مصر بين الديمقراطية وحكم العسكر

حجم الخط
2

يقتضي التحليل الموضوعي الصريح تسمية الأحداث التي تعصف بمصر باسمائها الحقيقية الدقيقة. فتدخل الجيش المصري يوم 3 تموز (يوليو) لعزل الرئيس محمد مرسي المنتخب ديمقراطيا لا يمكن وصفه إلا بالانقلاب العسكري، كما أن ما حدث يوم 27 يوليو من إطلاق نار من طرف قوات الأمن على مساندي الرئيس المعزول المعتصمين حول مسجد رابعة العدوية وقتل عشرات (وربما اكثر بكثير) منهم لا يمكن وصفه إلا بالمذبحة.
لنعترف أيضاً بأن مرسي، ومن ورائه جماعة الاخوان المسلمين التي ينتمي إليها، ارتكبا أثناء العام الأول من فترته الرئاسية أخطاءً كبيرة شكلت تهديداً للعملية الديمقراطية ولاستمراريتها في مصر. فمناهضوه كانوا محقين في اعتراضاتهم على التغييرات الدستورية، التي حاول من خلالها تكريس قبضة الاخوان المسلمين على الحكم وإقصاء القوى الأخرى، متناسياً دورها في الثورة التي أسقطت نظام حسني مبارك. فمن غير المستغرب إذن أن الجماهير الغفيرة المعارضة له خرجت للتظاهر والاعتصام في الذكرى الأولى لتوليه منصب الرئاسة مطالبة بتصحيح مسيرة مصر الديمقراطية، مستذكرة ثورتها التي أطاحت بالنظام السابق.
لكن هناك فروقات مهمة بين الثورة الشعبية التي أطاحت بمبارك والمظاهرات والاحتجاجات التي اعتبرها وزير الدفاع وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي تفويضاً شعبياً للجيش لعزل أول رئيس مصري منتخب ديمقراطياً من منصبه.
أول هذه الفروقات أن المظاهرات الجماهيرية العارمة التي أطاحت بمبارك لم تقابلها مظاهرات شعبية عارمة مؤيدة له، كما أنها ضمت تيارات شعبية ذات توجهات سياسية واجتماعية مختلفة، لذا كان من الممكن اعتبارها صوت الشعب، خاصة في غياب الانتخابات الحرة النزيهة وممارسة نظام مبارك لمختلف وسائل القمع السياسي، بما فيها منع حرية التعبير. لكن المظاهرات التي أطلقتها حركة ‘تمرد’ يوم 30 حزيران (يونيو) لم تحظَ بنفس التوافق الشعبي الذي غذّى الاحتجاجات ضد مبارك، وحولها إلى ثورة شعبية سلمية بمعنى الكلمة. فقد قابلتها مظاهرات شعبية واسعة مؤيدة لمرسي من جماعة الإخوان المسلمين ومسانديها، مما شكل دلالة واضحة على أن الشعب المصري منقسم ومستقطب، بين تيار ليبرالي يعارض أسلمة الدولة وهيمنة الاخوان المسلمين، بل والاسلام السياسي برمته على الحياة السياسية العامة من جهة، وبين تيار آخر مؤيد لكل ذلك.
ثاني هذه الفروقات أن الرئيس مرسي انتخب ديمقراطياً في أعقاب ثورة شعبية كان الهدف الرئيسي منها اسقاط نظام الاستبداد وتمكين الشعب المصري من التعبير عن إرادته بحرية، ومع أن النصر الانتخابي الذي أحرزه مرسي لم يكن كاسحاً، فإن ابسط قواعد الديمقراطية تقتضي احترامه وعدم تقويض رئاسته بدون انتخابات حرة ونزيهة جديدة تعبر عن إرادة الشعب مرة أخرى، بشكلٍ لا يرقى إليه الشك. فهذه هي قواعد اللعبة الديمقراطية ولا يجوز لطرف لم تعجبه نتيجة عملية انتخابية او سياسات رئيس أو حزب منتخب ديمقراطياً أن يسعى للتغيير عن طريق تقويض العملية الديمقراطية.
إذن لابد من الاستنتاج بأن الجيش لم يكن يحمل تفويضاً شعبياً مقنعاً لعزل مرسي من الرئاسة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا إذن: ماذا كان على الجيش أن يفعل إزاء حالة الاستقطاب السياسي المتصاعد في مصر في الأيام التي سبقت عزله؟ كان من الممكن للجيش أن يسعى لتصحيح المسار الديمقراطي في مصر عن طريق إفهام مرسي أن الجيش يعارض على طول الخط ولن يسمح بقيام او استمرار عملية سياسية كالتي يقودها، والتي تهدف إلى الاقصاء السياسي لغير الإخوان المسلمين والتمييز ضد الأقلية القبطية. فمن المرجح أن مرسي كان سيغير، او على الأقل يخفف، من سياساته الاقصائية ومحاولاته لخلق بيئة دستورية وسياسية، تجعل من الصعب جداً انتقال السلطة لحزب آخر في جولة الانتخابات التالية، لو أنه فهم تماماً أن الجيش يعارض ذلك. ولكان من الممكن جداً أن تتمكن قوة سياسية أخرى من كسب انتخابات جديدة عندما يحين أوانها.
تتالي الأحداث بعد إزاحة مرسي من منصبه لتدل على أن الجيش قد نفذ انقلاباً عسكرياً ضد مرسي مستخدماً الاحتجاجات التي أطلقتها ضده حركة ‘تمرد’ كغطاء وذريعة. طبعاً من حق حركة ‘تمرد’ الاحتجاج على سياسات مرسي بكل الوسائل القانونية المتاحة، بما في ذلك التظاهر والاعتصام، ولكن السماح للجيش باستخدام تلك الاحتجاجات كذريعة لخلع أول رئيس اكتسب منصبه عن طريق انتخابات ديمقراطية يخلق سابقة سلبية قد يندم عليها يوماً نفس هؤلاء الليبراليون الذين يصفقون ويهللون لتصرفات الجيش الآن.
السيسي خلق سابقة ثانية خطيرة عندما طالب الجموع المؤيدة لتنحية الجيش لمرسي بالتجمع يوم الجمعة الماضي لتفويض الجيش بالتصدي لما سماه بالإرهاب، فإذا كان المقصود بذلك الخروقات الأمنية التي تتعرض لها سيناء، وهي ليست حديثة، رغم أنها تصاعدت كماً ونوعاً بعد عزل مرسي، فإن التصدي لها ولأي اعتداء عسكري أو أمني على أي من أجزاء البلاد من واجبات الجيش الأساسية، ولا تستدعي تفويضاً من أحد. لكن القصد من دعوة السيسي اتضحت يوم السبت عندما أعلن وزير الداخلية أن قوات الأمن ستفض الاعتصام الذي ينفذه مؤيدو مرسي في منطقة مسجد رابعة العدوية، ثم قامت قوات الأمن بمهاجمتهم موقعةً عشرات – إن لم يكن اكثر – من القتلى في صفوفهم.
فهل يعني هذا أن التجمع العام من أجل الاحتجاج مسموح إذا نادى به الجيش أو سمح به، ومرفوض ويندرج في خانة الإرهاب إذا كان للاعتراض على تدخل الجيش في السياسة؟ حريٌّ بالحركة الشعبية التي وفرت الغطاء لانقلاب مصر العسكري التفكير ملياً بتداعيات هذا التساؤل على ما قد تواجهة أية احتجاجات شعبية مستقبلية في ما إذا استبد الجيش بالسلطة وقرر التحكم بحرية التعبير أو حتى قمعها. وها هو قد أغلق القنوات التلفزيونية التابعة للإخوان المسلمين، فما الذي يمنع إغلاق غيرها مستقبلاً؟
الممارسات التي تشهدها مصر الآن ضد الإخوان المسلمين صورة مشابهة للسياسات الإقصائية التي اتبعها مرسي أثناء رئاسته، لكن تطبيقها يتم بشراسة أكبر. فإذا كان لمسيرة مصر الديمقراطية أن تُصحح وتستمر فعلى كل الأطراف أن تدرك أن الحياة السياسية للبلاد يجب ألا تستثني أيا من الأطراف، وأن الفضاء السياسي يجب أن يبقى رحباً ومفتوحاً لمشاركة جميع الاتجاهات على قدم المساواة، وأن الحَكَم هو صندوق الاقتراع.
من الواضح أيضاً أن مصر بحاجة ماسة لإصلاحات اقتصادية تنطوي على إعادة هيكلة الاقتصاد بشكلٍ جذري. فالمساعدات العاجلة التي وعدت بها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبالغة 12 مليار دولار تمنح الاقتصاد المصري المنهك فرجاً مؤقتاً وفرصةً لالتقاط الأنفاس، ولكنها بحد ذاتها لن تعيد بناءه ليصبح منتجاً ومعتمداً على ذاته. الإصلاح الاقتصادي الذي لا مفر منه ستترتب عليه قرارات صعبة وتضحيات كبيرة قد تكون مستحيلة في غياب التوافق السياسي والاجتماعي في مصر.
أما الجيش فمن الأفضل لمصر بكل فئاتها أن ينسحب من المشهد السياسي وأن يتبنى الحياد إزاء الفرقاء السياسيين في البلاد واضعاً نفسه تحت إمرة من يفوضه الشعب لتمثيله بالانتخابات الديمقراطية.

‘ صحافية عربية مقيمة في بريطانيا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية