مطروف العين

حجم الخط
7

قلت: أنا مطروف العين بهذه النسخة الجميلة من النسخ المخطوطة لكتاب «مجمل اللغة». فقال: أي محقق أنت؟ كيف تقول هذا؟ ألا تدري أن العين المطروفة هي التي أصابتها طرفة أي قشة فدمعت؟
قلت له: أنت مثل الذي يكتفي بقراءة «لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ» ويهمل إكمالها «وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ». وتعال معي: الجذر اللغوي (طرف) دال على إطارين دلاليين: حدّ الشيء، وحركة في بعض الأعضاء. أما حد الشيء فكما في طرف الحائط، وطرف المائدة، وطرف الفراش، وما إليها، أي الحد الذي ينتهي إليه الشيء. ونقول: فلان كريم الطرفين، أي كريم النسب من الأم والأب. وشتم ابن أباه، فقال الأب:
وكيف بأطرافي إذا ما شتمتني/ وما بعد شتم الوالدين صُلُوحُ
ومعناه: إن شتمتني فماذا سأقول لنسبي الكريم؟ ودلالة القول إن نسبه كريم شريف لا يُشْتَم.
وسُميت العين طَرْفا من ذلك. ومنه قول الشاعر:
فغضّ الطرفَ إنك من نمير/ فلا كعبا بلغتَ ولا كلابا
ويطلق الطرف على جانب العين أيضا، قال جرير:
إن العيون التي في طرفها حور/ قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
ورجل طَرِف: لا يثبت على رأي أو امرأة أو صاحب. فهو يسعى وراء أطراف الأشياء فيسهل عليه التنقل بينها. فلو سعى وراء أواسطها لصعب عليه التنقل. وهجا الحطيئة امرأة بهذا الوصف فقال:
وما كنت مثل الكاهليّ وعِرسه
بغى الودّ من مطروفة العين طامحِ
فهي تنتقل من هذا لذاك ثم لذلك، وتطـــــمح إلى غــــير من حصلت عليه، فلا أمان لها. ظهرت في هذا البيت لفظة: مطروفة. فلننظر في استعمالات العرب لها: قالوا: عين مطروفة: أصابها طرف شيء أو ثوب أو غيره فتَغْرَورقُ دمعا. وقالوا: طَرَفها الحزن، فدمعت.
ولكن وصف العين بالمطروفة لا يقتصر على العين الدامعة. فقد ذكر اللغويون ومنهم ابن فارس، مؤلف كتاب مجمل اللغة، معنى العين المطروفة قائلا: رأت شيئا تحار له العين من كثرته أو جماله أو أي صفة أخرى من صفاته. ويرتبط هذا بالدلالة الثانية للجذر اللغوي. وهو تحريك الجفن في النظر إلى شيء يعجب الناظر، كما جاء في معجم مقاييس اللغة للمؤلف نفسه. ومن الأمثال: جاء فلان بطارفة عَين، أي: مال كثير. تطرف له العين سعادة وفرحا، فهي مطروفة به.
ونرى أن معنى الدمع لحق العين المطروفة تطورا من معنى الطرافة والاستطراف. فقد قال العرب: امرأة مطروفة، وذلك إذا أعجبها رجل فصرفت نظرها إليه، وأهملت غيره. كما قال الخليل وغيره. وقد ورد في الأقوال المأثورة: إن الدنيا قد طرفت أعينكم، أي: طمحت أبصارُكم إليها وإلى زخرفها وزينتها، فلم تعودوا تفكرون بغيرها. وفي الحديث: إطرفْ بصرَك، أي اصرفه عما أعجبه وأطال النظر إليه. فالعين مطروفة بما أعجبت به.
وقال أبو عمرو: فلان مطروف العين بفلان أي معجب به لا يصرف نظره عنه ولا ينظر إلا إليه. فطرفت عينه إلى كذا، أي انصرفت إليه تماما. كما يحدث حين يقف المرء أمام صورة جميلة، فينصرف إليها ناسيا كل ما حوله، فعينه مطروفة بما تراه. وكثيرا ما طرفت عيني وأنا أقرأ نصوصا جميلة أنيقة من شعر أو نثر أو صفحات مخطوطة قديمة.
وقال الشاعر طرفة يذكر جارية:
إذا نحن قلنا اسمعينا انبرت لنا
على رِسلها مطروفةٌ لم تَشدّدِ
وإذا قلت: هذا شيء طريف، فمعناه، شيء جديد، ولكل جديد لذة. وكأن عينك انصرفت إليه إعجابا فهي مطروفة به. ومن الكتب اللطيفة كتاب «المستطرَف من كل فن مستظرف» لشهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي المتوفى سنة 850 هـ الذي ضمنه مؤلفه ما وصفه به، في بيت شعر له:
من كل معنى يكاد الميتُ يفهمه/ حسنا ويعشقه القرطاسُ والقلمُ
أيبقى لك، بعد هذا، حقّ في تخطئة (مطروف العين)؟

٭ باحث وجامعي عراقي – لندن

مطروف العين

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية