جماهير يهودية كثيرة في اسرائيل تكره اليسار بسبب إلحاده
28 - July - 2013
حجم الخط
0
أتذكر نفسي إذ كنت ولدا صغيرا، وطالبا في المدرسة الابتدائية، أمضي مع والدي في صباح يوم السبت الى حي زخرون يوسف في القدس، ألا وهو ‘حي الأكراد’. ليس أبي انسانا عاديا، ولا سيما في القدس في ذلك الوقت، فهو موشيه برعام رئيس الهستدروت في القدس، ووجد من قالوا انه ‘الرجل الأقوى في المدينة’. جئنا الى الحي في اطار الانتخابات المحلية التي أُجريت آنذاك. وقد عامل المارة والدي باحترام شديد، لكنني حينما قلت له إن ‘الحزب قوي في الحي’، أجابني هامسا: ‘ليتنا نحصل هنا على 25 في المئة’. وكان ذلك عشية قيام الدولة، قبل أمواج الهجرة وقبل ان ينشأ الجيل الثاني من سكان العشوائيات، ليُدير ظهره في غضب للمؤسسة التي استوعبت آباءه. كان اولئك ناس عمل من العمال. في الحقيقة ظل الصراع بين قيادة الاستيطان العبري والايتسل، لكن الخلافات الكبيرة كمسألة المناطق لم تكن قد نشبت آنذاك. ومع ذلك كان الميل الطبيعي الى احزاب قومية ذات توجه ديني وتراثي. نُشرت في الاسبوع الماضي في ملحق ‘ذي ماركر’ معطيات عن اساليب التصويت في البلاد. وتبين مثلا ان احزاب الوسط واليسار تحصل على أكثر من 80 في المئة من الاصوات في أحياء تكون الأجور فيها أعلى من 10 آلاف شيكل في الشهر. سيزعم من يريد ان يقرأ الامور بحرفية أن الاشكنازيين من أصحاب المدخولات التي هي أعلى من المتوسط والاكاديميين يميلون الى الوسط اليسار وأن الآخرين جميعا يتجهون الى الليكود والى الاحزاب الحريدية والى اليمين المتدين القومي. ويتم تقبل هذه البديهية باعتبارها واقعا لا اعتراض عليه لكن يمكن ان نفكر فيها. تقول ‘ذي ماركر’ إن ‘النتائج تُبين ان اليسار أهمل الاطراف وأنها من جهتها أدارت ظهرها له’. وقد كان هذا هو الفرض من وراء الاعتذار الذي وجهه ايهود باراك في 1997 الى أبناء الطوائف الشرقية بقوله: ‘أعتذر باسم حزب العمل ومباي على اختلاف أجيالهما’. وعبر عن أمل ‘أن يُمكن التعبير عن الاعتذار من تجديد الحوار بين حزب العمل وسكان بلدات التطوير’. لكن طلب المعذرة لم يساعد. إن حزب العمل بقيادة يسارية اجتماعية مثل شيلي يحيموفيتش لا ينشئ الحوار المأمول الذي تمناه باراك. ولماذا؟ ولماذا لم يأت ران كوهين الذي كان مؤيدا من أعماق قلبه للنضال الاجتماعي، حزبه بمكسب انتخابي؟ لم تنجح كل محاولات الطمس على الصورة ورسم الخريطة بصورة مختلفة، لا لأن مناهج الفحص مخطئة، بل لأن المشكلة الحقيقية تحظى بتجاهل ظاهر تقريبا. حينما اسأل نفسي ما المشترك بين عائلة برشي من زخرون يوسف قبل قيام الدولة وبين أمزجة عامة في أحياء وبلدات تطوير بعد أمواج الهجرة، أتخيل عزرا برشي عامل البناء يحيي والدي وتحت إبطه كتاب صلاته. وألاقى كثيرين من معارفي وأبناء عائلتي، ومنهم شباب يبدون علمانيين لكنهم لا يتخلون عن تقبيل عضادة الباب والقداس في البيت وعادات صلاة لا تنبع فقط من عادة، بل من ايمان بقدرة خالق الكون. توجد جماهير متدينة أخذت تقوى وكل تفكير ليبرالي غريب عليها. وليس الحريديون وحدهم يُقصون النساء، بل يُقلدهم المتدينون القوميون بنجاح. ونضيف الى ذلك المركب القومي ويكون الاستنتاج ان طلب المعذرة لن يجدي لأن الحديث عن منظومات قيم مختلفة: فالجمهور المؤمن لا يستطيع ان يقبل القيم الليبرالية والعكس ولهذا فان الحلف بين لبيد وبينيت لن يستطيع الثبات وقتا طويلا بعد. يجب على الجمهور الليبرالي المفكر ان يدرك انه يوجد جمهور واسع جدا لا يقيم الفرائض بالضرورة، وهو مُطلع على ثقافة الانترنت لكنه مع كل ذلك يشعر بالقرب من الدين ولهذا فانه لا يستطيع ان يتصل بما يمثله يئير لبيد ويحيموفيتش وتسيبي ليفني وزهافا غلئون لا بسبب مواقفهم الاجتماعية والسياسية، بل بسبب الالحاد الذي يوحون به. والكاتب ملحد كبير يرى صورة الوضع أمام ناظريه ويصعب عليه ان يسترها.