واشنطن ـ «القدس العربي»: تراجعت إيران أمام اللهجة المتشددة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حيث قامت بازالة صاروخ جديد كان يجري الاعداد لاطلاقه يوم الجمعة الماضي. ووفقا لتقارير المنصات الإعلامية الأمريكية فان صور الأقمار الصناعية كشفت بوضوح موجة من النشاط استعدادا لإطلاق صاروخ «السفير» ولكن الصاروخ اختفى فجأة.
ومن المحتمل ان يكون ذلك بسبب وجود مشكلة فنية ولكن التوقيت يوحي بغير ذلك. حيث أطلقت إيران نوعا جديدا من الصواريخ البالستية متوسطة المدى قادرة على الوصول لأوروبا في تحد لقرارات مجلس الأمن الدولي. بعد ذلك، أعلنت إدارة ترامب ان إيران «تحت المجهر». وبالفعل قررت واشنطن في اليوم الأول الذي لوحظ فيه وجود الصاروخ، فرض عقوبات ضد 25 من الأفراد والشركات المشاركة في برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية.
طهران وفقا لتقييمات الصحافة الأمريكية المحافظة لم تعتد على الرد العنيف لواشنطن على تصرفاتها حيث انها خلال 8 سنوات أثناء عهد الرئيس السابق باراك اوباما لم تستلم سوى تقارير روتينية صادرة من وزارة الخارجية الأمريكية بشأن نشاطها، وهي غالبا تقارير تغض الطرف عن سلوك الجمهورية الإيرانية ولا تنتقد بقوة الانتهاكات المتكررة للاتفاق النووي، والرسالة واضحة تماما لطهران، وهي ان الأيام الوردية قد ولت، وعلى النقيض من ذلك، فالأيام المقبلة ستكون مشبعة بالأحاديث المتشددة والأفعال غير الودية من قبل واشنطن، ومن الواضح، ان قرارات إدارة ترامب كانت بمثابة «استراحة وإشارة توقف» عن سياسة الإدارة السابقة.
واستقبل العديد من المشرعين الأمريكيين قرارات ترامب بحفاوة، حيث وصف السيناتور بوب كوركر من لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ القرارات بانها يوم جديد في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، مشددا على ان الوقت قد حان للقيام بإجراءات وجهود لمعاقبة ما اسماه بالسلوك الإيراني غير المشروع، في حين رحب النائب أليوت انجل من لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب بالجولة الجديدة من العقوبات مشددا على ضرورة قيام الولايات المتحدة وحلفائها بالتعامل مع سلوك إيران الذي يزعزع الاستقرار في جميع أنحاء العالم، أما أنصار التقارب الأمريكي ـ الإيراني فقد قاموا على الفور بانتقاد الإجراءات الصارمة ضد طهران وقالوا ان هنالك محاولة لرسم استنتاجات خطيرة من خلال سرد قائم على تزييف الحقائق المتعلقة بالقواعد السياسية التي مارستها إدارة أوباما في الشأن الإيراني.
وأشارت جماعات ضغط في واشنطن متعاطفة مع إيران مثل منظمة «ان ايه اي سي» ان قنوات الاتصال التي تم انشاؤها بين إدارة أوباما وإيران قد مهدت الطريق لاتفاق نووي حال دون وقوع حرب بين البلدين كما انها سهلت الطريق لإطلاق سراح عشرات البحارة الأمريكيين الذين تم اعتقالهم من قبل الحرس الثوري الإيراني في اوائل عام 2016. ولكن وفقا لآراء نقاد إيران فان الصفقة النووية بين واشنطن وطهران أدت فقط إلى جعل النظام الإيراني أكثر عدوانية وإضفاء الشرعية على برنامجه النووي ومنحه المليارات لتمويل جدول زاخر من أعمال العنف والفوضى في سوريا وأماكن أخرى، كما ان سياسة اوباما أدت في الواقع إلى منح فرصة للحرس الثوري الإيراني لاذلال الولايات المتحدة.
مكونات صواريخ مضادة للدبابات
ووفقا للمعلومات التي حصلت عليها «القدس العربي» من مساعدين في مجلس النواب الأمريكي فإن هنالك نية من المستشارين في البيت الأبيض والمشرعين في الكونغرس لإثارة قضية تصدير بعض الدول لأسلحة بطرق مشروعة وغير مشروعة إلى طهران بما في ذلك اوكرانيا حيث استولى حرس الحدود فيها قبل أيام على مكونات صواريخ مضادة للدبابات كانت متوجهة إلى إيران في رحلة للخطوط الجوية «يو ام» من كييف إلى طهران.
وقال سياسيون أمريكيون ان كييف تستحق الثناء بسبب التقاط البضائع غير المشروعة ولكنها، في الواقع، تسمح لإيران باستخدام قطاع الطيران الاوكراني للتهرب من تنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي تشمل عقوبات حظر الأسلحة الدولية، ومن الواضح ان الخطوط الجوية الإيرانية مثل «قزوين للخطوط الجوية» و»ماهان للطيران» تستمر في الاستفادة من التعاون الوثيق مع شركات الطيران الاوكرانية بهدف كسر العقوبات الأمريكية.
ومن الواضح، ان هناك أهمية استثنائية لقصة الغرام السري الإيراني ـ الاوكراني حيث تراجع إدارة ترامب خيارات سياستها الخارجية تجاه اوكرانيا مما قد يضعف نفوذها في اتخاذ قرار حاسم ضد تصدير البضائع العسكرية لإيران، وفي الوقت نفسه، هنالك اتجاه قوي في البيت الأبيض للضغط على الدول الأخرى لتشديد العقوبات ضد طهران انسجاما مع رغبة ترامب، واوكرانيا ستكون هنا بما لا يدعو للشك موقعا مثاليا لاختبار مسار الإدارة الأمريكية.
الجناح اليميني المتشد الذي يسيطر حاليا على قرارات الحياة السياسية في الولايات المتحدة يريد المزيد من القرارات ضد طهران، وهنالك اعتقاد ان إعلان البيت الأبيض بفرض عقوبات ضد أفراد وشركات من إيران ما هو إلا رد فعل صغير على استفزازات غير عادية من قبل إيران، وهنالك اعتقاد آخر ان الفرصة سانحة للإنقضاض على الاتفاق النووي الذي رعته إدارة اوباما، والإنقضاض أيضا على المشرعين الذين دعموا الاتفاق، ومن غير الواضح، ماهية الأهداف التي يمكن تحقيقها على المدى غير البعيد لهذا الهجوم ولكن بالتأكيد هنالك اصرار على إثارة موضوع الصواريخ البالستية بسبب الحاح طهران على ترديد تصريحات تفيد بان إدارة اوباما قد سمحت لها سرا بامكانية صنع صواريخ بالستية قادرة على القيام برحلة مسافتها أكثر من ألفي ميل.
قرارات إدارة ترامب لن تتوقف عند حدود فرض عقوبات اقتصادية جديدة أو تضييق الخناق عن الواردات العسكرية الإيرانية حيث يدرس البيت الأبيض إمكانية تصنيف الحرس الثوري وقوة القدس كمنظمات إرهابية. والحرس الثوري هو إلى حد كبير الجهة الأمنية الأكثر نفوذا في إيران، ولديها، أيضا، حصص كبيرة في الاقتصاد الإيراني والنظام السياسي.
ومن المرجح ان يثير اعتبار المؤسسات العسكرية الإيرانية القوية كمنظمات إرهابية تداعيات على استقرار المنطقة وإشعال المزيد من النزاعات الإقليمية، وعلى الأرجح، ستزيد هذه الإجراءات من تعقيد الجهود الأمريكية نفسها في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية». وعلى أي حال، فإن إجراءات إدارة ترامب ضد إيران هي فقط «خطوة أولية» لسياسة أمريكية جديدة مع طهران، ويدعم هذا الاتجاه المتشدد الكثير من المستشارين الذين اختارهم ترامب في طاقمه، وهم، وفقا لتوصيف وسائل الإعلام الأمريكية أكثر تشددا من صقور الكونغرس.
في نهاية المطاف، شهر العسل الطويل والغريب بين واشنطن وطهران انتهى بطلاق، وقد تستمر إجراءات الانفصال لفترة طويلة رغم عدم تحلي ترامب بفضيلة الصبر بسبب الحاجة الأمريكية لمعالجة بعض المسائل في منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك القضاء نهائيا على تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق.
رائد صالحة