العنف واللاعنف

حجم الخط
0

العنف واللاعنف

محمد كريشانالعنف واللاعنف لو قاوم الشعب الفلسطيني علي طريقة نيلسون مانديلا لكان حصل علي دولة … بهذه اللهجة الواثقة تحدث شمعون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي السبت الماضي لبرنامج علي القناة الثانية الفرنسية دون أن يفوته بالمناسبة التأكيد أن إسرائيل لم تحمل الفلسطينيين علي مغادرة وطنهم بل إن العرب هم الذين أقنعوا الفلسطينيين بالخروج من ديارهم علي أن يعودوا إليها بعد دحر الإسرائيليين.بالتأكيد لو كان الزعيم الشهيد ياسر عرفات حيا لرد عليه بالقول و لكن أين ديكليرك الإسرائيلي؟! في إشارة إلي آخر رئيس وزراء لنظام الميز العنصري في جنوب إفريقيا الذي أفلح عام 1993 مع الزعيم مانديلا الحر بعد سبعة وعشرين عاما من الأسر علي ترتيب تسوية سلمية في البلاد تنهي مسلسل الظلم وسفك الدماء فكثيرا ما صرح عرفات بأنه يتوق لديكليرك أو شارل ديغول، الذي وجد من الشجاعة مطلع ستينات القرن الماضي علي إنهاء احتلال بلاده للجزائر الذي استمر أكثر من 130 عاما، يستطيع معه إبرام صفقة تاريخية كاملة ومتوازنة مع تنازلات متبادلة ترسي دعائم مستقبل مشرق للأجيال المقبلة. أما المفارقة القاتلة في كل ما سبق أن مانديلا وديكليرك حصلا إثر ذلك علي جائزة نوبل للسلام وسجلهما التاريخ علي هذا النحو وهما ما زالا علي قيد الحياة في حين أن حصول الثنائي عرفات بيريز علي نفس الجائزة بعد توقيع اتفاق أوسلو صيف 1993 لم يحل دون أن يذهب عرفات للقاء ربه بعد ثلاث سنوات من الحصار والتشهير به كـ إرهابي (من جديد!!) في حين بقي بيريز يوزع المواعظ علي طريقة خرج الثعلب يوما في ثياب الواعظين.. . المعضلة اليوم وبعيدا عن صيغة لو أن هناك انسدادا مزدوجا علي صعيدين، فلا اللجوء إلي العمل المسلح لدحر الاحتلال الإسرائيلي أثمر شيئا ولا المراهنة علي المفاوضات وخيار التسوية جاء بنتيجة. الأول ولا سيما العمليات التفجيرية داخل الخط الأخضر، وباستثناء خروج القوات الإسرائيلية من قطاع غزة لحسابات خاصة، لم يؤد فقط إلي تبديد بعض المكاسب الصغيرة التي أتت بها المفاوضات بل إنه جعل الاحتلال يتوحش أكثر فأكثر فيمعن بلا رادع في مزيد تقتيل الفلسطينيين وهدم بيوتهم وتجريف أراضيهم وصولا إلي تقطيع أوصال الأرض الفلسطينية بالجدار المقيت الممهد لرسم الحدود من جانب واحد. أما الخيار الثاني فإنه بالإغراق في التفاصيل والاتفاقات التي تستنسخ بعضها البعض دون احترام للاستحقاقات الواردة ولا تواريخها أدخلت الفلسطينيين في دوامة أشبه بالملهاة خاصة حين تعالج الولايات المتحدة التهاون الفلسطيني تجاه هكذا استحقاقات بالتحذير والتهديد والعقوبات فيما لا تعامل إسرائيل إلا بلغة التمني والرجاء وغالبا التفهم لعدم التزامها بما وقعت عليه من عهود. المعضلة الأخري اليوم أيضا، التي لم تستكمل بعد كامل ملامحها، أنه طوال العشرية الماضية كان الفلسطيني ينظر إلي حركة فتح والسلطة الفلسطينية، بغض النظر عن أية تحفظات مشروعة تتعلق بالفساد والكثير من المسلكيات الخاطئة، علي أنها قوة نضالية تكابد داخل المعادلة الدولية علي افتكاك بعض المكاسب أو علي الأقل الحد من آثار العدوان، في وقت ينظر فيه هذا الفلسطيني نفسه إلي حماس كقوة نضالية مبدئية بمسلكيات نظيفة، ولأنها خارج السلطة وتعقيدات ما يعرف بالمجتمع الدولي فهو يعتبرها احتياطي نضالي استراتيجي غير عابئ بوصفها بالحركة الإرهابية من قبل الأمريكيين والأوروبيين. الحاصل اليوم أن القوة الأولي خرجت من السلطة وبالتالي من تلك المعادلة فيما القوة الثانية غادرت، إلي حد لا بأس به، موقعها الأول ولم تجد توازنها ولا راحتها في موقعها الجديد. المشهد معقد بالتأكيد ويحتاج إلي فكر سياسي جديد وخلاق، بعيد من ناحية عن التحذلق الأيديولوجي العقيم ومن ناحية أخري عن البراغماتية المنزوعة الدسم أي الخالية من أية مرجعيات مبدئية مهما بدت متواضعة. مهمة غير سهلة قطعا. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية