أمر القضاء الفلسطيني بمصادرة نسخ رواية «جريمة في رام الله» للكاتب عباد يحيى وذلك لاحتوائها على «مصطلحات مخلّة بالحياء والأخلاق والآداب العامة»، وكذلك باحتجاز موزع الكتاب فؤاد العكليك واستدعاء المؤلف للتحقيق معه، في سابقة هي الأولى التي يستدعي فيها القضاء الفلسطيني كاتبا بسبب كتاب نشره.
القرار بحسب النيابة العامة «لا يتنافى مع حرية الرأي والتعبير المكفولة بموجب القانون» وهو تصريح يحمل تناقضاً في مضمونه مما أثار ضجة ضمن النخبة الفكرية الفلسطينية والعربية ولقي نقداً من جهات رسميّة كوزير الثقافة الفلسطيني إيهاب بسيسو الذي رأى أن «منع رواية لا يصنع فكراً» وكذلك دائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية التي اعتبرت «مصادرة الرواية غير مبررة» و«تفتح الباب على مصراعيه لسلسلة لا تنتهي من الرقابة الفظة».
قانون المطبوعات الذي استند إليه القرار هو استمرار للقوانين السارية قبل عام الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967 وهي قوانين أردنية وتختلف عن قانون المطبوعات الفلسطيني المطبق في غزة الذي هو قانون الانتداب البريطاني لعام 1936، والمفارقة أن قانون الانتداب أكثر حماية للحريات من نظيره الأردني.
الواضح أن النائب العامّ استخدم تأويلاً خاصاً وموسعاً للقانون فيه افتئات على الكاتب، وعلى دور القضاء المخوّل بالحكم، واستخدم لتأويله حيثية حماية الأطفال رغم أن الكتاب ليس موجّهاً لهم.
يخلق القرار إشكاليات ثقافية، وقانونية، ولكنّه يؤدي أيضاً، ومن حيث لا يحتسب ربما، لخلق إشكاليّة سياسية لا تصب في صالح الشعب الفلسطيني وتضيف حيثية جديدة للنيل من صورته ضمن نزاعه المعقّد مع إسرائيل.
هناك سوابق لا تحصى في آداب وثقافات العالم عن محاولات السلطات منع الكتب ومصادرتها أو إحراقها، وهي محاولات لم تفعل غير إشهار الكتب التي منعت أو حوكم كتابها، وجعلها علامات في سيرورة الفكر البشري، وكان لأدباء وكتاب وشعراء العالم الإسلامي سوابق كبيرة في إنجاز أعمال تثير المخيّلة وتلهم الاختلاف وتتعرّض لكافة أشكال القضايا الفكرية بالتساؤل والتحليل والمناقشة، وكان بينهم شعراء كبار مثل المتنبي والمعري وأبو نواس ومتصوفون مثل محي الدين بن عربي والحلاج وبن الفارض وكتاب وفلاسفة كابن المقفع وابن سينا وأبو حيان التوحيدي، كما تركت أعمال بعضهم بصماتها الفارقة على العصر الحديث كطه حسين (عن الشعر الجاهلي) وعلي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) وسيد قطب (معالم على الطريق) وصادق جلال العظم (نقد الفكر الديني) وعلي الوردي (مهزلة العقل البشري ووعاظ السلاطين) ومحمد عابد الجابري (نقد العقل العربي) وغيرهم كثيرون.
لقد فتحت الثورات والانتفاضات الفلسطينية، منذ عام 1936 وحتى الآن، الباب واسعاً للنخب العربية والعالمية لوضع فلسطين في مكان مركزيّ ضمن الضمير العالميّ بجعلها أمثولة للصراع البشري الكبير ضد الظلم وأشكال الاستبداد والصور والتنميطات الفكرية وقد فتح مفكّرون وشعراء وروائيون فلسطينيون مثل ادوارد سعيد ومحمود درويش وإميل حبيبي وغسان كنفاني وسحر خليفة الباب مشرعاً أمام المخيلة وصارعوا بقوّة السرديات الصهيونية والغربية بقوّة الإبداع والاختلاف.
ما فعله قرار النائب العامّ هو أنه شهر الرواية التي صادرها مما سيجعل قراءها بعشرات الآلاف ربما، وهو عكس ما كان يرتجيه من الحفاظ على «الأخلاق القويمة»، وأساء، من حيث لا يدري، إلى صورة فلسطين التي اشتغلت عليها النخب الفلسطينية منذ عقود.
هي «جريمة في رام الله» حقّاً!
رأي القدس