يحتفل المسلمون في مشارق الارض ومغاربها في 12من ربيع الأول من كل عام بذكري عطرة عزيزة علي القلوب، هي ذكري مولد نبي الأمة والرحمة المهداة للبشرية جمعاء (سيدنا محمد) صلي الله عليه وسلم، سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء والمرسلين، الذي بمولده وطلعته إستنار الكون وأشرقت الأرض بنور ولادته، كيف لا وهو الرحمة المهداة، والنعمة العظيمة، والأمل المنتظر الذي أرسله الله عز وجل للناس أجمعين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (الأنبياء 17 ). فكان رحمة للبشرية كلها. وببعثته ورسالته ودعوته انقشعت الظلمات وتبدلت الأرض غير الأرض والناس كذلك، فإنتشرَ العدل بعد طول سيطرة للظلم، وعمَّ الإحسان بعد طول كراهية وجفاء، وانمحت ظلمات غشيت العقول وأعمت البصائر والأبصار.
إن ذكري المولد النبوي ليست مجرد مناسبة لمولد (إنسان عظيم) فحسب، بل إنها ذكري (مولد أمة) فبولادته عليه الصلاة والسلام ولدت أمة العرب من جديد.. لتقود العالم وتنشر الفضيلة والعدل والسلام.. وتحارب الظلم والطغيان.. وترفع شعار الفاروق الخالد (متي أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟)… أمة لا تفرق ولا تظلم ولا تضطهد، وماهي إلا عقود قليلة من ولادة المصطفي حتي إرتفعت راية (لاإله إلا الله) في أرجاء الجزيرة العربية وفوق بلاد فارس وعلي تخوم الروم وفي شمال أفريقيا.. ودخل الناس عن طواعية ورضا وإقتناع في الدين الإنساني الجديد الذي رفع شعار (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) و (لكم دينكم ولي دين)… حتي صار المسلمون اليوم مليارات من البشر.. كلهم يدينون بالفضل لصاحب الذكري العطرة عليه أفضل الصلوات والتسليم. كرم الله نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم فجعله سيد ولد آدم ولا فخر، وجعل مولده نورا وبركة اهتز له عرش كسري وانطفأت به نار فارس بعد أن ظلت مشتعلة ألف عام، وربط الله بين محبة المصطفي وبين وجوب إتّباعه: بقوله: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم (آل عمران 31)… وجعل سبحانه طاعة رسوله من طاعته عز وجل من يطع الرسول فقد أطاع الله (سورة النساء 80)، واختصه بما لا يعد ولا يحصي من المناقب والمفاخر عجز العلماء عن حصرها وعدّها طيلة قرون، رغم ما ألفَّ في ذلك من آلاف الصفحات. فلايحصل الإيمان ولايتم إلا بمحبة الرسول صلي الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتي أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، رواه البخاري ومسلم. وجعل الله الشهادة بنبوته ركنا من أركان الإسلام، واختصه بمعجزة الإسراء والمعراج، وجعل الملائكة دائمة الصلاة عليه إن الله وملائكته يصلون علي النبي (الأحزاب 56)، وأيده بالمعجزات والبراهين وبعثه للناس أجمعين عكس باقي الأنبياء والمرسلين الي امم بعينها وذواتها، وختم الله به الرسالات وأرسله للناس بشيرا ونذيرا وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا. ومن تمام الكرامات أن حظيت أمته صلي الله عليه وسلم بالتكريم، ورفع الله قدرها فوق باقي الأمم كنتم خير أمة أخرجت للناس (آل عمران) وما ارتفعت هذه الأمة وما شُرِّفت إلاّ بهِ صلي الله عليه وسلم، قال الله تعالي لقد منََّّ الله علي المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم. لقد كانت ولادته صلي الله عليه وسلم نقطة تحول في تأريخ البشرية، التي كانت قبل بعثته تعيش عصرا من الظلام تسوده كل صنوف الزيغ وتتخبط في كل أنواع الجاهلية. وليستلهموا من هذه الذكري العطرة، ومن صاحب الذكري، المعاني والعبر التي تعينهم علي تجاوز محنهم وإخفاقاتهم، وتعينهم علي التوحد ورأب الصفوف ومنع الفتن.
د. أكرم المشهدانيرسالة عبر البريد الالكتروني6