مدائح الموت

حجم الخط
0

مدائح الموت

الياس خوريمدائح الموت المقالات التي كتبت عن الشاعر السوري محمد الماغوط بعد وفاته لا تحصي. كأن الموت هو المبرر الأساسي للكتابة. والغريب ان الماغوط نال قبل اسبوع واحد من وفاته جائزة العويس للشعر، ولكن الجائزة لم تكن كافية كي يحتل شاعر الفرح ليس مهنتي الصفحات الأولي في الصحف العربية، وكي يرسل الشعراء العرب التحية لمن اعتبروه رائد قصيدة النثر.الموت حرر الماغوط من الصمت، ودفع الصحافة الي الاحتفاء به وبشعره، الذي توقف عن كتابته منذ اكثر من ثلاثين عاما.كان الماغوط في ايامه الأخيرة مريضا، ومناسبة التكريم الوحيدة التي حظي بها جاءت بعد وفاة صديقه الشاعر ممدوح عدوان. فخلال الحفل التكريمي الذي اقيم لعدوان في دمشق، زارت مجموعة من المشاركين الماغوط في منزله، وكتبت بعض المقالات التي كانت اشبه برثائيات مسبقة.انه زمن مدح الموت.كأن الثقافة العربية استراحت من الأسئلة التي رافقت بدايات الشعر الحديث، بعدما تهاوت احلامها التغييرية، مكتفية برثاء نفسها، وتدبيج مدائحها السريعة للموت، قبل ان تعود الي ما يشبه الصمت، والي الاكتفاء بالذاكرة بديلا من طرح اسئلة جديدة.اسهل مدح هو مدح الموت.يعفي الموت كاتب الرثاء من وضع الأمور في سياقاتها، ويقدم له المبرر كي يقفز فوق الواقع، ويكتب نثرا سريعا يمزج الحسرة بالحنين.في الماضي، اي زمن القصيدة العمودية كان الشاعر مجبرا علي الرثاء، اي علي كتابة قصيدة يرثي بها شاعرا آخر. وفي القصيدة، علي الرغم من كونها مناسبة اجتماعية، شيء من المعاناة، لأن الشاعر كان مطالبا بأن يكتب ما يناسب المقام، اي ما يوازي شعر الراحل، شكلا ومضمونا.اما بعد تحرير الشعر من الأغراض، وهذا انجاز كبير من دون شكّ، فلم يعد الرثاء مستحبا. بل صارت كتابة البوح، سائدة، وصار الشـــعراء يستسهلون مدح الموت، بعدما تخلوا عن الرثاء.وادب البوح، او ما يمكن ان نطلق عليه هذه الصفة، هو اسوأ انواع الأدب، وقد تسلل الي الشعر والرواية والمقال الصحافي، مطيحا ليس بالأشكال وحدها، بل بالمعاني ايضا. فالبوح لا قاعدة له، انه كلام خافت الصوت، يوحي بالحقيقة، لكنه يبني علي مجموعة من التهويمات اساسها التمرد الكاذب، اي التمرد الذي لا يكلّف صاحبه شيئا. مزيج من كلام خاص جدا، ونقد للواقع السياسي او الاجتماعي او الثقافي بكلام عام لا تعيين فيه، ولا يرتب علي كاتبه او كاتبته اي مسؤولية سياسية او اخلاقية او فكرية.والموت هو المناسبة الأبرز للبوح. اي ان غياب شاعر او كاتب يسمح للبواحين بأن يملأوا اعمدة الصحف، ويثيروا موجة من الأسي لن تلبث ان تختفي في اليوم التالي، او مع وفاة جديدة. هكذا يعفون انفسهم من التقويم الجدي لأعمال الكاتب الراحل، ولا يطرحون اي سؤال حول شروط انتاج ادبه، وحول مراحله المختلفة.لذا تناسي الجميع تقريبا ان محمد الماغوط كاتب مسرحي، وان تدرج مسرحه من المسرح الشعري العبثي، كما في العصفور الأحدب ، الي مسرح الكوميديا شبه السياسية كما في اعماله مع دريد لحام، ليس مسألة عارضة، وان هذا المسار ترافق مع صمته الشعري الطويل، ومع اختناق سياسي ثقافي تعيشه سورية منذ اكثر من ثلاثة عقود.القفز فوق هذه التجربة، وفوق الاختناق الثقافي الذي ضرب سورية، وامتدادات هذا الاختناق اللبنانية، ليس مسألة عارضة في قراءة التجربة الماغوطية او في وضعها في سياقها. شعر الماغوط كان جزءا من موجة التحرر الشكلية والفكرية التي اطلقتها موجة الحداثة. لكن التمرد سرعان ما اختنق بالانقلاب العسكري، وبالوعود الكاذبة التي حملتها العسكريتاريا الي المجتمعات العربية. فاختنق الكلام بالتكرار، وصارت اللغة اسيرة الكلام الغائم العائم.هنا يجب ان نقرأ الماغوط، فهو كان كاتبا بالسليقة، وصنع ردود فعل ادبية تناسب المرحلة. انتقل من العبث الي العبث بالسياسة، ومن الشعر الي المقال الصحافي الذي يعلن خيانة الوطن، ومن الجد الي المزاح.غير ان ثقافة مدح الأموات لا تتسع لمراجعة التجربة الأدبية في شكل نقدي، تكتفي بالمرور في شكل عابر علي تكرار الجلوس والقيام، من دون ان تتوقف عند قدرة ثقافة القمع علي تحوير آخر نص مسرحي كتبه الماغوط من اجل جعله وقودا لخطاب عنصري مقيت، لا علاقة للكاتب به.لم يعلن الماغوط احتجاجه علي تشويه نصه الشعري، كان مريضا ويائسا، ثم لمَ الاحتجاج، حين تكون البلاد كلها عرضة للتشويه. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية