مع عاطف الشاعر في لندن: الشعر والسياسة في العالم العربي الحديث

حجم الخط
0

لندن ـ من شادي بطرس:  استضافت قاعة «الموازيك روومز» في العاصمة البريطانية، يوم الأربعاء الماضي، الأكاديمي الفلسطيني عاطف الشاعر- مؤلف كتاب «الشعر والسياسة في العالم العربي الحديث» (صادر بالإنكليزية 2016) لندوة عامة بالعنوان نفسه أدارتها دينا مطر المحاضرة في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، ومؤلفة كتاب «ما معنى أن تكون فلسطينيا».

افتتحت مطر اللقاء بالتساؤل عن مدى تورط الشعراء العرب في الحدث السياسي الآني وصياغة الفكر السياسي بشكل أوسع، مضيفة إلى ذلك سؤالا عما إذا كان للعالم العربي وشعره خصوصية ما تجعل علاقة سياسته وشعره نموذجا فرديا. وفيما أشارالشاعر إلى أن العلاقة بين الشعري والسياسي أمر لا يقتصر على العربية فقط، إلا أنه جادل بأن خصوصية الشعر العربي تعود إلى امتداد تقاليده إلى أكثر من خمسة عشر قرنا، التي منذ بداياتها يمنحنا الشعر الجاهلي بصيرة نافذة إلى الخبرة الوجودية والآنية لمجتمعه، ومع التحول الجذري الذي أتى به الإسلام في تصور العرب عن العالم ووعيهم به، فإن القرآن كمعجزة لغوية، منح الشعر ثقلا استثنائيا وفريدا كحامل للوعي السياسي لمعاصريه ومنتج له. وعلى الرغم مما يطلق عليه الشاعر، القطيعة، وهي فترة التراجع الذي مر به الشعر العربي في العصر العثماني، فإن تحولات الشعر في بداية عصر النهضة العربية، في القرن التاسع عشر، سرعان ما عادت لتعكس وعي عصرها، الذي ربط تجديد اللغة بقيم الإصلاح السياسي والتقدم الاجتماعي.
يشير الشاعر إلى كل من نازك الملائكة وبدر شاكرالسايب، في معرض حديثه عن ظهور الشعر الحر، ومفارقة القصيدة العمودية، مجادلا بأن ذلك التحول في بنية القصيدة العربية كان مدفوعا بيقين بأن البنى الشعرية التقليدية لم تعد صالحة للتعبير عن الواقع الحديث شديد التعقيد. إلا أن الرغبة في تحرير اللغة من قيود التقليد وإطلاق إمكاناتها، لازمه ميل للاحتفاظ بالصوت المميز للشعرية العربية، وهو ما يراه الشاعر جليا في قصائد نازك الملائكة، رائدة الشعر الحر العربي. يشير الشاعر إلى كل من محمود درويش وأدونيس بوصفهما ممثلين لمسارين متمايزين في الشعر العربي الحديث، ففيما ركزت قصائد الأول على أهمية الوقع الصوتي، والاشتباك مع العام والسياسي عبر الفردي والإنساني، فإن الثاني ومع أنه مشروعه الشعري سعى للتحرر من قيود الصوتي وكذلك قبضة الحدث السياسي الآني، فإن شعره في النهاية احتفظ بتقاطعات مع السياسية بمعناها الأشمل والأقل مباشرة.
وفي إطار إجابته عن سؤال مطر له عن بنية كتابه، يؤكد الشاعر على أن الكتاب الذي يبدأ من المدارس الشعرية في العصر العثماني، ولاحقا ينتقل إلى حقبة الاستعمار الأوروبي، والمشروع الصهيوني في فلسطين، ثم يمر بتحولات عقدي الخمسينيات والستينيات في دول ما بعد الاستقلال، إلى ظهور شعر الحركات الإسلامية مثل حماس وحزب الله، ويصل أخيرا إلى ثورات الربيع العربي، كان معنيا بفحص السياق السياسي للتحولات الشعرية، لا بوصفه مجرد خلفية للشعري، بل عنصر حاسم في تشكليه ومنتج له في الوقت نفسه، بالإضافة إلى تركيزه على كشف تنوع وثراء وتعقيد التيارات الفكرية وقواها المتنازعة داخل الشعر وخارجه، في محاولة لتحدي القراءات النمطية وأحادية المنظور لتاريخ الشعر العربي. وفي سياق تدليله على المضمون السياسي لتحولات المدارس الشعرية الحديثة، يقدم الشاعر مثلا برواد المدرسة الكلاسيكية الحديثة، مثل أحمد شوقي والبارودي، مشيرا إلى أن أصولهما نصف التركية، والإيديولوجيا التي سادت في عصرهم، والتي استلهمت دولة إسلامية أو عربية مركزية، كانت عاملا جوهريا في صياغة شكل ومضمون مدرستهم الشعرية، التي مع رغبتها في التجديد ظلت مخلصة لقيمها الكلاسيكية. وفي المقابل فإن القيم الأكثر تحررا لشعراء الحقبة اللاحقة، أي عصر النهضة العربية، كانت انعكاسا لمشروع عصرهم السياسي المتمحور حول فكرة الدولة- القومية والاستقلال عن الحكم العثماني، وكذلك تأثرهم بقيم الحضارة الأوروبية والشعر الغربي أيضا.
القصيدة من الممكن لها أن تضحى أغنية، أو هبة للشعب، أو أمرا في غاية الخطورة… يعود الشاعر إلى تعليقات الفيلسوف الوجودي هيدغر على الشاعر الألماني هولدرلين، في سياق إجابته عن سؤال الحضور عما إذا كان الشعر العربي العربي دائما مرتبطا بالسياسة. لا يقدم الشاعر إجابة بسيطة أو مباشرة، مجيبا على السؤال بـ»نعم ولا»، فإن أبو العلاء المعري الذي عزل نفسه عن المجتمع والحدث السياسي الآني، حمل شعره مضمونا قيميا غير مباشر، تحدى منطق عصره الأخلاقي والسياسي. وكذا فإن الشعر العربي لطالما لعب دورا في تأكيد الهوية الإسلامية، وصياغتها، كما لعب شعر محمود درويش، على سبيل المثال، دورا استثنائيا، في صياغة الهوية الفلسطينية المعاصرة، بل حتى «داعش» لها شعرها، الذي يوظف في نشاطها الدعائي وتوصيل رسالتها السياسية.
لكن كيف للشعر أن يلعب دورا في صياغة الوعي السياسي في المجتمع طالما كان مقتصرا على النخب؟ يجيب الشاعر على سؤال أحد الحضور، بنفي صفة النخبوية عن الشعر العربي، مشيرا إلى أن تمدد التعليم الأساسي والجامعي في دول مابعد الاستقلال العربي، الذي شمل قطاعات واسعة من السكان، ساهم في تضمين الشعر في الوعي العام لمختلف الطبقات، وكذلك فإن العصر الرقمي خاصة شبكات التواصل الاجتماعي ساهم في تغير جذري في سهولة الوصل إلي الشعر وطرائق تداوله. وفي إجابه لسؤال آخر عن توظيف الشعر العربي في الفنون البصرية. يشير الشاعر إلى العلاقة بين الشعري والبصري في العالم العربي، وهو حقل بحثي، يحتاج المزيد من الدراسة، مضيفا أن العديد من الأعمال الفنية البصرية وظفت الشعر بأشكال مختلفة بتوظيف النص الشعري مباشرة في العمل أو استلهامه ضمنيا، كذلك فإن الإمكانيات التي أتاحتها برامج الحاسب سهلة الاستخدام ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت انتاج وتداول صور تمزج البصري والشعري على الشبكة الإلكترونية أمرا معتادا ويوميا. وفي الوقت نفسه، فمع امتزاج البصري والشعري في العالم الافتراضي، فإن حيطان الميادين والمدن العربية شهدا انتشارا لفنون الغرافيتي، التي وظف الكثير من مبدعيها النصوص الشعرية في إنتاجهم الفني، وهو الأمر الذي وصل ذروته مع ثورات الربيع العربي.
اختتمت مطر الندوة بالقول بأن أكثر ما يلفت الانتباه في مناقشة الشاعر، هو ما بينه مجمل حديثه من أن النص الشعري ليس نصا إستاتيكيا أو ساكنا، بل هو عنصر شديد السيولة والديناميكية، قادر دائما على التحول والامتزاج والتسرب، في صورة أخيلة وهويات، وقيم تتمظهر بشكل بصري وسمعي، ويتم تداولها في الافتراضي والرقمي كما تظهر في العالم المادي المباشر.

مع عاطف الشاعر في لندن: الشعر والسياسة في العالم العربي الحديث

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية