قبل نحو 70 سنة، قررت الجمعية العمومية للأمم المتحدة تقسيم الأرض الإقليمية غربي نهر الأردن إلى دولتين ـ عربية ويهودية. مساحة الدولة اليهودية كان يفترض أن تكون مقلصة للغاية، أصغر بكثير من مساحتها اليوم في حدود الخط الأخضر ـ ولكن العرب، كما كانوا يسمون في حينه، قبل أن يتبنوا لأنفسهم الرواية الفلسطينية، رفضوا مشروع التقسيم رفضا باتا. وجندوا لمساعدتهم سبع دول عربية ـ وانطلقوا إلى حرب إبادة ضد الحاضرة اليهودية على أمل هزيمتها والفتك بها.
وبذات الشكل تصرفوا ايضا قبل نحو عشر سنوات من ذلك، عندما اقترحت لجنة خاصة (دعيت «لجنة بيل» على اسم رئيسها) تقسيم البلاد إلى دولتين. اليهود، قبل نحو سنتين من اندلاع الحرب العالمية الثانية وافقوا على العرض فورا، وهو الذي خصص لهم مساحة أصغر بكثير من تلك التي عرضت عليهم في قرار 181 ـ الاسم الرسمي لمشروع التقسيم في العام 1947 ـ إذ انهم رأوا في ذلك فرصة لإنقاذ ملايين اليهود ممن كانوا عرضة، كما بدا ذلك حتى في حينه، لكارثة رهيبة.
وبالتالي فإني اسأل الآن كل من يحاول أن يبيعنا الوهم في أننا لو انسحبنا فقط إلى الحدود التي كانت عشية حرب الأيام الستة ـ والتي ولدت على خلفية اتفاقات الهدنة التي تحققت في نهاية حربنا التحريرية، فسينزل علينا «السلام». العرب لم يوافقوا على عرض سخي للغاية في عام 1947 وهم لم يوافقوا على عرض اكثر سخاء بكثير نحو عشر سنوات قبل ذلك ـ فلماذا إذن سيوافقون الآن على أقل بكثير مما عرض عليهم في حينه؟
وهذا ما يتوجب عليهم في واشنطن أيضا ان يفهموه، حين يتحدثون هناك عن النزاع اليهودي ـ العربي. فالعرب، في اقصى الأحوال، سيوافقون على تسوية سياسية ما تضمن لهم دولة في حدود ما، ولكنهم لن يوافقوا ابدا على الاعتراف بان هكذا انتهت مطالبهم أو انهم مستعدون لان يعترفوا الآن بالوطن القومي للشعب اليهودي. هذا لم يحصل في الماضي – وهذا لن يحصل ابدا.
ينبغي أن نكون واقعيين. فالعرب لن يتخلوا ابدا عن مطلب السيطرة على كل الأرض، ولهذا الغرض فإنهم يصرون على حق العودة إلى الأماكن التي فقدوها في حرب بادروا اليها.
وهذا أيضا لن يحصل ابدا. فقد تحركت دواليب التاريخ إلى الأمام، والآن يجلس يهود في أماكن كانت ذات مرة في يد العرب. حدود التقسيم ـ وبالمناسبة من ينظر إلى الخريطة التي اعدت في حينه حسب قرار 181 ببساطة سيهزأ لرؤية المساحة التي خصصت للدولة اليهودية ـ لن تعود أبدا.
لقد وسع دافيد بن غوريون حدود الدولة اليهودية شمالا ونحو النقب، يمينا والى الأمام، وعلى الفور أمر بضم كل الأراضي التي احتلها الجيش الاسرائيلي لدولة اسرائيل. الكنيست لم تعتقد في حينه أن هناك حاجة إلى قانون التسوية، لتسوغ الاستيطان اليهودي في الأماكن التي كانت ذات مرة بسيطرة أو بملكية عربية.
فالقرية العربية الشيخ بدر، مثلا، أخلاها من سكانها رجال الهاغاناة، وكل المنطقة تسمى اليوم جفعام رام. والمحكمة العليا مبنية هناك. وبالفعل، يحتمل أن يأتي سكانها ذات يوم ليطالبوا بالأراضي التي كانت ذات مرة بملكيتهم. فماذا سيفعل في حينه قضاة المحكمة العليا؟
فهل عندها ايضا سيبدون السخاء ذاته الذي يظهرونه اليوم في ضوء المطالبات بطرد مستوطنين يهود من بيوتهم في يهودا والسامرة؟
لقد سبق للقاضي أدموند ليفي أن قال اننا إذا سوغنا اليوم المطالبات بإخلاء اليهود من المناطق التي احتلت في 1967، فكيف سنتمكن في المستقبل من الاعتراض على مطالبات مشابهة تتناول الأراضي التي احتلت في 1948، وعلى هذا الانبطاح الايديولوجي لليهود، يعول العرب الآن.
معاريف 19/2/2017
حاييم مسغاف