الطواف.. غريزة الحياة هنا
أين؟ سأل الغريب
في المدن التي قبضت عليها الحرب، فأحكمت، حتى أغلقت منافذ الحياة، فما كان من سكانها سوى الذهاب دون وجهة لفتح منافذها عنوة.
وكيف ذلك.. عن أي طواف تتحدثين؟
أخبرك عن طواف العيش.. هنا يا صديقي يطوف الناس للبحث.. تراهم يمشون باستدارة حول رغيف الخبز، يطوفون حول قشة تشتعل لينتبه لهم طيف دفء، يطوفون حول أبواب غريبة ضاعت أقفالها ليستريحوا بليلهم وتغمض أجفانهم تحت سقوف جافة خشنة وجدران يتسلل من ثقوبها البرد. يطوفون حول ساقية ينحدر منها الماء بالخطأ، فترى الشفاه فاغرة مقبلة على نية قتل العطش.
يطوفون في السبل المشغولة بالخردة والمهملات بحثا عن قطعة خشب تصلح للحرق بدل المدافئ، أو جرائد تصلح كسجادة أرض، أو قطعة قماش تستر وجع الحياة. يطوفون حول المساجد بحثا عن صلاة ضائعة أو دعوة تائهة، أو ربما مكرمة من عابر قد ينتبه.
الطواف يا صديقي مؤونة مؤجلة، وزاد أمل، وأمنيات خلاص.
بتنا كما الدراويش نستعين على الطرقات بالرجاء، نتقن الزهد، والجلوس في الخلوات، نصلي قيام الحب، ونرفع أذان العشق، ونجعل كفاف يومنا ملحا نغلق به الجراح. نمشي إلى عتبات لا نعرفها. ونسجد عند كل قبة يسكنها الحمام. نصوم عن البكاء، ونفطر الكبرياء. زكاتنا مفردات تفي برفع الأحلام. نغض البصر عن سوء المكان، ونفتح البصيرة على طول الزمان. نؤمن بقلوب دافئة وأصابع باردة. ونعلم أن ثوابنا كما الوكالة الخاصة لا يمكن أن يستثمرها الضعفاء.
في بلادي.. صار الوجع نكتة نمزجها بسخرية الحياة، نضحك على ارتفاع الأسعار، نرمي النكات على عين الكهرباء المغمضة، نطلق صفيرنا في صنابير المياه، نذكر المحروقات في قصائدنا وكأنها عشيقات عصيّات، ونرسم على مرايانا وجوها متوردة مبتسمة وقامات لها مقامات. صارت عناوين منازلنا كعناوين الأغنيات، ننتقل بسرعة من لحن إلى آخر دون استقرار، وندندن بسعر الأجرة وكأنها لازمة وقف، أو مطلع الأبيات. نرسم على الجدران بيوتا وحدائق وطرقات، ونهمس لبعضنا قبل النوم تصبحون على أمان.
نحن الذين انشغلنا في سالف هذا العمر بسبك الفرح، كنا كحكايات ألف ليلة وليلة، نصنع المفاجآت ونترك العالم ينتظر منا دهشة أو تعجبا أو لحظة صمت ككناية عن جمال ما يصدر عنا. بات الطواف شغلنا الشاغل، نحمل أقدامنا على درب مجهول ونترك لأعيننا مهمة التقاط صورة لوجوه باسمة، نبحث عن إرثنا من السعادة في الصورة، وإن وجدنا طيف ابتسامة قلنا مازلنا على عهد الحياة.
قال الغريب:
وكيف تستمرون في العيش؟
قلت الحب في جيناتنا، كيفما طفنا ولأي سبب نترك خلفنا أثرا منه، دون قصد نزرع في الأرض نبضنا، نضحك، نأمل، نعمل، نكتب، نغني، نرقص، نقرأ، نتزوج، نسافر، ونعود لنرفع في كل ما سلف الرجاء.
قال: ألا تتعبون؟
قلت: بلا.. تعبنا وأكثرنا.. غير أننا في كل طواف لنا نصير أطول من النخل، أوسع من عباءة مؤمن، أرق من لحن، وربما أقوى من مشيئة. نصير ظلا يخبر الأرض أنها تحت أقدامنا.
سأل الغريب: ما حال الشعر في بلادكم؟
قلت: القصيدة حواء.. والشاعر آدم.. وبغير ذلك تفنى سلالة البشر ويموت نسب القصيدة.
قال: والغائبون.. لماذا يهاجرون؟
قلت:
«بفعل الغياب
يوَقّعُ الذاهبون
أسفل الطريق
أكفنا التي تلوح خلفهم
لا تودعهم
هي فقط
تمسح التوقيع
ليكتمل الغياب.
ضحك الغريب قائلا.. ما أغربكم
بل قل ما أعذبنا.. فبغيابنا حملنا طوافنا إلى هذا العالم، وحملنا معه زغاريد حزن وتراتيل فرح، وكأننا نبث في قلبه دما جديدا، نترك أثر أرواحنا على جموده، فنجعله يلتفت إلى بسائط العمر ودقائق الحياة، إلى تفاصيل لا تخطر على بال.. نحن أبناء الحرب يا صديقي نطوف بها، لنلوي عنق الراء فيها لنجعل الحرب حبا.
وقل أيضا.. نحن من يستحق الحياة.
٭ شاعرة سورية
رنا سفكوني