ليبرفيل ـ «القدس العربي»: رغم التاريخ الهائل لكليهما والألقاب العديدة التي حصدها كل منهما، لم يكن حتى أكثر المتفائلين يتوقع للمنتخبين الكاميروني والمصري أن يصلا الى المباراة النهائية لكأس الأمم الأفريقية الحادية والثلاثين التي اختتمت مساء الأحد الماضي في الغابون.
لكن الفريقين شقا طريقهما بنجاح إلى المباراة النهائية قبل أن يحسم المنتخب الكاميروني اللقب بالفوز 2/1 على نظيره المصري، ليؤكد أسود الكاميرون والفراعنة أن التوقعات والترشيحات لا تثمر في كثير من الأحيان في مواجهة الأداء القوي داخل المستطيل الأخضر. وكان لإصرار الفريقين على الأداء الخططي والجماعي دور كبير في وصولهما إلى النهائي. كما أن المؤكد أيضا أن وصول الفريقين سويا للمباراة النهائية كان من المفاجآت الكبيرة في تاريخ كأس الأمم الأفريقية على مدار تاريخها، في ظل الظروف التي أحاطت بالمنتخبين قبل البطولة. فقد تغلب المنتخب المصري على افتقاد معظم عناصره للخبرة بالبطولة الأفريقية، بعد غياب عن النهائيات في النسخ الثلاث الماضية. وكان الفريق فاز بنسخ 2006 و2008 و2010 على التوالي، ليرفع رصيده إلى سبعة ألقاب (رقم قياسي) في عدد مرات الفوز باللقب، لكنه غاب عن النسخ الثلاث التالية أيضا في 2012 و2013 و2015 .ومن بين 23 لاعبا في قائمة الفريق بنسخة 2017، كان أربعة لاعبين فقط سبق لهم المشاركة في البطولة وهم الحارس المخضرم عصام الحضري ومحمد عبدالشافي وأحمد فتحي وأحمد المحمدي. ولم يختلف الحال كثيرا للمنتخب الكاميروني الذي خاض البطولة بقائمة ثلثها فقط من اللاعبين الذين شاركوا في البطولة. وفوجئ المتابعون قبل البطولة باعتذار عدد كبير من لاعبيه الأساسيين البارزين، بينهم جويل ماتيب نجم ليفربول.
وفي المقابل، أخفقت منتخبات أخرى كانت مرشحة بقوة للقب وودعت مبكرا، أبرزها كوت ديفوار حامل اللقب والجزائر، حيث خرجا من الدور الأول، والمنتخب السنغالي الذي سقط أمام المنتخب الكاميروني بركلات الترجيح في دور الثمانية، والمنتخب الغاني (النجوم السود) الذي خرج أمام المنتخب الكاميروني أيضا في المربع الذهبي. وفيما نجح المنتخب الكاميروني في إحراز اللقب في غياب العديد من النجوم الكبار، فشلت منتخبات أخرى ضمت بعض النجوم البارزين مثل المنتخب الجزائري بقيادة رياض محرز نجم ليستر والموهوب ياسين براهيمي، والمنتخب الغابوني صاحب الأرض الذي خرج من الدور الأول أيضا رغم وجود المهاجم المتألق بيير إيمريك أوباميانغ نجم بوروسيا دورتموند. والحقيقة أن المهاجم الغابوني الآخر دينيس بوانغا كان أفضل أداء من أوباميانغ، كما فاز بجائزة رجل المباراة في اثنتين من مباريات الدور الأول وإن جاء هدفا الغابون في البطولة بتوقيع أوباميانغ.
وفي ظل المفاجأة التي فجرها أسود الكاميرون، كان طبيعيا أن يحرز أحد أبطال هذه المفاجأة لقب أفضل لاعب في البطولة. وبالفعل كان الكاميروني الشاب كريستيان باسوغوغ (21 عاما) البطل الذي أحرز لقب أفضل لاعب في البطولة بعدما ساهم بشكل فعال في فوز الفريق باللقب من خلال عروضه القوية. وشهدت البطولة مولد حارس رائع هو الكاميروني فابريس أوندوا الذي كان مع الحارس المصري عصام الحضري أفضل حارسين بالبطولة، رغم كون أوندوا الحارس الاحتياطي بالفريق الثاني في إشبيلية الإسباني. كما استحق البلجيكي هوغو بروس مدرب الكاميرون لقب «الساحر» بعدما نجح في تشكيل هذا الفريق الذي استعاد اللقب القاري بعد غياب 15، رغم أنها التجربة الأولى لبروس في البطولة.
وفي المقابل، فشل مدربون أكثر منه خبرة في استغلال تجاربهم السابقة مع الكرة الأفريقية. وكان في مقدمتهم الفرنسي ميشيل دوساييه مدرب المنتخب الإيفواري، والذي تولى قيادة فرق أفريقية منها بنين وغينيا، لكنه سقط مع حامل اللقب في الدور الأول، بعد تعادلين وهزيمة واحدة، وودع بدون أن يحقق أي فوز ليعلن بعدها سالومون كالو آخر نجوم الجيل الذهبي للأفيال اعتزاله اللعب الدولي. ورغم نجاحه في قيادة الفريق للمباراة النهائية في نسخة 2015، فشل أفرام غرانت مدرب المنتخب الغاني في قيادة الفريق إلى استعادة اللقب الغائب عنه منذ 35 عاما، ليترك غرانت منصبه بعد الهزيمة أمام الكاميرون في المربع الذهبي ثم أمام بوركينا فاسو في مباراة تحديد المركز الثالث. وفيما ودع المنتخب الغاني البطولة من المربع الذهبي، خرجت منتخبات أخرى كانت مرشحة بقوة للعبور إلى المربع الذهبي، أبرزها المنتخب السنغالي بقيادة النجم الكبير ساديو ماني والمدرب الوطني أليو سيسيه ومنتخب الكونغو الديمقراطية بقيادة المهاجم جونيور كابانانغا الذي توج هدافا للبطولة بثلاثة أهداف، ومنتخب المغرب الذي خاض البطولة بقيادة الفرنسي هيرفي رينار الذي يشتهر بأنه الوحيد الذي قاد منتخبين مختلفين للقب، وهما المنتخب الزامبي في 2012 ونظيره الإيفواري في 2015.
ولم يكن فوز الكاميرون باللقب المفاجأة الكبيرة الوحيدة في البطولة، حيث بدأت المفاجآت منذ المباراة الافتتاحية التي استطاع خلالها غينيا بيساو انتزاع التعادل 1/1 في وقت قاتل من المباراة أمام المنتخب الغابوني، علما أنها المشاركة الأولى لغينيا بيساو في البطولة. كما كشفت البطولة مبكرا عن أزمة حقيقية تتعلق بالملاعب المستضيفة للمباريات والتدريبات، حيث أكدت الإصابات العديدة في صفوف معظم المنتخبات عدم مطابقة أرضية هذه الملاعب للمواصفات الدولية. لكن موجة الإصابات التي تفجرت مبكرا في البطولة منحت هذه النسخة أحد أبرز نجومها إن لم يكن الأبرز على الاطلاق، وهو الحارس المصري عصام الحضري الذي سافر إلى الغابون كحارس احتياطي، بل كان الثالث في ترتيب الحراس، رغم خبرته الهائلة حيث كانت المشاركة هي السابعة له في البطولة. وجاءت إصابة الحارس الأساسي شريف إكرامي في التدريبات، ثم إصابة الحارس الثاني أحمد الشناوي بعد نحو ربع ساعة من مباراة الفريق الأولى في البطولة، والتي انتهت بالتعادل السلبي مع مالي، لتدفع بالحضري إلى حراسة عرين الفراعنة حتى نهاية البطولة، ليلعب دورا بارزا في بلوغ الفريق المباراة النهائية.
ورغم القوة في الأداء والإثارة التي اتسمت بها هذه البطولة، فرضت نسخة 2017 نفسها ضمن أكثر النسخ الخالية من الخشونة، حيث شهدت البطولة بطاقة حمراء واحدة كانت من نصيب جويس لوماليسا مدافع الكونغو الديموقراطية حيث نزل بديلا في مباراة فريقه أمام المغرب بالدور الأول ونال إنذارين في غضون 17 دقيقة. كما خلت البطولة من الأخطاء التحكيمية الفادحة، رغم بعض الانتقادات التي وجهت إلى حكم المباراة النهائية. وفيما استمتع المتابعون بعدد من العروض الراقية، مثل مباراة دور الثمانية بين الكاميرون والسنغال، عاب هذه البطولة الشح التهديفي حيث شهدت 66 هدفا فقط في 32 مباراة، بمتوسط تهديف 2.06 هدف للمباراة الواحدة، كما خلت من النتائج ذات هامش الفوز الكبير، حيث كان أكبر هامش فوز في البطولة هو هدفين. كما عاب هذه النسخة بشكل واضح كثرة المقاعد الخالية في المدرجات، سواء في دور المجموعات أو الأدوار الفاصلة، خاصة مع الخروج المبكر للمنتخب الغابوني صاحب الأرض. وعلى كل حال، سيكون اللقب الذي أحرزه المنتخب الكاميروني في النسخة الحالية حافزا قويا للفريق في النسخة المقبلة التي تستضيفها بلاده في 2019 .