتْمٌ مُتــــاحُ
غيرَ أنّ العَذولَ يَرْصُدُ خَطْوِي
فطريقي مُحاصَرٌ مُسْتباحُ
مُذْ نشرتُ الشِّراعَ فوقَ سفينِي
جابهتنِي سُيوفُهم والرِّماحُ
وخداعٌ من المواعيد يَهمـــي
إنّه الغَدْرُ والوُجوهُ القِباحُ
ولسانٌ مُذَرَّبٌ، وسليـــــــطٌ
وفحيحٌ لحقدهم فضّـــــــاحُ
نحروا الحبّ واحتفَوا بكـــؤوسٍ
من دمانا وكم علينا اصطباحُ
قيّدونا، وللقيودِ صَليـــــــــــلٌ
ولجُرحي على القُيودِ جِمـاحُ
حيث إنّ الجراحَ تبني جُسورا
فَغُـدُوٌّ إليكــــــــــمُ أو رواحُ
ضَمِّدي يا (بُثَينَ) منِّي جراحـا
بلْ دَعِيْها فَعَنْكِ تَحْلُو الجِراحُ

وهران – سبتمبر/ أيلول 1977

٭ شاعر واكاديمي عراقي

ضمّدي يا بثينة جراحي

هادي حسن حمودي*

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية