سعيد بنكراد: «بين اللفظ والصورة: تعددية الحقائق وفرجة الممكن»

حجم الخط
2

 

هذا كتاب في السيمياء، يتناول قضايا المعنى من حيث هو أثر الإنسانية في الوجود، ومن حيث هو خاصية للإنسان دون غيره من الكائنات. فالإنسان المتكلم والناظر وحده يمكن أن يصنع لنفسه عوالم يستمدها من وجدانه، لا مما تقترحه الطبيعة أو تمليه عليه قسراً. ويساجل بنكراد بأننا جزء من الطبيعة في الظاهر فقط، أما في حقيقتنا فنحن منتجات التمثيل الرمزي بكل واجهاته: في اللغة والصور والرسوم، وفي كل الوقائع الاجتماعية التي نعدّها لكي تكون دالة على احتفائنا بما أضافته الثقافة إلى ذاكرتنا، لا بما يمكن أن تتضمنه توجيهات الجينات فينا.
ويتابع المؤلف بأننا، لذلك، لا نستلهم من وجودنا المادي سوى الواجهات التي تغطيها المعاني، فهي وحدها ما يستوطن الذاكرة، أما ما يتبقى بعد ذلك فتتكفل به الطبيعة وتعيد إنتاجه ضمن دورتها اللامتناهية، واستناداً إلى هذه الذاكرة تتناسل دلالات جديدة لا يربطها في غالب الأحيان أي رابط بما نسميه العالم «الواقعي». وقد يتعلق الأمر برموز صريحة استودعها الإنسان قيماً وأحكاماً، أو هو لاشعور عميق تشكل في غفلة من الإنسان نفسه فاستنسخ منه كتلاً انفعالية استبطنتها الأساطير والطقوس والرغبات الغامضة.
وهذا ما حاول بنكراد تفسيره في دراساته لفضاءات العالم الافتراضي، وصورة الـ»سيلفي»، والإعلان، وغيرها. فالصورة لا تشكل في هذه الممارسات حقيقة في العين، بل هي «رحى» صامتة تنتج استيهامات يجب أن تغطي على تفاصيل الواقع، وهي التي ستعلن عن ميلاد حقيقة جديدة ستكون سبيلنا الأوحد إلى «المتعة» و»السعادة». ذلك أن المواطن السعيد هو الذي يحقق مواطنته في الفيسبوك والتصوير الذاتي وفي جميع أنواع الاستهلاك خارج حيثيات السياسة والإيديولوجيا، كما يتوق الدائم إلى بلوغ «مطلق وهمي» في الامتلاك، هو وحده مصدر السعادة.

المركز الثقافي العربي،الدارالبيضاء2017؛
ص 160.

سعيد بنكراد: «بين اللفظ والصورة: تعددية الحقائق وفرجة الممكن»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية