شيعت العاصمة اللبنانية يوم الأحد الماضي أحد أبنائها البررة هو الدكتور رغيد كاظم الصلح، وبيروت بالنسبة للراحل العزيز ليست فقط مسقط رأس ولا مرتع طفولة وصبا، إنما كانت مركز حركة منذ صغر سنه. وقتها كان زمن بيروت هو القادم، وعصر العرب هو الغالب. ووافته المنية فجر الخميس الثاني من هذا الشهر بمدينة اكسفورد البريطانية، وكان قد تعرض لجلطة في المخ لم تمهله طويلا فأسلم الروح.
ورغيد الصلح نموذج فريد جمعت شخصيته بين الدأب على الاستزادة من العلم، والجمع بين الفكر والثقافة وخبرة العمل الوطني والقومي، واعتمد على معادلة صعبة؛ قوامها العلم والمعرفة والالتزام والانفتاح والمرونة، واقترن كل ذلك بالود وبالفضائل الإنسانية الجمة، وكانت تلك هي بوصلته التي حددت مواقفه مبكرا من فلسطين ومن كفاح الجزائر، ومن المساهمة في الجبهة العربية المشاركة في لبنان تحت قيادة الزعيم الراحل كمال جنبلاط، بالإضافة إلى جهوده القومية والعروبية.
ولم يجد الدكتور رغيد أي تناقض بين الإيمان بالعروبة وانتمائه الوطني اللبناني، وكان من الكتاب والباحثين المرموقين الذين استمروا علي خطهم، وأمد صفحات الرأي بالمقالات الفكرية والعروبية والقومية الصافية. فهو الباحث في العلاقات الدولية والإقليمية وقضايا الديمقراطية، ويحمل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة أكسفورد، وزميل زائر في مؤسسة الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية بجامعة درهام البريطانية. ومن مواليد 1942، ويعد أحد الناشطين الكبار في صفوف الحركة الشعبية والوطنية اللبنانية، وله مؤلفات عدة من من بينها«لبنان والعروبة- الهوية الوطنية وتكوين الدولة»
وبدأت التعرف على آل الصلح أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وفي مقر «المرابطون» – حركة الناصريين المستقلين – تعرفت على المفكر الراحل منح عادل الصلح الذي توفاه الله في
شهد ذلك العام ولادة فكرة تكوين لجان داعمة لجامعة الدول العربية، وتطورت إلى تأسيس «رابطة أصدقاء الجامعة العربية» فيما بعد، وعلى مدى عام تشكلت لجان تحضيرية وتنظيمية انتهت بعقد مؤتمر تأسيسي في العاصمة البريطانية لهذا الغرض.. وما بين الفكرة التي بدأت في أيار/مايو 1995 حتى إعلان قيام الرابطة رسميا في مايو 1996.. تمت مراسلات واجتماعات، واستكمال الهيكل التأسيسي لتلك المنظمة العربية الوليدة، التي ما كان لها أن تقوم إلا لأنها انطلقت من عاصمة غير عربية، وقد سبق ولم يُسمح لـ«المنظمة العربية لحقوق الإنسان»، وتأسست في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي، لم يسمح لمؤتمرها التأسيسي بالانعقاد في بلد عربي، ولم تجد حلا غير قبرص، وكانت تلك الجزيرة الصغيرة أكثر اتساعا ورحابة من وطن عربي بمساحة قارة!!.
وكان لا فتا للنظر ما عبر عنه جاك سانتير أول مفوض للاتحاد الأوروبي في كلمته أثناء الاحتفال وقبل قيام الرابطة بعام كامل، وأبدى عتابا في صيغة ملاحظة، وكان العتاب في محله، وهو أن أوروبا في تعاملها مع العرب لا تجد جهة واحدة تعبر عنهم أو تتعامل معهم، وهذا ما يضطرها إلى التعامل معهم فرادى. وكان ذلك العتاب حافزا على الاهتمام بالعمل العربي المشترك. وخلال أربع سنوات من عمر «رابطة أصدقاء جامعة الدول العربية»، سجل انعقاد جمعيتها العمومية لعام 2000 متغيرين كبيرين؛ الأول، على المستوى العربي، ففي تلك السنة انبثقت عن اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت (2000) لجنة خماسية تشكلت من تونس وسوريا وسلطنة عمان ومصر واليمن تبحث في آلية الاجتماع المنظم للقمة العربية، والمتغير الثاني هو الاتفاق مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة على تنظيم حركة الروابط التي ظهرت تباعا في عدد من البلدان العربية والأجنبية، ودراسة إمكانية إنشاء اتحاد يجمعها في مطلع عام 2001، وكانت تلك خطوة إيجابية بكل المعايير،، لكنها لم تدم. لظروف خارجة عن إرادة الروابط ذاتها ولا مجال هنا للخوض فيها.
ومن بين المشروعات التي قدمتها الرابطة كان مشروع عقد مؤتمر دولي لإخلاء المنطقة العربية من السلاح النووي؛ على أن تكون تكاليف الانعقاد مناصفة بين الرابطة في لندن والأمانة العامة في القاهرة، حيث تكفلت الرابطة بتغطية نصف التكاليف. والنصف الآخر تعهدت به الأمانة العامة (أثناء شغل عصمت عبد المجيد لمنصب الأمين العام)، سواء المساهمة في التغطية المالية للدراسات والبحوث، وتسهيلات الحصول على أسعار مخفضة في السفر والإقامة أثناء المؤتمر، ويبدو أن ما حسبناه نهوضا كان صحوة موت نتجت عن تغييرات ترتبت على شغل عمرو موسى لمنصب أمين عام الجامعة. وبعد أن كانت الجامعة تمارس حدا أدنى من التنسيق والتعاون انقلبت بالكامل وجعلت من نفسها رديفا لمشروعات التقسيم والإلحاق ومحرضا على الغزو والحروب الأهلية في البلاد العربية.. وكان التيار أقوى من الروابط ومن كل الشخصيات التي انتمت إليها. وتقديم هذا المقطع الصغير عن عمل أداره رغيد الصلح وكان من أهم محركيه يكشف لنا طبيعة ذلك الرجل العظيم، ومعاناته الصامتة. وفي النهاية وجد في العمل الأكاديمي والبحث والدراسة ملاذا آمنا خدم به العروبة والأمة والشعب وبلده لبنان.
ولولا ضيق المساحة لتطرقت لدوره في المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي والمشاركة مع د. على الكواري في مشروع الديمقراطية في البلدان العربية بجامعة اكسفورد، وكان ينعقد سنويا. والمنتدى القومى العربي. سيبقى رغيد الصلح حاضرا في وجدان بلده وأمته وكما عاش وفيا لهما رحل وقلوب كثيرة متعلقة به، فبرحيله خسرنا فارسا في زمن عزت فيه الفروسية، وفقدتا رجلا، وما أكثر أشباه الرجال،
ولهذا لم يكن غريبا أن يشيعه إلى مثواه الأخير كل هذا الجمع من الشخصيات العامة وقادة الفكر والرأي والسياسة وجموع المواطنين. وكما كتبت في برقية العزاء التي بعثت بها إلى زوجته الفاضلة د. كاميليا فوزي الصلح، فإنني أقدم لها مرة أخرى خالص العزاء والمواساة لها ولإبنتهما لينا وأسرته وأشقائه وزملائه وتلاميذه ومحبيه وأصدقائه ومعارفه، ولكل من عرف أو تعامل مع هذه الشخصية التي تجسد فيها النبل بكل معانيه؛ في العمل والجهد والالتزام والصداقة والزمالة والعلاقات، وفى كل ما يمكن أن يُقال ويُشرح.
٭ كاتب من مصر
محمد عبد الحكم دياب