إذا كانت أمريكا التي تحبنا نحن العرب، هي منظمات المجتمع المدني ومظاهرات الأمريكيين المعارضين لسياسات ترامب العنصرية، فتذكروا أن أمريكا نفسها هي من انتخبت ترامب بخطابه العنصري رئيسا، هو المجتمع الأمريكي ذاته الذي تصر بعض الأصوات العربية على تجاهله وكأنه يمثل أقلية بيضاء معزولة.
وكما حصل في بريطانيا، عندما اعتبر فوز مسلم بريطاني عمدة لندن دليلا يعزز رواية الوئام الغربي الرومانسية مع الشرق، فإن سكان لندن الذين انتخبوا هذا المسلم بدوا كجزيرة معزولة وسط بحر من المدن البريطانية المحافظة، عندما ظهرت خريطة نتائج التصويت، على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، مدفوعة بموجة قومية، تعيش سخطا متناميا على اندماج المهاجرين في بريطانيا.
والأمثلة لا تنتهي في أوروبا، إن كان بتصريحات حكومية رسمية لمسؤولين في أحزاب اغلبية في دول ترفض استقبال لاجئين سوريين مسلمين، أو حتى باعتبار وزير داخلية بلجيكا جان جامبون أن سياسة دمج المهاجرين المسلمين المغاربة فشلت، بعد وصفهم بالسرطان الذي يصعب علاجه، وأنهم احتفلوا بالهجمات الإرهابية، حسب تصريحه.. خطاب الكراهية هذا نشأ في تلك الدول الغربية، على الرغم من أنها لم تتعرض سوى لرشقات من برك الدماء التي تغرق فيها بلادنا، والتي ساهمت القوى الغربية العسكرية فيها، إن كان بالاحتلال المباشر، أو بدعم أنظمة قمعية مستبدة .
البعض أبدى سعادته بمظاهرات الأمريكيين المعارضين لترامب، وسياساته العنصرية، حسنا، في إسرائيل أيضا هناك مظاهرات كبيرة مؤيدة للسلام ولحقوق الفلسطينيين، بل أن أحزاب المعارضة الاسرائيلية هي من اطاحت بمظاهرات حاشدة بأرييل شارون بعد كشف دوره في التواطؤ في مذبحة صبرا وشاتيلا. وفي لندن ايضا خرجت إحدى أكبر المظاهرات في تاريخها بينما كان البرلمان البريطاني الذي يمثل البريطانيين يصوت لصالح المشاركة في غزو العراق.
ما أريد قوله إن الانتقائية والاجتزاء في تصوير الرأي العام الغربي والأمريكي بأنه متعاطف مع قضايانا، هو نظرة لنصف الكأس أو حتى ثلثه، ثلثه الفارغ وليس الممتلئ، المؤثر والغريب في الامر أن بعض العرب ينظرون لما يصدر عن الامريكيين شعبيا وكأنهم جزء من المجتمع الامريكي المنقسم لأسباب داخلية، قد لا تتعلق بالضرورة بالموقف من القضايا العربية وإن بدت كذلك، بينما المفترض أن ما يعني العرب وما يتأثرون به هو سياسات الحكومات الأمريكية المنتخبة تجاه بلداننا، وليس الانقسام الداخلي المجتمعي. بلا شك أن ظهور رأي عام مؤيد، أو لنقل متعاطف مع قضايانا هو أمر يهمنا، وبلا شك أن قيم التسامح والتعايش وحقوق الإنسان تمثل أحد أوجه الحضارة الغربية، لكنه وجه لا تراه إلا في سياسات هذه البلدان الداخلية مع مواطنيها، وليس في سياساتها الخارجية مع بلداننا، وهو ما يفترض أنه يعنينا بالدرجة الأولى في علاقتنا ونظرتنا للدول الغربية، وليس مظاهرة هنا، وصلاة جماعية هناك، أو فتاة مسلمة تلبس حجابا بلون علم أمريكا، في دولة قتلت حكوماتها المنتخبة الالاف من المسلمين المدنيين، بحسب منظمات غربية.. بل بحسب مفكرين أمريكيين لديهم الجرأة على انتقاد سياسات بلادهم أكثر من بعض العرب.
هل كانت الولايات المتحدة قبل ترامب نصيرة لأي من قضايا العرب، حتى جاء ترامب وجعلها معادية؟ ومن هي «أمريكا التي تحبنا» قبل أن يأتي ترامب؟ هل هي أمريكا نفسها التي عرفها العرب منذ نعومة اظفارهم، على أنها راعية إسرائيل وداعمة مجازرها بالمال والسلاح والمحافل الدولية لعقود طويلة؟ أم أنها أمريكا التي احتلت حكومتها المنتخبة العراق، وقتلت عشرات الآلاف من المدنيين العراقيين، وأشعلت الفوضى والحروب في الشرق الأوسط كما يصفها تقرير شيلوت البريطاني؟ أو كما يصفها ترامب نفسه الذي قال للمذيع الامريكي «لا تعتقد أن بلادك بريئة جدا»؟ أو هي أمريكا التي قال عنها الرئيس الأمريكي السابق نيكسون في كتابه «الفرصة السانحة» إن مواطنيها يحتفظون بضميرهم وذهنهم بالصورة الأسوأ للعالم الاسلامي؟
ولمستشار الرئيس الامريكي جونسون يوجين روستو، رأي قديم حول العلاقة الجدلية بين العرب وأمريكا، قاله في أواسط الستينيات، وأتذكره كلما شاهدت الفتاة المحجبة بالعلم الأمريكي، التي باتت رمزا لجماعة الثورجية الرومانسيين الجدد «أمريكا التي تحبنا». ويبدو اختيار نصف الشعب الامريكي لترامب معززا له، حيث قال مستشار الرئيس جونسون ورئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية: «يجب أن نُدرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليسَت خلافات بين دول أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحيَّة، لقد كان الصراع محتدما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى، وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصورة مختلفة .»
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام