للتفكير البشري عادات راسخة لا مناص منها عمليا، ولا فكاك منها نفسيا. إلا أنه قد يحدث لهذه العادات، في بعض الحالات، أن تتحول إلى عوائق ضد المعرفة، أي إلى غشاوة تعمي عن الحقيقة. ذلك أن سلطة «الإلف والعادة»، حسب التعبير الشهير لأبي العلاء، كثيرا ما تردع الذهن عن استحضار أي مسلك غير المسالك المعهودة، وعن السير في أي درب غير الدروب المطروقة. وأذكر أن المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله قد نبه في أحد نصوصه، المتميزة دوما ببالغ التركيز والإيجاز، إلى أن سلطة العادات الذهنية التي تمكنت من البشر طيلة قرون هي أول أسباب تأخر تحرر الإنسانية من وهم مركزية الأرض وتأخر اكتشاف حقيقة النظام الشمسي.
كما أذكر أن أحد المثقفين التونسيين قال لمؤرخ العلوم الفرنسي جيرار سيمون أثناء محاضرة عن دور الخيال في الإنتاج العلمي، أوائل عام1987، إن دراسة الفلسفة بالفرنسية في بلاد المغرب العربي تحدث خسائر وأضرارا ثقافية لدى الأجيال الناشئة، فما كان من سيمون إلا أن أجاب: «أفتدرون متى ألغى الفاتيكان حكم المنع الصادر ضد غاليليو في القرن 16؟ في أوائل ستينيات القرن العشرين!!» وما قصده العالم الفرنسي هو أن الازدواج، أو الهجانة، بين العقلانية واللاعقلانية وبين التنويرية والظلامية، قائم في كل الثقافات، بما فيها الثقافة الغربية المحسوبة أسبق من غيرها في مجال التنوير.
ولعل من أشهر العادات الذهنية المكينة عربيا سطوة الاعتقاد بأن أبا حامد الغزالي هو المسؤول الأول عن تعطل الفكر الفلسفي عندنا، بل عن انهيار الحضارة الإسلامية بأسرها، أو الاعتقاد بأن القرون الوسطى بأكملها، بداية من واقعة إحراق كتب ابن رشد تحديدا، قد كانت عصور انحطاط لم ينجز فيها المسلمون شيئا يذكر. هذا رغم أن باحثة مثل دوريس أبو سيف قد بينت في وفر من الدراسات أن العهد المملوكي كان أزهى عهود مصر الإسلامية في مجال الفن المعماري. وهذا أيضا رغم أن مؤرخ العلوم جورج صليبا أنكر على المثقفين المسلمين والمستشرقين هجومهم الشامل على الغزالي بزعم أن كتاب «تهافت الفلاسفة» قد أصاب العلم في مقتل، كما استنكر ظن بعضهم الآخر بأن العامل الخارجي، متمثلا في الغزو المغولي، هو سبب الانحطاط الإسلامي.
ويتساءل صاحب كتاب «العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية»: إذا كان الغزالي هو السبب في انحطاط الحضارة الإسلامية فما هو تفسير ظهور علماء من بعده مثل الجزري، وموفق الدين عبد اللطيف البغدادي، وابن البيطار، والعرضي، والطوسي، وابن النفيس، وقطب الدين الشيرازي، وكمال الدين الفارسي، ونظام الدين النيسابوري وابن الشاطر، وقاضي زاده الرومي (.. علما أن هؤلاء مجرد قلة من قائمة أكبر)؟ وكيف نفسر بناء أكبر مرصد فلكي في مراغة بعد عام فقط من هدم بغداد، أي حوالي عام 1259، وما أنجزه بعض من هؤلاء العلماء في مراغة، وما ذكره ابن الفوطي في «معجم الألقاب» من أنه جلب إلى مراغة مكتبة من حوالي 400 ألف كتاب، وما ذكره عن الشخصيات الكثيرة التي كان يلتقي بها أثناء زيارتها للمكتبة؟ ويخلص الباحث العربي إلى أن قويّ الشواهد يدل (بعكس معتاد العقائد) على استمرار النشاط العلمي والفكري في الحضارة الإسلامية حتى القرن السادس عشر، قرن كوبرنيكوس.
أما إحدى أبرز العادات الذهنية السائدة في الغرب اليوم فهي الاعتقاد بأن عصرنا هذا هو عصر التقدم والتحرر وأن مجتمعهم هذا هو»مجتمع المعرفة»، بدليل الانتشار، بل الانفجار، العلمي الذي أنتجته التكنولوجيا وسيادة شبكة الانترنت على جميع مناحي الحياة. ولكن رغم هذا كله، فإن الحقيقة هي أن الوهم ينتشر اليوم بأسرع من العلم. والأدهى أن هذه الحقيقة تنطبق على بلاد العالم الثالث بأقل مما تنطبق على بعض البلاد الغربية المنعوتة، حسب العادة، بأنها الأعرق في الديمقراطية! ذلك أن عام 2016 قد زف لنا البشرى بأن هذا العصر ليس عصر الرأي السديد المنبني على المعلومة الدقيقة، وإنما هو عصر «سياسة (بل ثقافة) ما بعد الحقيقة!»، بدليل ازدهار أكاذيب الدمار الشامل التي صار الجمهور يتقبلها ببهجة وحبور.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي