لا يكاد يمر يوم ولا نسمع فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يصعد لهجة خطابه الشعبوي المملوء بالحماسة الأمريكية، لدرجة أنني بدأت أرى فيه (بينيتو موسوليني) القرن الواحد والعشرين، موسوليني الذي اشتهر بخطابه الديماغوجي المملوء بالحماسة المستلهمة من العصر الذهبي للإمبراطورية الرومانية، الذي كان دائماً يكرر في خطاباته سوف نصل بإيطاليا نحو النجوم.
ولسان حال ترامب يقول إن أمريكا عظيمة ولا يجوز الوقوف بوجهها، لاسيما أنه الرئيس الأمريكي الوحيد الذي صدق مع نفسه ومع شعبه، بأن ترجم شعاراته الانتخابية إلى واقع، على الأقل حتى اليوم.
تمر العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بحالة من التوتر المزمن، الذي طالما طبع المشهد العام للعلاقات البينية بين الطرفين، خصوصاً في الفترة اللاحقة للثورة الخمينية عام 1979، فأمريكا التي توصف بالشيطان الأكبر في الأدبيات السياسية الإيرانية، عملت جاهدة على احتواء إيران أحيانا، وإرضائها أحيانا أخرى، وذلك يرتبط بحجم التزاماتها الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، فالإدارة السابقة عملت على التوصل إلى تسوية سياسية (الاتفاق النووي) مع إيران، في محاولة منها إلى إعادة ترتيب الأوراق الإقليمية من جديد، وفق رؤية أمريكية مفادها إنه إذا ما أردت شرق أوسط آمنا ومستقرا فعليك بتحييد إيران، ويبدو أنها نجحت في ذلك خلال فترة أقل من عام، إذ شهدت العلاقات الإيرانية – الأمريكية – الأوروبية حالة من الانفراج الحذر تكلل ببعض الاتفاقات الاقتصادية والاستثمارية، وكان للشركات الأوروبية والفرنسية تحديداً حصة الأسد منها، إلا أنه وبعد مجيء ترامب إلى البيت الأبيض عادت العلاقات إلى النكوص مرة أخرى.
ففي مقالة نشرتها صحيفة «وول ستريت» الأمريكية، أشارت إلى حالة التوتر المتصاعدة بين الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب وإيران، بسبب التصرفات الإيرانية الإخيرة المتمثلة بالقيام بتجارب للصواريخ البالستية بعيدة المدى، وأوضحت أن الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى تم إبرامه بصيغة التراضي بين الطرفين، فهو يمثل إدراكاً من قبل القوى الكبرى بإن إيران أصبحت قوة لا يمكن التهاون معها، لما تمتلكه من مفاتيح للتأثير في مجريات الأحداث في الشرق الأوسط، وفي المقابل فإن إيران أخذت تدرك أن القوى الكبرى أصبحت على دراية كبيرة ببرنامجها النووي، ومدى استشعارهم خطورته، وبالتالي فقد ذهبت باتجاه استغلال الثغرات الموجودة بالاتفاق لتحقيق ما تريد، كما أن التجارب الصاروخية الأخيرة كانت بمثابة خطوة إيرانية لجس نبض الرئيس ترامب، الذي كان رده بمثابة ردع قوي فاق التوقعات الإيرانية بإنه ليس محارب متردد كسلفه اوباما.
وقال السفير الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة جون بولتون إن الخطوات الإيرانية الأخيرة أعطت سبباً وجيها لترامب بإعادة النظر ببنود الاتفاق النووي، كما كانت مبرراً لفرض عقوبات جديدة عليها ابتدأها ترامب بمنع دخول الإيرانيين إلى أمريكا، وجاءت ضمن سياسة أمريكية جديدة شملت دولا أخرى في الشرق الاوسط، ومن المتوقع ألا يكون لها ذلك الأثر الكبير على الفعل الإيراني الخارجي، على الأقل لما تمتلكه إيران من مفاتيح لعب إقليمية قادرة على خلق مزيد من الإحراج للإدارة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط، مقارنة مع التداعيات الداخلية التي سيكون أثرها كبيراً على برامج المرشحين في الانتخابات الرئاسية المقبلة في مايو 2017.
فالقضية المهمة هنا فيما إذا كان ترامب سيقدم على إلغاء الاتفاق النووي أم لا، وبالتالي فإن حسابات النفقة – المنفعة التي ستخضع لتقييم صانع القرار الأمريكي، ستكون لها الكلمة الفصل في هذا المجال، فإلغاء الاتفاق النووي يعني أن إيران ستتجه إلى استئناف أنشطتها النووية وتحديداً مع كوريا الشمالية، فضلاً عن تهديد دول الجوار وتحديداً دول الخليج. فالرئيس الأمريكي الجديد يريد أن يظهر للعالم أنه حازم وقادر على المواءمة بين تصريحاته الانتخابية وإجراءاته كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، من أجل زرع مبدأ صدقية الردع الأمريكي في المدرك السياسي الإيراني، لضبط فعلها الإقليمي المتهور وتحديداً في العراق وسوريا، اللذين سيكونان الاختبار الحقيقي للسياسة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط، فقد أشار دينيس روس المساعد الخاص للرئيس أوباما بين عامي 2009 و2011، في مقالة منشورة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن على الولايات المتّحدة أن تصبح أكثر صرامة تجاه الاعتداءات الإيرانية في الشرق الأوسط، وينبغي دعم الجهود الجديدة التي يبذلها كلا الحزبَين (الديمقراطي والجمهوري) في الكونغرس الأمريكي، لقلب قواعد اللعبة المزعزِعة للاستقرار التي تمارسها إيران، إن قانون «منع زعزعة الاستقرار في العراق وسوريا» لعام 2016 الذي يرعاه عضوَا مجلس الشيوخ الأمريكي ماركو روبيو وبوب كيسي، يشكّل أساساً قوياً لذلك، فمن شأنه أن يمنح السلطة لفرض عقوبات على المنظمات الإرهابية والدول الأجنبية مثل إيران، «التي تهدّد سلام العراق أو سوريا، أو استقرارهما»، وينبغي أيضاً توسيع هذه الإجراءات لتشمل حلفاء أساسيين آخرين للولايات المتّحدة في المنطقة، وبالتحديد إسرائيل والبحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة، وسيكون لزاماً على الإدارة الجديدة الحفاظ على إجماع الحزبَين في الكونغرس، بأن الوضع الراهن في دمشق وبغداد – والدور الذي تلعبه إيران هناك – غير مقبول.
الخطوة الأمريكية الأخيرة المتمثلة بمحاولة إدراج الحرس الثوري الإيراني ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، يمثل حالة من المد والجزر أمام الإدارة الأمريكية الجديدة، فهي من جانب لا تريد أن تقدم على هذا الخيار، باعتبار أنها ترى بإمكانية انعكاس هذا القرار سلباً في حربها على «داعش» وتحديداً في سوريا والعراق، بإعتبار أن إيران جزءا من الحل في هذين البلدين، ومن جانب آخر ترى أن استمرار إيران في تجاربها الصاروخية وتدخلها السافر في شؤون المنطقة، إضافة إلى عدم التقيد ببنود الاتفاق النووي، يدفع بها إلى تبني هذا الخيار، فلطالما صرح الرئيس الأمريكي بأن أيام العسل بين أوباما وإيران قد انتهت.
والتساؤل الذي يطرح هنا هو ما هي التداعيات المحتملة لهذا القرار، في حالة ما إذا اقدمت عليه الإدارة الأمريكية الجديدة؟ وللإجابة على هذا التساؤل يمكن القول إنه:
ـ في الوقت الذي تعتبر فيه هذه الخطوة إيجابية باتجاه تحجيم القدرة العسكرية لفيلق القدس الإيراني التابع للحرس الثوري من حيث الفعل والتاثير الإقليمي، خصوصاً في العراق وسوريا، فإنه بالمقابل قد يضع القوات الأمريكية في العراق والبالغ عددها 6000 جندي أمام خطر الهجمات الانتقامية التي قد يقدم عليها الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب التواجد الأمريكي في الخليج العربي المعرض هو الآخر لمثل هذه الهجمات.
ـ في ضوء استعداد الولايات المتحدة الأمريكية لإرسال ما يقرب من 30000 ألف جندي إلى العراق، الذي يبدو أنه محاولة منه لاحتواء أي رد إيراني محتمل على حزمة العقوبات التي من المتوقع انها ستستمر في المرحلة المقبلة، فإنه بالوقت نفسه قد تكون هذه القوات عرضة لهجمات انتقامية من قبل وكلاء إيران في العراق (المقاومة الإسلامية) المنضوية ضمن الحشد الشعبي، إذ أعلن قيس الخزعلي قائد مليشيا (عصائب أهل الحق) أنه سيكون جزءا من المواجهة ضد الولايات المتحدة الأمريكية، في حين أنه من المستبعد أن يدخل الحشد الشعبي كمسمى في هذه المواجهة المفترضة، خصوصاً بعد أن تحول إلى هيئة رسمية تابعة للمؤسسة العسكرية العراقية، وقد يكون هو نفسه أحد أوراق التفاوض الأمريكي الإيراني، في حال ما إذا قررت أمريكا تقليم أظافر إيران في المنطقة.
ـ إن توجه الإدارة الأمريكية نحو هذا الخيار باعتبار الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية سيرافقه بالتأكيد حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي يعني أن كل الصفقات الاستثمارية التي عقدت بين الشركات الأمريكية والأوربية مع إيران ستكون في قيد الإلغاء، إن لم تقع في حيز التحديد، والأمر الذي تنبغي الأشارة إليه أن أمريكا سبق أن فرضت عقوبات على قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني بسبب نشاطاته في العراق وسوريا.
يضاف إلى ما تقدم أنه من المتوقع أن تضغط تركيا على الإدارة الأمريكية بعدم اتخاذ هذه الخطوة، لما لها من تداعيات خطيرة على التسوية السياسية للأزمة السورية في استانة، التي تتبناها تركيا وروسيا، وبالتالي فإن تطبيق هذه الخطوة يعني خروجاً إيرانياً من المظلة الروسية لممارسة أدوار أحادية الجانب للحفاظ على ما تحقق في الساحة السورية، وبالتالي فإن هذا قد يعني إطالة عمر الأزمة السورية لمراحل جديدة من الصراع، تتحول فيه إيران من طرف داعم لنظام الأسد إلى إنزال قوات على الأرض بقيادة الحرس الثوري الإيراني كجراء انتقامي على هذا القرار الذي من المتوقع أن تقدم عليه الإدارة الأمريكية الجديدة خلال الأيام المقبلة.
كاتب عراقي
د. فراس الياس