نشأة وتطور استراتيجية الحرب الاستباقية: مراجعة لـ التاريخ القصير للنيومحافظين:

حجم الخط
0

نشأة وتطور استراتيجية الحرب الاستباقية: مراجعة لـ التاريخ القصير للنيومحافظين:

لم ينجح المحافظون الجدد بالتأثير علي كلينتون ولكنهم ملأوا مراكز القرار في ادارة بوش الابنعقيدة بوش ظهرت فعليا علي السطح بعد هجمات ايلول ولكنها تشكلت مباشرة بعد نهاية الحرب الباردةنشأة وتطور استراتيجية الحرب الاستباقية: مراجعة لـ التاريخ القصير للنيومحافظين:الطاهر الأسودہكتبت هذا المقال أساسا في صيف سنة 2003 وذلك في إطار تحضير مسودات للحفر في ماضي النيومحافظين. وفي الواقع كلما تعمقت أكثر حينها اكتشفت أن دراسة شمولية في الموضوع ليست بالسهولة المتوقعة خاصة عندما تيقنت من الأهمية الكبيرة للخلفية الايديولوجية والفلسفية في تكوين التيار مقابل التضخيم الاعلامي المعتاد لواجهته السياسية بفعل طابعها العملي وتأثيرها علي المجريات اليومية. وانتهيت الي الاكتفاء حينها بالتركيز علي أن يكون المقال استعراضا للـ تاريخ القصير short history أي السياسي للنيومحافظين بعكس التاريخ الطويل long history الذي يشمل البنية الفكرية حسب التقسيم المرجعي لفرناند بروديل.ما يدفعني الي الرغبة في نشر هذا المقال تحديدا الآن في هذا الموقع مجموعة من الأسباب وهي : (أولا)، ملاحظتي في مقال أخير ( تشارلز كراوثمر بطل ايديولوجي من زماننا القدس العربي 18 كانون الثاني/يناير 2006) كيف أنه وبالرغم من الكتابات المتكاثرة حول النيومحافظين فإنه يتم تناسي الدور المحوري الذي لعبه ويلعبه كراوثمر خاصة كمثال نموذجي للنيومحافظين بفعل التداخل بين الفكري والسياسي في مساهمته داخل التيار. وكما يمكن ملاحظته من المقال فإنه يتم تبين الدور التأسيسي الذي لعبه الأخير في تشكيل التاريخ القصير للنيومحافظين. (ثانيا) أؤكد في المقال علي أهمية عمليات 11 أيلول (سبتمبر) في توحيد النيومحافظين خاصة بين جناحي المنظرين والمسؤولين التنفيذيين وهي مسألة كثيرا ما يتم تجاهلها وهذه مناسبة لوضعها في إطارها وإعادة التأكيد عليها لمزيد فهم الظاهرة النيومحافظة وخاصة التقسيم الطوعي في الغالب بين وجهتين مختلفتين يؤثر الصراع بينهما في المظاهر الفعلية للسياسة النيومحافظة. (ثالثا) أعتقد أن المقال يبقي عملانيا في دراسة التشكل السياسي للظاهرة النيومحافظة حتي هذه اللحظة وتحديدا في علاقة بموقع الحرب الاستباقية ضمن استراتيجيتهم السياسية والعسكرية الراهنة. ويطرح هذا بالتحديد موضوع النوايا الأمريكية تجاه كل من سورية وإيران، حيث يوجد غموض كبير فمن جهة اولي لا يبدو أن الجدال حاليا يكمن في ماهية هذه النوايا بقدر ما يتعلق بإمكانيات الولايات المتحدة في الظرف الراهن للاستمرار في استراتيجية الحرب الاستباقية خاصة بعد الصعوبات في العراق والاعلان الرسمي للبنتاغون عن عدم قدرة الولايات المتحدة في الدخول في حرب أخري في الوقت الراهن. ولكن من جهة أخري يبدو أن الطابع الانفعالي الذي يميز فريق النيومحافظين الآن بالإضافة الي المشروع غير الواضح للـ الانسحاب من/في العراق والتسخين الناجح للجبهة اللبنانية الحساسة جدا للطرفين الايراني والسوري مقابل الجمود المتزايد في صفوف الطرفين الأخيرين، كلها أسباب توفر احتمالا متوسط المدي لمعاودة تجربة الحرب الاستباقية خاصة وأن المفهوم الأخير مطاط من الزاوية العسكرية ولا يستدعي ضرورة اجتياحا شاملا واحتلالا مماثلا للتجربة العراقية. (رابعا) يؤكد المقال علي مسألة لم ألحظ أن هناك الانتباه المناسب لها ويتعلق ذلك تحديدا بمرونة التيار النيومحافظ في علاقة بالأطراف السياسية الأمريكية ويعني ذلك تحديدا قدرتهم علي اختراق الحزب الديمقراطي ومن ثمة عدم ارتباطهم الأزلي ولا الأبدي بالحزب الجمهوري وهذه نقطة أساسية لمن يراهن علي انتهاء التيار النيومحافظ بخروج الجمهوريين من البيت الأبيض بفعل أن صعود النيو محافظين ارتبط أساسا بصعود الرئيس بوش الي السلطة. وأبين في هذا المقال ليس فقط المحاولات المعروفة للتأثير الاعلامي علي الرئيس الأمريكي بيل كلينتون خلال عهدتيه الرئاسيتين (رسالة تشيني وغيره لكلينتون) بل والأهم من ذلك (وهو ما لا يقع ذكره عموما) نجاحهم في اختراق البنتاغون وارساء قواعد أولية لسياستهم منذ كان الرئيس كلينتون في السلطة. وكنت قد أكدت علي التأثير النيومحافظ في ادارة كلينتون عبر حلفائهم النيوليبراليين من زاوية ايديولوجية عامة تخص تحديدا الرؤية الاقتصادية. إن مسألة الحرب الاستباقية لن تكون مبدأ جمهوريا حصرا بعد الآن حيث اخترقت صفوف المقربين من الحزب الديمقراطي في السياسة الخارجية حيث أن المكلفين بالأخيرة في الحزبين يتقاسمان آراء متقاربة جدا علي خلفية علاقاتهم الوثيقة باللوبي الاسرائيلي (السيناتور الديمقراطي ليبرمان مثال جيد علي الاختراق النيومحافظ للديمقراطيين). وهنا أعتقد أن هذا هو المعني الأساسي لما أشار اليه أخيرا كراوثمر في مقالاته حول نضج التيار النيومحافظ من خلال انضمام واقعيين الي صفوفه. وتمكن هنا الاشارة بالخصوص الي التغير الذي طرأ علي شخص مثل رتشارد هاس Richard Haa والذي كان كادرا كبيرا في وزارة الخارجية وهوالآن رئيس مجلس العلاقات الخارجية الذي أصبح معقلا أساسيا للـ الواقعيين . وكانت الكتابات الأخيرة لهاس بما في ذلك مؤلفه الأخير الفرصة ـ 2005 في اتجاه يريد الاستفادة أكثر من استراتيجية الحرب الاستباقية حيث يدافع عنها ولو أنه يؤكد علي ضرورة إقحام أكبر لقوي دولية أساسية في مثل هذا السياسة ومن ثمة العمل بنشاط أكبر علي تفادي سياسة القطبية الأحادية، أي العمل عل جعل أسلوب الحرب الاستباقية أكثر واقعية ، وهو ما يتطابق مع تلميحات كراوثمر أعلاه حول نضج التيار النيومحافظ من خلال التبني المتزايد للواقعيين لأسسه التي من ضمنها طبعا مبدأ الحرب الاستباقية . عقيدة بوشاثر أيام قليلة من الذكري السنوية الاولي لاحداث 11 ايلول (سبتمبر) وتحديدا يوم 17 ايلول (سبتمبر) 2002 اصدرت الادارة الامريكية وثيقة لم تلق بعد القدر الكافي من الاهتمام. الوثيقة (من 31 صفحة) تحمل عنوان استراتيجية الامن القومي للولايات المتحدة الامريكية ممضاة من الرئيس الامريكي، الذي قام بتقديم موجز لها، وهي رسميا من انجاز مجلس الامن القومي، احد الدوائر الرئيسية المحددة للسياسة الخارجية الامريكية. وبسبب التبني الرسمي للوثيقة من قبل الرئيس الامريكي فقد اختارالمحللون السياسيون لهذه الوثيقة اصطلاح عقيدة بوش . غير انه من المرجح ان تكون كوندوليزا رايس المشرف الرئيسي علي انشطة مجلس الامن القومي هي المسؤولة الرئيسية عن كتابتها. ان الاعلان عن مثل هذه الوثائق أمر نادر. فليس من المعتاد ان تنشر الولايات المتحدة وثيقة رسمية تعلن فيها بشكل تفصيلي عن المبادئ الرئيسية لاستراتيجيتها العسكرية.يدافع كاتب عقيدة بوش عن ثلاث افكار اساسية: (أ) إن القوة الامريكية تتميز بتفوق غير مسبوق: اليوم تتمتع الولايات المتحدة بموقع قوة عسكرية لا يوجد لها مثيل (مقدمة الرئيس) (ب): ان المعضلة الامنية الموجودة منذ ما قبل نهاية الحرب الباردة اي الارهاب اضحت التهديد الرئيسي للامن العالمي الراهن، غير انها لا ترقي الي مرتبة التهديد الرئيسي الا لانها تتوفر حسب نص الوثيقة علي حلفاء في مرتبة دول مارقة تتوفر علي عداء للولايات المتحدة وعلي اسلحة دمار شامل. وهكذا يشكل هؤلاء مجموعة واحدة من دون إبراز الأدلة علي ذلك: تحديات جديدة وقاتلة ظهرت من الدول المارقة والارهابيين (…) خلال سنوات التسعينات شهدنا ظهور عدد صغير من الدول المارقة (…) التي تشترك في عدد من الصفات(…) ( منها) ترهيب شعوبها(…) لا تولي أهمية للقانون الدولي (…) وهي مصممة علي حيازة اسلحة الدمار الشامل (…) وتمول الارهاب حول العالم (…) وترفض القيم الانسانية الاساسية وتكره الولايات المتحدة والمبادئ التي تؤمن بها. (ص13 و14). (ج) وفي النهاية فان المواجهة العسكرية ضد هذه المجموعات الارهابية ليست هي الهدف العسكري الرئيسي بل ان تحطيم السيطرة السياسية المعادية للولايات المتحدة في مجالات جغرافية محددة، ممثلة في دول بأسرها الدول المارقة ، هي المهمة العسكرية الاكثر الحاحا. غير ان طبيعة العدو حسب الوثيقة تفرض التخلي عن مفهوم الردع Deterrence والذي لا يستلزم التدخل العسكري المباشر وقد كان مفهوما اساسيا يتحكم بالسياسة الخارجية الامريكية طيلة الحرب الباردة. وفي المقابل فان هذه المرحلة الجديدة تفرض ضرب هاته الدول دون انتظار تورطها في اعمال معادية، اي اعتماد سياسة الحرب الاستباقية : يجب علينا ان نكون متهيئين لوقف الدول المارقة وأعوانها من الارهابيين قبل ان يصبحوا قادرين علي التهديد او استعمال اسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة وحلفائها واصدقائها (…) لقد مضت حوالي العشر سنوات حتي استطعنا ان ندرك الطبيعة الحقيقية لهذا التهديد الجديد(…) فلا يمكن ان نترك اعداءنا يضربوننا اولا (…) وكان (خلال الحرب الباردة) اسلوب الردع دفاعا ناجعا. لكن هذا الاسلوب المرتكز فقط علي التهديد بالرد اصبح اقل نجاعة لمواجهة قادة الدول المارقة والذين هم اكثر تصميما علي المخاطرة والمراهنة بحياة شعوبهم وثروات اممهم(…) وعلي مدي قرون اعترف القانون الدولي بان الامم لا تحتاج للتعرض الي اعتداء قبل ان يتمكنوا شرعيا من الرد للدفاع عن انفسهم ضد قوات تمثل خطرا وشيكا للاعتداء. لقد اشترط علماء القانون والقضاة الدوليون شرعية الاستباق بوجود تهديد وشيك كثيرا ما يتمثل في استنفار بيّن للجيوش والاساطيل والقوات الجوية استعدادا للهجوم. يجب علينا ان نحيّن مفهوم التهديد الوشيك مع قدرات واهداف اعداء اليوم. الدول المارقة والارهابيون لا يعملون علي مهاجمتنا باستعمال الوسائل التقليدية (…) عوضا عن ذلك يعتمدون علي اعمال ارهابية وفي امكانهم ان يستعملوا اسلحة الدمار الشامل (…) ولمنع او استباق مثل هذه الاعمال المعادية من قبل اعدائنا ستتصرف الولايات المتحدة، اذا دعت الضرورة، بشكل استباقي. (ص 14 و15). من البديهي ان تكون احداث 11 ايلول (سبتمبر) فاعلا رئيسيا في التبني الرئاسي لهذه الاستراتيجية والاعلان عنها. غير انه من الخطأ الاعتقاد انها وليدة ما بعد 11 ايلول (سبتمبر). لم تكن هذه الرؤية تحتاج لتلك الاحداث لتتبلور، فقد تكونت اهم ملامحها منذ الاشهر الاولي لنهاية الحرب الباردة، وصاغ المؤمنون بها تقارير وقع تبنيها رسميا منذ 1992. كراوثمر ومفهوم القطبية الأحادية في محاضرة القاها تشارلز كراوثمر الصحفي بالواشنطن بوست لاول مرة يوم 8 ايلول (سبتمبر) 1990 اي اشهر قليلة قبل الحرب الامريكية الاولي علي العراق، تم الترويج بشكل واسع ولاول مرة لمفهوم جديد: القطبية الأحادية . لن نتعرض هنا لجميع النقاط الواردة في هذه المحاضرة لكننا ندعوللترجمة الكاملة لنصها لاهميتها الخاصة. نكتفي هنا بالقول إنها من اهم واول النصوص التي تفسر الاستراتيجية الامريكية الجديدة. من أهم النقاط التي يتعرض اليها كراوثمر هي مسألة: هل ان سقوط الاتحاد السوفييتي يعني نهاية أية تهديدات جدية للولايات المتحدة ؟ ويري الكاتب أن هناك تغيرا أساسيا طرأ علي العالم مع بداية انهيار الكتلة الشرقية يتميز بحيازة دول صغيرة و مغامرة علي اخطر الاسلحة: تتسم (مرحلة ما بعد الحرب الباردة ب) ظهور بيئة استراتيجية جديدة تتميز برواج اسلحة الدمار الشامل (…) وقبل خمسين سنة كانت ألمانيا ـ المتمركزة وسط العالم، وعالية التصنيع، وكثيفة السكان ـ تشكل تهديدا للامن العالمي وللقوي الكبري الاخري. وقد كان من غير الممكن لاحد ان يتصور ان دولة صغيرة نسبيا من الشرق الاوسط كل قاعدتها الصناعية مستوردة يمكن ان يكون لديها القدرة علي تهديد مجال يتجاوز محيط جيرانها. فالحقيقة المركزية المميزة للعصر القادم أن مثل هذا التوقع لم يعد صالحا: دول صغيرة نسبيا وهامشية ومتخلفة سيكون بامكانها البروز بسرعة كتهديد ليس علي المستوي المحلي فحسب بل ايضا علي مستوي الامن الدولي. إن العراق ـ الذي اذا لم يتم نزع اسلحته في عاصفة الصحراء سيحوز صواريخ عابرة للقارات خلال عشر سنوات ـ هوالنموذج لهذا التهديد الاستراتيجي الجديد، وهو الذي يمكن ان يطلق عليه اسم (الدولة السلاح) (ص 30). لمواجهة هذا التهديد يقترح كراوثمر اعتماد استراتيجية جديدة تتميز بالهجوم وبالتالي استباق التهديدات المحتملة لهذه الدول: مع بروز الدولة السلاح ليس هناك بديل عن مواجهتها، وصدها، وفي حالة الضرورة، نزع اسلحتها…) ص 32). ومن المثير ان الكاتب استنجد آنذاك بارقام قدمها وزير الدفاع الامريكي آنذاك ديك تشيني لدعم اطروحة الانتشار السريع لاسلحة الدمار الشامل بين دول العالم الثالث. لكن بالرغم من الضجة التي احدثتها محاضرة كراوثمر بما في ذلك في الاوساط المقربة من دوائر الحكم لم يكن واضحا ان المنعرج الذي ينادي باحداثه كان يلقي اي صدي في الوسط الرسمي الامريكي.تقرير وولفويتزفي عددها الصادر يوم 8 آذار (مارس) 1992 نشرت نيويورك تايمز خبرا غير عادي حمل عنوان استراتيجية امريكية تدعو لضمان عدم نمو قوي منافسة: عالم القطب الواحد . ويقول المقال الذي يقدم لتقرير اشمل ما يلي: تؤكد وزارة الدفاع الامريكية في اعلان سياسة شامل وجديد في مرحلة تحريره الاخيرة ان رسالة الولايات المتحدة السياسية والعسكرية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ستكون العمل علي ضمان عدم بروز اي قوة عظمي منافسة للولايات المتحدة(…) وتشير الوثيقة المكونة من 46 صفحة والتي هي بصدد المتابعة في اعلي مستويات وزارة الدفاع منذ اسابيع، والتي يتوقع وزير الدفاع ديك تشيني نشرها اخر هذا الشهر، ان جزءا من رسالة الولايات المتحدة سيكون اقناع المنافسين المحتملين انهم لا يحتاجون التطلع الي ادوار اكبر . وتم تحرير هذا التقرير تحت اشراف بول وولفويتز نائب وزير الدفاع المكلف بالتخطيط (…) لقد تم توفير هذه الوثيقة للنيويورك تايمز من قبل مسؤول يعتقد انه من الافضل ان تتم مناقشة استراتيجية ما بعد الحرب الباردة علي مستوي الرأي العام (ص 1). في ثنايا التقرير الذي يلخص وينشر فقرات من الوثيقة التي حررها وولفويتز، نقرأ ما يلي: إن التركيز الكبير في هذه الوثيقة وغيرها من وثائق التخطيط العسكري التابعة لوزارة الدفاع يقع علي استعمال القوة اذا دعت الضرورة لاستباق انتشار الاسلحة النووية واسلحة اخري للدمار الشامل في دول مثل كوريا الشمالية والعراق(…) وفي مقتطف من الوثيقة نقرأ ما يلي: إن هدفنا العام في الشرق الأوسط وجنوب غرب اسيا هو البقاء في مستوي القوة الخارجية المهيمنة في المنطقة وتأمين السيطرة للحفاظ علي الوصول الامريكي والغربي لمنابع نفط المنطقة(…) وكما برهن علي ذلك الغزو العراقي للكويت يبقي من المهم منع قوة او مجموعة من القوي من السيطرة علي المنطقة . (ص 14). الي حد الان لم يقع نشر الوثيقة نفسها. في حين تجنبت ادارة بوش الاب انذاك تبنيها، وخاصة سكووكروفت Scowcroft مستشاره للامن القومي، الذي رفض الموافقة عليها. وقد استمر الأخير في رفضه لعناصر هذه الاستراتيجية عند احيائها مع بوش الابن في سلسلة من المقالات خلال النقاش الساخن الذي جري حول ضرب العراق صيف 2002. الحرب الاستباقية وتصاعد صوت النيومحافظين لن نتعرض هنا الي ظروف نشأة ونمو تيار النيومحافظين حيث يستحق ذلك ان يكون موضوع مقال خاص ولكن من الضروري ملاحظة ارتباط هذا التيار القوي بتصاعد الدعوة الي استراتيجية الحرب الاستباقية. فقد بدأ تيار النيومحافظين بالبروز بشكل مميز بداية من أواسط التسعينات بظهور سلسلة من المقالات والمحاضرات تدافع عن الأفكار الأساسية لهذا التيار. ومن أهم المنظرين النيومحافظين الذين كان ولا يزال لهم تأثير كبير علي الملامح النظرية العامة لهذا التيار نذكر ويليام كريستول وروبرت كاغان . تخرج الاول من هارفارد بدكتوراه في العلوم السياسية وهو اهم منظري تيار النيومحافظين حاليا وابن ارفينغ كريستول المؤسس الفعلي لهذا التيار. أما كاغان فقد تخرج من مدرسة كينيدي للادارة التابعة لهارفارد وهو المفكر التوأم لويليام كريستول اذ ينشر الاثنان اهم مقالاتهما بشكل ثنائي. ويكتب كاغان حاليا تعليقات شهرية في واشنطن بوست ويشرف علي مركز مشروع قيادية الولايات المتحدة بينما يشرف كريستول علي عدد من مراكز البحث اهمها مشروع القرن الامريكي الجديد كما يشرف علي عدد من الدوريات اليمينية أهمها. وقد نشر الاثنان في عدد تموز (يوليو) / آب (اغسطس) 1996 لدورية مقالا مشتركا بعنوان من أجل سياسة خارجية نيوريغنية vيدعوان فيه الي تغيير جذري وواضح في السياسة الخارجية الامريكية بالرغم من عدم تعرضهما بشكل صريح لاستراتيجية الحرب الاستباقية فإن اراء كليهما حول الاستراتيجية العامة الخاصة بالمحافظة علي الهيمنة الامريكية بالاضافة الي تركيزهما علي ضرورة اعتماد ميزانية دفاع كبيرة كلها خصائص شكلت وستشكل أهم الاسس التي ستنبني عليها اطروحة الحرب الاستباقية. وهو ما يفسر التبني العلني والواضح في وقت لاحق من قبل الكاتبين لهذه الاستراتيجية. تقرير كوهين المراجعة الرباعية للدفاع لسنة 1997: اختفت مع الفترة الرئاسية الاولي للرئيس بيل كلينتون اي مؤشرات علي تفكير الاوساط المحددة للسياسة الخارجية الامريكية في استراتيجية الحرب الاستباقية. وعادت هذه الرؤية للبروز في أوساط الادارة الامريكية مع حلول 22 ماي 1997 تاريخ بداية عرض ومناقشة تقرير المراجعة الرباعية للدفاع من قبل وزير الدفاع الامريكي ويليام كوهين امام الكونغرس. وقبل التطرق لمحتويات التقرير نشير الي انه قد سبـــقت اعداده مراحل مختلفة كانت نقطة البدء التي مهدت للانقلاب الذي حدث مع ادارة بوش الابن. أصدر الكونغرس الامريكي في جوان 1996 توجيه ليبرمان لتصحيح الدفاع وهو بمثابة توصية من الكونغرس الي وزارة الدفاع اقترحها علي التصويت النائب ذاته. تنص التوصية علي انشاء مجلس للدفاع الوطني لاحزبي يراجع ويحور الاستراتيجية الدفاعية للولايات المتحدة، وبنيتها العسكرية، وخطط تحديثها، والبنية التحتية وعناصر البرنامج العسكري الاخري للقرن القادم . رسالة الي كلينتون 1998كان الاعتماد الرسمي والعلني للمرة الاولي لاستراتيجية الحرب الاستباقية انتصارا صامتا ولكنه انتصار كبير للغاية لتيار النيومحافظين الذي كان بصدد التشكل. غير ان هؤلاء فهموا ان التبني الرسمي لوزارة الدفاع والكونغرس سيكون حتما ذا طابع شكلي إن لم تسر مؤسسة الرئاسة الامريكية في نفس الاتجاه. هكذا وبعد اسابيع قليلة من تاريخ تبني تقرير كوهين من قبل الكونغرس في 15كانون الاول ( ديسمبر) 1997 وفي رسالة علنية موجهة الي الرئيس الامريكي كلينتون دعا انصار الحرب الاستباقية الرئيس لتبني استراتيجيتهم الهجومية ووضعها موضع التنفيذ من خلال العدوان علي العراق، ذلك المثال الذي ما فتئت كل الوثائق اعلاه من الرجوع اليه عند الدعوة لاستراتيجيا الحرب الاستباقية. لقد أُمضيت هذه الرسالة من قبل ثمانية عشر شخصية سياسية وفكرية كشفوا فيها لاول مرة عن وجود تيار واضح المعالم يتبني استراتيجية الحرب الاستباقية، غير أن هذا التيار لا يزال محدودا انذاك حيث بقي يطلب حتي ذلك الوقت الدعم الكامل للأطراف السياسية الأساسية. إن أغلب هؤلاء سينظّرون ويباشرون التنفيذ الفعلي لهذه السياسة خلال ادارة الرئيس الذي تبناها، بوش الابن. ولا توجد ضمن هؤلاء الشخصيات اي شخصية عسكرية. لقد شملت قائمة الشخصيات الممضية علي الرسالة والتي لعبت ادوارا سياسية في الحرب الاخيرة علي العراق: دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الحالي وقبل ذلك المسؤول البيروقراطي والمخضرم في وزارة الدفاع والنائب المتنفذ في الكونغرس، وبول وولفويتز، نائب وزير الدفاع الحالي، وريتشارد بيرل كبير مستشاري وزير الدفاع حتي الحرب علي العراق والذي بدأ حياته السياسية ضمن دواليب وزارة الدفاع في السبعينات رفقة صديقه وولفويتز، وبيتر رودمان مساعد وزير الدفاع الامريكي المكلف بشؤون الامن الدولي حاليا والذي عمل في وزارتي دفاع ادارتي ريغن وبوش الاب؛ وريتشارد ارميتاج مساعد وزير الخارجية الامريكي حاليا؛ وجون بولتون وهو الآخر مساعد وزير الخارجية الامريكي حاليا؛ وباولا دوبريانسكي نائبة وزير الخارجية الامريكي المكلفة بالشؤون الدولية؛ وزلماي خليل زاد والذي كُلف كمبعوث رئاسي في مهام حساسة في حروب الرئيس بوش الابن سواء في افغانستان او العراق والذي له ارتباطات قوية بعدد من الشركات النفطية الأمريكية خاصة منها Unocal؛ وايليوت ابرامز كبير مستشاري الرئيس بوش الابن في مجلس الامن القومي في شؤون الشرق الاوسط وشمال افريقيا؛ وروبرت زوليك والذي يشغل حاليا منصب الممثل التجاري الأعلي للولايات المتحدة ضمن مكتب الرئيس بوش الابن والذي عمل فيما قبل ضمن دواليب وزارة الخارجية خاصة عهد الرئيس بوش الاب. كما ضمت قائمة الممضين علي الرسالة تشكيلة منوعة من مفكري الظل منهم بالخصوص: فرنسيس فوكوياما المحسوب عادة علي الليبراليين ؛ وويليام كريستول اهم منظري تيار النيومحافظين حاليا؛ وروبرت كاغان المنظر الثاني في مجموعة النيومحافظين؛ ثم جيمس وولسي مدير وكالة المخابرات المركزية الامريكية خلال اواخر الثمانينات والعضو في عدد من مراكز البحث الامريكية وأحد اهم الوجوه التي تتصدر منظري النيومحافظين، وويليام بينيت أحد المفكرين الأساسيين لتيار النيومحافظين والذي يرجع تأثيره الي عهد الرئيس ريغن خيث شغل منصب وزير التعليم وهو حاصل علي دكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة تكساس. بالاضافة الي هؤلاء فان عددا من الوجوه السياسية مثل وولفوويتز وبيرل ورودمان ودوبريانسكي تلعب في الواقع دورا تنظيريا وتملك عموما خلفيات اكاديمية في مجال العلوم السياسية.مجموعة الحرب الاستباقيةفي ادارة بوش الابن قبل 11 ايلول (سبتمبر)إن لم تنجح هذه المجموعة في اقناع الرئيس كلينتون فقد نجحت في التحكم في طاقم ادارة الرئيس بوش الابن. فكما اوضحنا اعلاه فان عددا هاما من الممضين علي الرسالة عُينوا في مناصب حساسة من قبل بوش الابن وهو ما عكس سيطرة كاملة علي وزارة الدفاع -حيث يجب اضافة اسم دوغلاس فايث الي المجموعة أعلاه ـ بالاضافة الي سيطرة جزئية علي وزارة الخارجية. تجب الاشارة هنا الي ان سرعة التغيرات الميدانية دفعت بالبعض الي التراجع او تبني مواقف هذه المجموعة. وينطبق ذلك بالنسبة للوضع الراهن علي كل من كولن باول وريتشارد ارميتاج. فالاول قد أظهر تقلبا كبيرا في مواقفه وبالرغم من إعلانه المناهض للتوجه الجديد الذي عبر عنه في مذكراته اواسط االتسعينات ورغم تهديداته بالاستقالة خلال النقاش الحامي الذي دار حول ضرب العراق في صيف 2002 فانه قاد العمل الديبلوماسي الذي هيأ للحرب وذلك ضمن الاطر التي حددتها مجموعة وزارة الدفاع. مقابل ذلك فإن ارميتاج الذي كان من بين الذين ساهموا بشكل حثيث في احياء رؤية الحرب الاستباقية من خلال تقرير كوهين لسنة 1997 يبدو انه ليس مرتاحا للوضع الراهن كما تدل علي ذلك نيته في الاستقالة الان مع باول. غير ان اهم المؤشرات التي تدل علي الاضطراب الذي يمكن ان يحدث داخل هذه المجموعة ويعكس وحدتها الهشة كان الصراع الذي دار بين مجموعة السياسيين ومجموعة المنظرين صيف 2001 اي اسابيع قليلة قبل أحداث 11 ايلول (سبتمبر)، يوم كانت إدارة الرئيس بوش الابن تمر بحالة صعبة جدا حيث استمر بشكل واسع الجدال حول مدي شرعية الرئيس الامريكي اثر واحدة من اكثر الانتخابات الرئاسية إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة. كان لذلك تأثير أكيد علي البرامج الاولية التي قررها طاقم الادارة الامريكية والتي تأثرت بالشعبية الضعيفة للادارة الجديدة. فمن جملة التغييرات الطارئة كان التخفيض في ميزانية وزارة الدفاع مقارنة لما نادي به في السابق أقطاب النيومحافظين المسيطرين علي وزارة الدفاع. فقد نشر كل من كريستول وكاغان في عدد 23 تموز (يوليو) 2001 من دورية (ويكلي ستاندرد) مقالا مشتركا بعنوان بدون دفاع . يبدأ المقال كالتالي: هذه نصيحة ضرورية الي صديقين قديمين، هما دونالد رامسفيلد وبول وولفويتز: استقيلا. ولتفسير هذه الدعوة المفاجئة يقول الكاتبان: حسب مصادر قوية الاطلاع في ادارة بوش، توجه دونالد رامسفيلد الي البيت الابيض في الاسابيع القليلة الماضية ليعرض احتياجاته من ميزانية العام الضريبي 2002، وبعد حوالي خمسة اشهر من المراجعة، استخلص رامسفيلد انه بحاجة الي حوالي 35 بليون دولار كتمويل اضافي للعام الضريبي 2002، مع تمويل اكبر بحلول العام الضريبي 2003 .واعتبر المعلقان ان ذلك اقل بكثير مما اثبتته دراسات جدية ويتهمان رامسفيلد بانه: يعطي لنا لمحة عن المستقبل ـ مستقبل من التراجع والتقلص الامريكي . ويري كلاهما ان ذلك ليس مجرد تخفيض في الميزانية وانما هو مؤشر علي التراجع عن استراتيجية القدرة علي خوض حربين في نفــس الوقت وهو ما يعني بالنسبة اليهما رسالة خطيرة من الولايات المتحدة الي المتربصين بها تحثهم علي تحدي مكانتها. ختاما يقول الكاتبان: وولفويتز للقول (في الاجتماع الذي دار في البيت الابيض) من التهور المخاطرة بحظوظنا الراهنة وبمستقبل اطفالنا من خلال صرف 3 بالمئة من الناتج الداخلي الخام علي الدفاع (…) والمشكل ان الرئيس الذي يخدمه وولفويتز اقر ميزانية للدفاع تساوي 3 بالمئة من الناتج الداخلي الخام ويمكن ان تنزل تحت هذا الرقم العام القادم. فكان كل الشرف لوولفويتز قوله للحقيقة حول ميزانية ادارته ‘المتهورة’. فهل يوافق رامسفيلد نائبه؟ وماذا عن موقف القائد الاعلي، جورج بوش الابن؟ . هنا نذكّر ان مسألة الزيادة في ميزانية الدفاع عنصر جوهري في الرؤية الاستراتيجية العامة للكاتبين كما يوضح مقالهما المكتوب سنة 1996 المذكور اعلاه. لكن ما هو مؤكد انه مع حلول أحداث 11 ايلول (سبتمبر) والحرب علي افغانستان ثم القيام بـ الحرب الاستباقية علي العراق قفزت ميزانية وزارة الدفاع الي ارقام خيالية لا يبدو ان كريستول وكاغان نفسيهما حلما بها. عندما يُواجه المؤمنون بالحق الامبراطوري للولايات المتحدة بأنه لم توجد بعد إمبراطورية أبدية فإنهم يجيبون بأنهم يدافعون عن إمبراطورية من نوع جديد ليس في الدفاع عنها مصلحة قومية أمريكية فحسب بل مصلحة دولية أيضا. وضمن هذا الاطار تُقدم الحرب الاستباقية علي العراق كاستمرار للحرب علي ألمانيا النازية ومن ثمة كمواجهة عسكرية من أجل تحرير البشرية. بيد أن هؤلاء العقائديين يتجنبون التفكير في أن الاستراتيجية الألمانية كانت مبنية علي مفهوم الحرب الاستباقية. وفي الواقع فإن هذا المصطلح ما هو إلا التسمية الامريكية للحرب الامبراطورية. وأكثر من ذلك فإنه ليس مفهوما جديدا تماما لدي أوساط الاستراتيجيين الامريكيين. فالآباء الروحيون لوولفويتز وبيرل مثل أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو أواسط القرن الماضي ألبرت ووهلستتر دافعوا عن أفكار مشابهة، كما أن الحروب الامريكية علي المكسيك ثم كوريا وفيتنام تحمل في أقل الاحوال المؤشرات الجنينية علي مفهوم الحرب الاستباقية.ہ باحث تونسي يقيم في أمريكا الشمالية7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية