ثمّة تجاوبٌ ظاهر بين أدب السيرة الذاتية كما كتبها العرب القدماء، وبين وقائع التاريخ الفردي والجماعي، فالمؤلِّف إذ يُقْدم على كتابة سيرته يجد نفسه مشبعاً بالحسّ التاريخي، فيعمد إلى تقسيم سيرته الذاتية إلى فصول تبعاً لمراحل حياته على نحو لا يستطيع معه أن ينفي حضور التاريخ في قلب المادّة التي يسوقها سرداً مهما بلغت درجة الذاتية، ولا تستطيع سيرته أن تسقط عن فضائها بُعد الزمن الذي يرتبط لدى أناه الفردي بالعودة إلى مرحلة أو عدة مراحل من عمر صاحبها، متشابكةً في سياق محكيّها الحاضن لمادة تاريخية غنية، بشخوص وفضاءات وتواريخ مرجعية تؤرّخ لتمظهرات الذات السيرذاتي وتحوُّلاته.
ومن هنا، فإن الإحساس بالتاريخ والوعي بقيمته يمثلان في وحدتهما باعثاً طبيعيّاً لكاتب السيرة الذاتية على ضبط أهم المنعطفات والتحولات الحاسمة والدالّة في حياته، إنّه يحكي معيشه وحياته الخاصة، وبالقدر ذاته يحكي الدروس السياسية والأخلاقية التي استخلصها من تقلُّبات عصره.
كثير من الدارسين لم ينفوا هذا التجاوب بين النوعين، بمن فيهم إحسان عباس الذي أكد في كتابه «فن السيرة» أن «الحس التاريخي هو الأدب المنجب للسير، وأن القرآن الكريم قد عمق الإحساس التاريخي عند العرب حين قصّ عليهم قصص الأمم الخالية، مشيراً إلى أن المؤرخين المسلمين كانوا يرون السيرة جزءاً من التاريخ، بل يرون أن التاريخ ليس إلا سير». كما بحث غيرهم العلاقة بين السيرة الذاتية والتاريخ، ووقف عندها في تحليلاته التي غالباً ما دأبت على ربط الكتابة التاريخية بمحكيِّ حياة المؤلف. ولذلك، فإن رفض أو قبول النصوص السيرذاتية باعتباره مصدراً تاريخيّاً ملائماً أكثر من نصوص الأرشيف الرسمي للتاريخ، العلمي والموضوعي، ليس واقعة حديثة. كما أنّ الشعور بعدم الثقة ضد نصوص السيرة الذاتية ليس وليد اليوم، وإنّما يعود إلى القرن التاسع عشر، فخلال النصف الأول من هذا القرن كثرت المُذكّرات حول فترة نابليون بونابارت والثورة الفرنسية.
وقد أولى العديد من فلاسفة القرن التاسع عشر أهمية قصوى للسيرة الذاتية والمذكرات، بل منهم من اعترف بمديونيّته للسيرة الذاتية مثل فيلهالم ديلتاي وجورج ميتش. وفي مواجهة هذا التدفُّق لنصوص من طبيعة سيرذاتية، زعم المؤرخون أن التاريخ يجب أن يكون منضبطاً للموضوعية العلمية ومُظهراً إياها بشكل من الأشكال، تبعاً للعلم الوضعي كما وضعه أوغست كونت في القرن التاسع عشر، فوقع القطع بين الذاكرة والتاريخ، وفقدت المذكرات فيما بعد امتيازها لصالح السرد التاريخي؛ أي أن معظم المُؤرِّخين نأى بنفسه عن الأدب والسيرة الذاتية بسبب افتقارهما إلى الموضوعية، وبسبب مظهرهما التخييلي والذاتي كما يزعمون.
تاريخ غير اتفاقي
عند ازدهار التاريخ الثقافي منذ الثمانينيات من القرن الماضي، أدرج العديد من المؤرخين السيرة الذاتية في أبحاثهم، معتبرين إياها «تاريخاً غير اتفاقيّ». ووسَّع مؤرخو الثقافة الحقل التاريخي بفضل مقارباتهم المعرفية المختلفة بما فيها الأنثروبولوجيا والنقد الأدبي، مبرزين أنَّ التاريخ كما السيرة الذاتية يحتضنان مقاطع تخييلية. وقد عمل بعضهم من أمثال: بول جون ياكين ودافيد ماكوي وجيريمي بوبكين، على هدم التعارض المزدوج بين السيرة الذاتية والتاريخ إلى حدّ أذاب الحدود بين الأنواع لإثراء التاريخ والسيرة الذاتية بمنــظورات جديدة، فصار يُنــظـر إلى الــسـيرة الــذاتية بوصفه نوعاً هجيناً، وإلى التاريخ باعتباره نوعاً «غير اتفاقي أو متواضع عليه».
ولئن كان التاريخ والسيرة الذاتية يطالبان بالأصالة والصدق والرغبة في أن يكون كلٌّ واحد منهما موضوعيّاً بالقياس إلى الماضي، إلا أنه لا يجب أن ننسى أنّه لا المؤرخون ولا كُتّاب السير الذاتية كانوا محايدين، فمعظمهم يسرد التاريخ ويستخدم التقنية السردية في كتاباته، ويتمثَّل الواقع والماضي عبر وسيط الكلمات، أو اللغة التي هي نسق «قابل للانهيار». وفي هذا السياق، يستعرض جيريمي بوبكين في كتابه «النظرية السردية، التاريخ والسيرة الذاتية» نظريات هايدن وايت، وبول ريكور، ودافيد كير، التي عكفت على دراسة الطابع الإبستيمولوجي للسيرة الذاتية، كما يناقش الحدود بين التاريخ والسيرة الذاتية والتخييل، التي صارت غائمة أكثر من ذي قبل.
ومن جانب آخر، فقد استثمر العديد من الكتاب والأكاديميين مشروع كتابة سيرهم الذاتية ضمن الإطار التاريخي، بموازاة مع حُمّى النقاش الإسطوغرافي الذي كان يتعاظم شأنه منذ الستينيات من القرن العشرين. ورُبّما ذكّرنا، في هذا الإطار، بالعمل التنظيري لهايدن وايت الذي يناظر في الأسطوغرافيا ما قام به بارت ودريدا في مجال النقد الأدبي، إذ عارض التمييز الأنواعي بين الأسطوغرافيا والأدب، وجعل من الخطاب التاريخي كـ»صنعة أدبية» يشبه، إلى حد بعيد، الخطاب التخييلي، قائلاً: «إن التاريخ ليس شكلاً تخييليّاً أقلّ من الرواية».
وقد وضع وايت مفهوم الدور الوسيط للغة (للخطاب) بين الأحداث وطريقة تمثيلها نصّياً في صلب تأمُّله حول فنّ الأسطوغرافيا، مستخلصاً أنّ اللغة بوصفها وسيطاً خطابيّاً للعبور مباشرة من الأحداث إلى الاستطلاع الموضوعي بمثابة سؤال إشكالي. وكان أحد الأسباب التي احتجّ بها أن الأسطوغرافي أو المشتغل بالتاريخ إنّما يلجأ إلى المجاز (الاستعارة، الكناية، المجاز المرسل، السخرية) لإعادة بناء أحداث الماضي. ومن ثمة، يصير السرد التاريخي ـ من منظوره ـ استعارةً تنتسج عبر الخطاب، وهو ما يساعدنا على اكتشاف الدلالة الفرعية والأعمق من الدلالة الطافية على السطح، بل إنّ المؤرخ، عبر المظهر البلاغي لخطابه، لا يصف ما جرى فحسب، وإنّما كذلك يبنيه بطريقته الخاصة.
ولهذا السبب، يُنبِّه بول جون ياكين ـ مثلاً ـ جمهور السيرة الذاتية إلى الخطأ الوحيد الذي يمكن أن يقع فيه، وهو الاعتقاد بأنّ الأسطوغرافيا هي إعادة بناء وفيّة ومباشرة للأحداث بشيء من التوسُّط. ومع ذلك، فالأسطوغرافيا شأن السيرة الذاتية، ليست إلا إعادة بناء، لكنَّها لن تكون مباشرة. وإذاً، قد تصير السيرة الذاتية شكلاً من الأسطوغرافيا على نحو يُؤكّد أنّ الطريقة التي يحكي بها كاتب السيرة الذاتية هي أهمّ من الحياة المروية نفسها، ومن سرد الأحداث التاريخية وماضي الشخصية كيفما اتَّفق. وجاز لنا هنا أن نستشهد برأي توماس كليرك، وهو أحذ منظري الكتابات الذاتية، عندما استخلص أن «موضوع الحكي السيرذاتي ليس الحقيقة الحدثيّة، بل الصراع مع هذه الحقيقة». فالسيرة الذاتية كما يشير إلى ذلك علماء الأسلوب، تبقى نصّاً تخييليّاً.
تأليف الذات مدى الحياة
إن البحث في الاختلاف بين السيرة الذاتية والأعمال التخييلية، أو حضور عناصر تخييلية في النوع السيرذاتي، شغل بـال المُنظّرين. وكانت التعاريف التي أُعطيت لهذا النوع تستند بقوة على التمييز بين التخييل والسيرة الذاتية، بمقدر ما أنها تؤكد على تطابق المؤلف والسارد والشخصية كميزة أساسية. بيد أنه كلما اكتنف الغموض العلاقة بين مفاهيم التطابق الثلاثي بطريقة ما، فإننا نبتعد عن السيرة الذاتية بمفهومها المتواضع عليه.
وبالتالي، فإذا كانت السيرة الذاتية تقوم في أصولها أساساً على علاقة الكتابة بالحقيقة والواقع، فإنّ الحكي التخييلي أو حكي التخييل الذاتي مدعوماً بتجربة التحليل النفسي، لم يكفَّ عن مساءلة الصدق والوضوح الوهميّيْن داخل السيرة الذاتية.
ووسط هذا النقاش، لن نعدم بين مجموع المُنظّرين من ساير القول بأنّ التخييل يقوم دائماً بدور هام، يقلّ أو يزيد، داخل معمار السيرة الذاتية. فمن جهة الدرجة، يتمّ الإقرار بأنّ هذه الأخيرة قد تُخْلي مكانها للتخييلات أحيانا؛ ومن جهة أخرى يُرفض أن يُسمَّى النص الذي يطغى عليه التخييل «سيرةً ذاتيّة». وقد أوضح فيليب لوجون أنّ المؤلف يمكن أن يُغيّر في الواقع، ولا يعطي عنه إلا «صورة»، بينما مشكلة الإحالة ستُحلُّ، في نظره، من خلال معيار الأصالة. لكن ما بعد البنيويين مثل جاك دريدا ورولان بارت، زادوا عليه إلى حدٍّ جعل من التخييل داخل السيرة الذاتية يلغم الطابع المرجعي للنوع ككلّ.
ويعتقد بول جون ياكين أنّ ثمة طريقاً للخروج من هذا المأزق، ولاسيما عبر تقبُّل الطابع المفارق للسيرة الذاتية؛ أي أنّها تشتمل على تخييلات، لكن تظلُّ فنّاً مرجعيّاً. ومن هنا، يمكن للمؤلف ـ في نظره ـ أن يحسن استغلال تعلُّق القارئ الدائم بمفهوم الحقيقة الملازم للسيرة الذاتية التي يتصوّرها كـ»نوع مرآوي».
فالتماهي بين القارئ والمؤلف لهو سببٌ كافٍ للاعتقاد بأنّ النوع على قيد الحياة، وأن يكون مثل هذا التماهي قائماً على الوهم فإنّه لا يُغيِّر في شيء. وبدلاً من اعتبار السيرة الذاتية كمصدر رئيسي من الوقائع السيرية، فإنَّ الكتابة السيرذاتية هي بحد ذاتها فعلٌ سيريٌّ لا غنى عنه؛ لأن عبر هذه الكتابة تتشكَّل اللحظة التي يجري فيها تكوين الهوية والسيرورة التي ستستمرُّ بقية الحياة، أو «تتشكَّل مواد الماضي عبر الذاكرة والمتخيّل على نحو يفيد حاجيات الوعي الحاضر» بتعبير بول ياكين.
عبد اللطيف الوراري