نازيون في مصر

رغم مرور أكثر من سبعة عقود على سقوط النازية في ألمانيا إلا أن ما يتعلق بها من أسرار ومن خفايا مازال يثير فضول المتابعين، وتحاول مراكز الأبحاث والجامعات ووسائل الاعلام أن تتابع وتتحرى الكثير من التفاصيل التي تظهر هنا أو هناك بهذا الخصوص.
وربما لم تكن المنطقة العربية إحدى ساحات الصراع الاساسية بين دول الحلفاء ودول المحور، اذا استثنينا معارك شمال افريقيا، لكن تأثيرات الصراع انعكست بشدة على الاوضاع الداخلية العربية من منطلق سعي شعوب هذه المنطقة للتخلص من السيطرة البريطانية والفرنسية.
وكانت هناك ميول واضحة لدى الشارع المصري والقصر، على حد سواء، لالمانيا، ما فجر الوضع بين الانكليز والملك فاروق، فيما عرف بأزمة 2 فبراير 1942 حيث هدد السفير البريطاني الملك بالعزل في حال عدم تنفيذ رغبة بريطانيا بتكليف النحاس باشا بتشكيل الحكومة، بينما المخفي من الامر كان ردع ميول الملك الشاب الواضحة نحو ايطاليا والمانيا. كما كان تأثير القضية الفلسطينية يمثل دافعا قويا في التقارب الذي حصل بين الحكومات العربية والمانيا النازية، وكان عراب ومحرك هذه العلاقات مفتي القدس السيد أمين الحسيني الذي اعتقد أن هتلر هو الحل في مواجهة سياسة التقسيم التي تنفذ في فلسطين بموافقة الانتداب البريطاني، وقد زار امين الحسيني برلين عام 1941 وحظي بحفاوة استقبال ومعاملة رؤوساء الدول، وخاض سلسلة مفاوضات مع الحكومة الالمانية، حصل خلالها على وعد من هتلر بالتدخل لايقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بالمقابل أنشأ الحسيني ما عرف باللواء الاسلامي في الرايخ الالماني المكون في غالبيته من مجندي مسلمي البوسنة، وبعد هزيمة المانيا النازية في الحرب، وبعد نكبة فلسطين 1948 استقر الحسيني في القاهرة، ولعب دورا مهما في تعريف الحكومة المصرية بضباط من الجيش النازي عرضوا خدماتهم لبناء وتطوير الجيش المصري.
يذكر محمد ثروت في كتابه «نازي في القاهرة» أن الدكتور وجيه عتيق، صاحب كتاب «الملك فاروق وألمانيا النازية» يرى أن بداية هجرة الضباط الألمان إلى مصر كانت بعد حرب 1948، وأن القنصلية المصرية في بون تلقت مئات الطلبات من الضباط الألمان للعمل في مصر، في عهد حكومتي حسين سري باشا ومصطفى النحاس، وابتدأ التعاون بين الجانبين وتوافد العلماء الألمان إلى مصر، حيث بدأ العمل الفعلي على تطوير الطيران والصواريخ، وذلك للتقدم الهائل الذي أحرزه الألمان في هذا القطاع، وتم البدء فى تصميم صواريخ من طراز (V 8) وكان المشروع يأمل في تصنيع 900 صاروخ تكون جاهزة مع نهايه عام 1970، لكن ومع حلول عام 1951 رأت الحكومة المصرية أن التجارب العلمية لم تكن ذات نتائج مرضية ما دفعها إلى ايقاف البرنامج.
وبعد قيام الثورة عام 1952 قام الرئيس محمد نجيب بتعيين خبير الصواريخ النازي وليم فوس مديرا لمكتب التخطيط المركزى ورئيس مستشاري وزير الحربية، الذي تعاقد بدوره مع خبراء من بقايا المانيا النازية الباحثين عن اماكن لتنفيذ مشاريعهم التي توقفت بسبب الدمار الذي حل بالمانيا مثل، الدكتور رولف انجل والدكتور ولفجانج بيتز والدكتور بول جوريك، وهم من كبار خبراء الإلكترونيات فى المانيا فى تلك الايام، الذين عملوا على تطوير الصواريخ البالستية المصرية، التي سوقت في الاعلام باسم صواريخ القاهر والظافر، وقد قام الموساد الاسرائيلي باطلاق عمليته التي عرفت باسم «داموكلس» لاغتيال العلماء الالمان، بعد أن جند احد النازيين الذين ساعدوا مصر في تجنيد العلماء وهو اوتو سكورزيني الذي زود الموساد بقوائم تضم اسماء اكثر من 200 عالم الماني عاملين في مصر، وقد استهدفتهم الموساد عبر تهديدهم وارعاب عوائلهم ومن ثم محاولات اغتيالهم عبر ارسال الطرود الناسفة، وبعد عدة حوادث راح ضحيتها عدد من المصريين والاجانب، توقف البرنامج المصري عام 1965 بسبب هرب العلماء الالمان من مصر قبل تحقيق إنجاز نهائي في تصنيع الصواريخ أو الطائرات النفاثة.
ورغم الثقل الرئيس للوجود الالماني النازي كان في قطاع تطوير الصواريخ في مصر، لكن يمكننا أن نشير لعدد من النازيين الذين عملوا في قطاعات اخرى في مصر، فبعد أن استقر أمين الحسيني في مصر، طلب منه الرئيس محمد نجيب الاستعانة بأصدقائه من النازيين، وكانت بينهم شخصيات معروفة مثل أليوس برونير، الذي عمل فترة في القاهرة خبيرا امنيا ثم غادر القاهرة إلى سوريا للعمل مستشارا للأجهزة الأمنية، كذلك قدم يوهان فون ليرز، عضو المكتب النازي، الهارب في الأرجنتين، وأحد أذرع جوزيف غوبلز وزير الدعاية النازي، الذي جاء إلى مصر، عن طريق مفتي القدس ايضا حيث عمل مستشارا إعلاميا في وزارة الإرشاد القومي، وأشرف على الدعاية المضادة لإسرائيل وقتها، كما قام بترجمة كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، وأعلن إسلامه وغير اسمه ليصبح (عمر أمين).
وربما كان من اهم الشخصيات النازية التي قدمت للعمل في القاهرة، الضابط النازي اوتو سكورزيني المعروف بدوره في انقاذ موسوليني عندما قام باختطافه من معتقله عام 1943، والذي يعتقد بانه المؤسس الحقيقي لمنظمة (أوديسا) التي تعاونت مع المخابرات الأمريكية لتهريب النازيين وإعادة تشغيلهم في مختلف دول العالم، ووفقا لتقارير المخابرات الامريكية التي رفعت عنها السرية مؤخرا، قام الصحافي فرانشيسكو جيل وايت بتحقيق استقصائي عن دور الضباط النازيين في مصر، حيث يذكر أن سكورزيني أُرسل إلى مصر بتنسيق مع الجنرال النازي السابق راينهارد گهلن، الذي بات يعمل لصالح المخابرات المركزية الأمريكية، وقد عمل سكورزيني مستشاراً عسكرياً لمحمد نجيب، وخلال عمله جند ضباطا سابقين في «إس إس» لتدريب الجيش المصري، كان من بينهم الجنرال فلهلم فارمباخر، والجنرال البنزر أوسكار مونزل، وليوبولد جلايم، رئيس قسم الجستابو للشؤون اليهودية في بولندا، ويواخيمن دايملينج، الرئيس السابق للجستابو في دوسلدورف، الذين تولوا مسوؤليات في إعادة هيكلة قوات الشرطة والجيش والمساعدة في بناء جهاز المخابرات المصري حديث التكوين.
كذلك جاءت إلى مصر شخصيات لعبت ادوارا مهمة، مثل لوفدنش هايدن، عضو المكتب المركزي لأمن هتلر، الذي غير اسمه ليصبح لويس الحاج، والذي ترجم كتاب هتلر «كفاحي» إلى العربية عام 1963 كما اصدر وترجم عددا من الكتب بالعربية مثل «حرب العصابات» و»دائرة المعارف السيكولوجية». وأوتو ريمر الرجل الأخطر، وأحد محبطي عملية فالكيري لاغتيال هتلر، الذي جاء إلى مصر وعمل مستشارا لجمال عبد الناصر لنقل تكنولوجيا الأسلحة إلى مصر وبعض الدول العربية كسوريا، وشغل منصب مدير معهد الدراسات اليهودية.
ولم يكن كل القادمين من المانيا الهتلرية ممن عملوا في مهمات محددة، بل كان هنالك بعض الشخصيات التي كانت تبحث عن ملاذ آمن من مطاردة أجهزة المخابرات وصيادي الجوائز التي وضعتها الدوائر اليهودية العالمية لمن يدلي بمعلومات عن الضباط النازيين، ومن هولاء كان كارل ديبوش الطبيب الذي روى قصته روبرت فيسك، في مقاله بجريدة «الإندبندنت» بعنوان «جنة الجزار في مصر» الذي توفي عام 1967، في المعادي التي كانت مكانا مثاليا كضاحية هادئة لسكن الخبراء الالمان في الستينيات، وكان دكتور كارل ديبوش يبدو لجيرانه شخصية لطيفة عادية لا شر فيها، ولم يعرف أحد أن الطبيب الماهر المتخفي بهذا الاسم هو هانز أيزل، الطبيب والضابط النازي المتهم بقتل 300 سجين في معسكرات النازية، وإجراء تجارب طبية على السجناء دون تخدير، تاركا إياهم يموتون ببطء، وكان يحقنهم بالسيانيد لدراسة تأثيراته على الجسم، حتى لقَب بين السجناء بـ»الجزار» مات أيزل في مصر عام 1967 وشيع بجنازة ودية من الجالية الألمانية بالقاهرة، بعد أن نجا من عدة محاولات اغتيال قام بها الموساد الاسرائيلي بطرود مفخخة.
اما الدكتور أربيرت هايم الشهير بلقب «طبيب الموت» بسبب تجاربه على معتقلي السجون النازية، فربما كان اشهر شخصية نازية استقرت في مصر، ولم يكتشفه احد حتى وفاته عام 1992، حيث قدم إلى مصر عام 1962 هاربا من المانيا ثم اسبانيا ومارا بالمغرب، وبعد أن اعتنق الاسلام وغير اسمه واصبح طارق حسين فريد، عاش في حي الموسكي في فندق متواضع في القاهرة القديمة، وعاش كأي اوروبي معتنق للاسلام حديثا، فهو متمسك بطقوس الاسلام والصلاة في الازهر أو في الحسين، وعلى علاقة طيبة بجيرانه، وبعد أن توفي بسبب سرطان القولون تم دفنه في مقابر المسلمين الجماعية، لكن العديد من المنظمات الصهيونية مازالت غير مقتنعة بوفاته وتعتقد انه هرب إلى امريكا اللاتينية ولا تريد إغلاق ملفه.
كاتب عراقي

نازيون في مصر

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية