خالجتني مشاعر فرح، وأنا أسمع المذيع يتحدث عن خبر تقديم «ملحمة فنية» في مدينة وجدة.
أن يأتي الخبر من هذه المدينة المغربية الحدودية المتاخمة للجزائر فذالك له دلالة قصوى. ومن ثم، خلتُ أن الأمر يتعلق بعمل فني يحتفي بفتح الحدود المغلقة بين البلدين الشقيقين منذ ثلاثة وعشرين عاماً.
فرحتُ، لأنني قبل ذلك بلحظات كنت أشاهد فقرة إعلانية على القناة الثانية لحلقة جديدة من البرنامج المتميز «تحقيق»، خصصها الزميل محمد خاتم لمعاناة الأسر المغربية والجزائرية المتصاهرة في ما بينها مع مشكلة إغلاق الحدود، (وهي الحلقة التي بُثّت مساء أمس الخميس).
بيد أن مشاعر الفرح سرعان ما تبددت وتلاشت، حين رأيتُ مذيع القناة الأولى يتحدث عن «ملحمة فنية» أُنجزتْ بمناسبة عودة المغرب للإتحاد الإفريقي. سمعتُ في التقرير غناء، وشاهدتُ أناساً يرقصون، وتشنّفت مسامعي بتصريحات لفنانين وأنصاف فنانين وأشباه فنانين، من المغرب وخارجه (ومن بينهم فنان لبناني مغمور) يتحدثون عن الإحتفال بالعودة الميمونة إلى الحضن الإفريقي.
وحينها، أدركت سرّ اختيار إحدى ساحات مدينة وجدة لاحتضان تلك الملحمة الفنية «الكبرى»، فالمسألة أشبه ما تكون بالنكاية في الجارة الجزائر التي لا تفصلها عن تلك المدينة الحدودية سوى كيلومترات قليلة. كما لو أن القيّمين على تمويل تلك «الملحمة» يريدون أن يصل صداها عبر مكبرات الصوت وغيرها إلى آذان الساسة الجزائريين، ليقولوا لهم: ها نحن عُدنا، رغم أنوفكم!
والواقع أن تلك «الملحمة» ليست هي العمل «الفني» الوحيد الذي ظهر ـ على حين غرة ـ خلال الأسابيع القليلة الماضية، فبموازاتها قام الفنان الكويتي مصعب العنزي (الذي يحب أن يُطلَق عليه لقب «سفير الأغنية المغربية») بتمويل أغنية من كلماته تحمل عنوان «ماما أفريكا»، وغنتها الفنانة جنات مهيد. كما أدلى عادل الميلودي بدلوه في موجة الملاحم بعمل أطلق عليه «الصحرا عزيزة»، واختار هذا الفنان الشعبي أن يستهل «فيديو» أغنيته بلقطات لوزير الخارجية ورئيس حزب «الأحرار» صلاح الدين مزوار، المشهور عند المغاربة باسم «الفعفاع»، وهو يفتح فاه مردداً كلمات النشيد الوطني المغربي. والواقع أن لقب «الوزير الفعفاع» لا يندرج ضمن باب التنابز بالألقاب المنهي عنه شرعاً وقانوناً، لأن الوزير المذكور اشتُهر بقوله إنه «فعفع» وزيرة خارجية السويد حين التقاها في ستوكهولم، والمقصود بذلك أنه أربكها وأفحمها وجعل فرائصها ترتجف في نقاش حول الاعتراف بجبهة «البوليساريو». ومن ثم، سار «الفعفاع» مثلاً أكثر منه لقباً، والأكيد أنه سيجد له موقعاً في قاموس الدارجة المغربية الذي أشرف عليه وموّله إمبراطور الإعلانات التجارية والقروض الصغرى نور الدين عيوش، الذي نازل ـ يوماً ـ المفكر الكبير عبد الله العروي في نقاش تلفزيوني حول موضوع اللغة العربية والدارجة في المغرب. ولست أدري هل يردد عيوش أنه «فعفع» العروي أم لا، كما «فعفع» مزوار نظيرته السويدية مارغوت فالستروم!
انتشار المحللين السياسيين
وإذا كان عدد من الفنانين المغاربة هبّوا لإنجاز «ملاحم فنية» عن العودة المظفرة إلى «ماما أفريكا»، إمّا من تلقاء أنفسهم أو بإيعاز من صنّاع القرار السياسي والاقتصادي في البلاد، فإن هناك «ملاحم» من نوع آخر باتت مهيمنة على نشرات الإخبار في التلفزيونات المغربية، ويتعلق الأمر بالمحللين السياسيين الذين انتشروا كالفطر هذه الأيام، وصاروا يمجدون القرار الحكيم باستعادة المغرب مقعده في المُنتظم الإفريقي، وما سيكون لذلك من انعكاسات على السياسة والاقتصاد المحليين. كما أن أية نشرة إخبارية لا تكاد تخلو هذه الأيام من تقرير ذي سمة إفريقية، والشيء نفسه ينطبق على خريطة البرامج التي انطبعت بطابع إفريقي.
يبدو الأمر، إذن، كما لو أن المحللين السياسيين والمخططين الاستراتيجيين يريدون أن يقنعونا بالاكتشاف المهم، المتمثل في كوننا مواطنين أفارقة، وأننا لم نكن ننتمي أبداً إلى البلدان السكندنافية (كما قد يُخيّل إلينا)، رغم البشرة السمراء بدرجاتها المختلفة التي تميز معظمنا. والظاهر أيضا أن أولئك المحللين والمخططين يودون أن يكفروا عن الأخطاء التي كانت ترتكبها السلطات خلال السنوات الماضية، حين كانت تباغت المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين، وتقوم بتكديسهم في الحافلات لإرجاعهم من حيث أتوا، أي الحدود مع الأشقاء الجزائريين (فتّشْ عن الجزائر في أية مشكلة بالمغرب، وفي المقابل فتّش عن المغرب في أي مشكلة في الجزائر!) أما اليوم، فقد أضحت الأبواب مشرعة لاحتضان الإخوة الأفارقة، سواء أتوا بطريقة شرعية أم غير شرعية، وسواء أتوا للدراسة العليا والاستثمار والعمل، أم للتسول والبحث عن منفذ للوصول إلى «الفردوس الأوروبي»، من دون أن تكون هناك بنيات مؤسساتية واجتماعية كافية لاستقبالهم ومعالجة مشكلاتهم وأوضاعهم، من منطلقات إنسانية بحتة، وليس من أي منطلق آخر.
المحللون السياسيون يكتفون بتمجيد القرارات الرسمية، ويتفادون الإجابة على مثل تلك الأسئلة الحقيقية، ومن بينها أيضاً سؤال: كيف يسمح المغرب لنفسه بالجلوس في طاولة تضم ممثلي جبهة «البوليساريو» ككيان معترف به في وثائق الاتحاد الإفريقي؟ والحال أن المسؤولين المغاربة كانوا يقيمون الدنيا ولا يقعدونها حين تشارك جمعية مغربية في لقاء دولي أو إقليمي تحضره «البوليساريو»!
عودة «زمن الملاحم»
إنه زمن «الملاحم» الذي نسيه المغاربة، ونسوا ما كان يتطلبه من إهدار للمال العمومي ومن سيطرة على الإعلام العمومي، ونسوا أيضا ما كان يمثله من تلميع مبالغ فيه للمؤسسات الرسمية وشُغل الناس عن مشكلاتهم اليومية.
لقد ودّع المغاربة ذلك الزمن قبل حوالي عشرين سنة، أي قبل وفاة العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني. وفرحوا حين اتُّخذ القرار، مع مجيء العهد الجديد، بإبعاد قصائد المديح وأغاني المناسبات الوطنية، إلى أن أتى من يطلق على نفسه «سفير الأغنية المغربية»، الفنان الكويتي مصعب العنزي الذي يبدو أنه يتوفر على شيء أكبر من الرصيد المالي والرصيد الفني، إنه رصيد من العلاقات مع مراكز القرار العليا التي فتحت لملحمته الفنية قنوات الإعلام العمومي، فأحيى زمن الملاحم، مثلما تُبعث العنقاء من تحت الرماد.
«الله وكيلي فيك» يا مصعب، كما فضّلتَ أن تُعَنْوِنَ إحدى أغانيك!.
كاتب مغربي
الطاهر الطويل