أشرطة فيديو مؤيدة للجيش العراقي تُظهر انتهاكات للمدنيين فهل بدأت عملية الإنتقام من أهل الموصل؟ وفي شوارع «الخلافة» ينتشر التدخين والشرب والأمراء مشاركون في تجارة التهريب

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: تبدو المعركة على غربي الموصل فاصلة من ناحية تقرير مسار تنظيم «الدولة» والعراق بشكل عام، فبعدها لن تكون المسألة هي كيف سنقضي على التنظيم الجهادي الذي يسيطر على ثاني مدن العراق ولكن كيف ستتصرف الحكومة في بغداد.
وعلى ما يبدو فالنذر غير مشجعة ففي تقرير لصحيفة «أوبزيرفر» البريطانية أعدته إيما غراهام ـ هاريسون وفاضل الحورمي قالا فيه إن صوراً عن التعذيب والقتل الفوري لسكان الموصل ظهرت في أفلام فيديو ألقت بظلها على الحملة النهائية على استعادة الجزء الغربي لمدينة الموصل.
ووضعت أشرطة الفيديو على وسائل التواصل الإجتماعي المؤيدة للجيش العراقي وتذكّر بدعاية تنظيم الدولة الوحشية وتتناقض في الوقت نفسه مع الإنطباع الإيجابي الذي تركته القوات العراقية المدربة أمريكياً في عملياتها لفرض السيطرة على كامل مدينة الموصل. وكانت العملية قد بدأت في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2016 ومضى عليها كل هذه الأشهر بسبب المقاومة التي أبداها المقاتلون التابعون لتنظيم «الدولة» والعمليات الإنتحارية التي نفذوها لإبطاء تقدم قوات النخبة العراقية التي اضطرت لخوض حرب شوارع مع الجهاديين.
وتعلق الصحيفة أن الأمم المتحدة شجبت أشرطة الفيديو الفظيعة التي ظهرت في وقت أعلنت فيه الحكومة عن المرحلة الثانية من العملية العسكرية والطريقة التي ستتصرف فيها القوات العراقية وكذا قدرة الحكومة على تحقيق الإستقرار والمصالحة الوطنية.
ورحب المواطنون الذين عانوا من حكم تنظيم «الدولة» القاسي بالقوات العراقية التي خاضت حروب شوارع مرهقة ولم تحدث التوقعات التي تحدثت عن ممارسات انتقامية ستقوم بها الميليشيات المدعومة من إيران.
إلا أن التوتر والخوف لم يختفيا فلا يزال السكان يشعرون بالقلق من الحكومة في بغداد وكذا الميليشيات الشيعية.
ومع بداية المرحلة الثانية من العملية هناك مخاوف من أن تغذي الممارسات الإنتقامية مشاعر السخط والتي قادت إلى ظهور الجهاديين وسيطرتهم على معظم غرب العراق والموصل في عام 2014.

إعدام فوري

وفي أشرطة الفيديو ظهر رجل خلف الكاميرا يحض جنوداً بزي الشرطة الفدرالية وهم يقومون بضرب أربعة رجال بالهراوات، قائلاً: «أحسنتم، عمل جيد»، وذلك قبل أن يسحل الجنود الرجال على الإسفلت ويعدمون ثلاثة منهم. وفي فيديو آخر انتشر على «فيسبوك» أظهر عملية ضرب رجال وإجبارهم على تقليد الحيوانات، واحد مثل الكلب وآخر مثل الشاه.
ويظهر الجلادون الذي يعذبون المدنيين وهم يرتدون الزي والشارات التابعة للشرطة الفدرالية وقوات مكافحة الإرهاب وميليشيا الحشد الشعبي.
ولقي معظم هؤلاء تدريباً من قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وتلقوا دروساً حول كيفية معاملة أسرى الحرب.
وعبّرت مفوضية الأمم المتحدة في العراق عن قلقها من اللقطات وطالبت الحكومة العراقية بالتحقيق.
وفي الوقت الذي تظهر هذه اللقطات الإنتهاك ضد ما قيل أنهم متعاطفون مع تنظيم «الدولة» هناك مخاوف من تعرض المدنيين للخطر. ففي محاولاتهم لإحباط الخلايا النائمة في الموصل قامت القوات الأمنية باستهداف الجميع ومنهم عائلة شيعية كانت تعيش مختفية من تنظيم الدولة.
وأعلن مكتب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن تحقيق في اللقطات «احتياطا» مع تأكيده أنها مفبركة ومحاولة لتشويه سمعة الجيش.
وقال متحدث باسم العبادي «لو ثبت حدوث انتهاكات فسيسلم الجناة للمحاكم. وثبت في مناسبات سابقة ارتكاب أفراد انتهاكات أدين البعض عليها».
وتعلق الصحيفة أن اللقطات تتناقض مع الصور التي وضعها الجيش على صفحته في «فيسبوك» والتي أظهرت الجنود وهم يلتقطون «سيلفي» مع الناس المحررين من حكم الجهاديين، وصورهم وهم يقدمون الماء والطعام للسكان بل وهم يطعمون الحيوانات. وبالنسبة للصور الجديدة والتي تظهر الإنتهاكات فقد وضعها مؤيدون للحكومة وليس شخصا يحاول الكشف عنها وأدت لانتشارها حيث توثق بطريقة غير رسمية للمرحلة الثانية من الحملة.
وحظيت واحدة منها بحوالي 9.000 «لايك» وتُظهر صورة شخص معصوب العينيين وملقى على الأرض ووضع رجلا أمن أرجلهما على رأسه وطلب من المشاهد لها التعليق وما يجب أن يفعل به «أٌقسم بالقرآن إن هذه الصورة جاءت من الموصل وألقوا القبض على الداعشي بأنفسهما. ولو علقت وأعجبت بالصورة فسيقومان بسحقه في مكانه، لا اعتقال ولا محاكم ولا شيء… الأمر يرجع إليك».
وشارك في التعليق على الصورة أكثر من 1.200 طالب بعضهم بدمه الأسير «أيها الأبطال، ضعوا رصاصة في رأسه ولا تسجونونه أو تضيعون عليه أي شيء. العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم».
ويرى ناشطون في مجال حقوق الإنسان أن لقطات الفيديو لا تهدد بتشويه صورة الجيش العراقي بل وستؤثر على الدعم العام للحملة وطالبوا الحكومة العراقية بالتحقيق.
وقالت بلقيس ولي التي وثّقت انتهاكات حقوق الإنسان في العراق لصالح منظمة «هيومان رايتس ووتش»: «في الوقت الذي لم تشهد هذه الحملة سوى انتهاكات قليلة مقارنة مع الحملات السابقة إلا أنه يجب على رئيس الوزراء حيدر العبادي التعامل معها بجدية عندما تظهر». وأضافت: «عادة ما نرى الحكومة تعلن عن تشكيل لجان تحقيق ومن النادر ما نطلع على النتائج، ونأمل أن يكون الوضع هذه المرة مختلفا».
ولم يتم التحقق من هوية الأشخاص في الفيديو، خاصة أن السكان الذين عاشوا في ظل التنظيم لعامين ونصف لا يريدون الظهور بمظهر الناقد لقوات الامن العراقية حتى لا يصنفون كمتعاطفين مع الجهاديين.
وفي شريط آخر ظهر شخص وهو يعوي مثل الكلب ويقول «أنا كلب ابن كلب» ويعض على حذاء الجندي الذي طلب منه النظر إلى الكاميرا. وأثنى كل من علّق على الفيديو على الجندي إلا أن صوتاً واحداً حذّر من الهبوط لمستوى الجماعة نفسه التي يقوم الجيش بمحاربتها.
وقال «كان أخي في الجيش وقتله «داعش» لكن لا يعني أن أصبح مجرما مثلهم». وقال «يعامل الأسرى بطريقة مختلفة وهذا ما علمنا إياه ديننا».

معاناة المدنيين

ولا يواجه السكان قمع الجيش «المنتصر» أو تعليقات المطالبين بالإنتقام منهم ولكن قمع الجهاديين.
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن مئات الألوف من المدنيين يواجهون أوضاعا يائسة وانتقاما من مقاتلي تنظيم «الدولة» في الجزء الغربي من مدينة الموصل.
وتحدث سكان من داخل المدينة عن استخدام التنظيم الطعام كسلاح، حيث يقدم كميات قليلة من الطعام للعائلات مقابل تقديم معلومات والتجسس على جيرانهم الذين يشبته بتعاونهم من قوات الأمن العراقية.
وزعم سكان اتصلت بهم الصحيفة عبر الهاتف أن عدداً من السكان قتلوا في الأسابيع الماضية بتهمة الإتصال مع قوات الأمن العراقية وتقديم معلومات عن نشاطات التنظيم لها. وأضافوا أن الوقود والماء وزيت الطبخ تباع في الأسواق وبأسعار عالية في الأحياء المكتظة بالسكان.
وأضافوا أن التنظيم بدأ بتخزين الطعام وتقييد حركة السكان تحسباً للعملية العسكرية التي سيقوم بها الجيش. ولم يبق في الشوارع أحد سوى الحيوانات الضالة.
وحسب أبو مروان «لم نعد نخاف من صوت المقذوفات الصاروخية ولا أزيز الرصاص وما نخشاه هو الجوع» ومن «لديه كيس طحين أو أرز فهو غني». وقال السكان الذين تحدثت معهم الصحيفة بشرط الكشف عن هويتهم إن أي شخص يقبض عليه متلبساً وهو يتكلم على الهاتف يتعرض للضرب وربما القتل.
وتقدر الأمم المتحدة عدد الباقين في غرب الموصل بما بين 750.000 ـ 800.000 نسمة ويعانون منذ أسابيع من مصاعب جمة وشدة بشكل أدى إلى كارثة إنسانية حتى قبل بدء العملية العسكرية. ويتوقع المسؤولون في الأمم المتحدة هروب ما بين 250.000 ـ 400.000 مع بدء العمليات.
ومن هنا تقوم بالتحضير لتدفق هذه الأعداد ببناء مخيمات طارئة لاستقبالهم في جنوب الموصل.
وقالت ليز غراند، منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق إن عشرات الألوف من الناس قد يهربون أو يجبرون على الهرب وربما علق مئات الألوف في المدينة لأسابيع أو أشهر.
وأشارت إلى المعاناة اليومية التي تواجه السكان والذين يحاولون إطعام أطفالهم أو توفير الدفء لبيوتهم.
ومنذ قطع الطريق الذي يربط بين الموصل وسوريا لم تصل إليها أي إمدادات تجارية. وتعتمد العائلات في ظل نقص الكاز وأنابيب الغاز على الخشب والنفايات التي تحرق لتوفير الدفء للبيوت. ولم يعد في المحلات ما يمكن بيعه من مواد غذائية وإن وجد فلا يستطيع المدنيون الحـصول عـليه.
وقالت أم عائشة، الأرملة التي تعيل طفلين أحدهما في سن السابعة والآخر في سن الخامسة، إن ولديها جائعان وقالت إن ابنتها البالغة من العمر 10 أعوام أصبح وجهها ناحلاً وأصفر اللون «لا طعام لدي كي أبقيهم على الحياة».
ونظراً إلى نقص المواد الغذائية فقد زادت أسعارها ضعف ما هو متوافر منها في الجانب الشرقي. وعبّرت سالي هيدوك، ممثلة برنامج الغذاء العالمي عن قلقها من عدم تاوفر ما يكفي للعائلات كي تطعم أبناءها.
ووصل سعر كيس الأرز حوالي 150.000 دينار عراقي أي ما يعادل 130 دولاراً أمريكياً. ويزيد المخاطر على المدنيين وتعبهم هو أن نسبة 40% منهم يحصلون على مياه الشرب الصالحة ولا يحصل معظم البيوت إلا على ساعتين أو ثلاثة من الطاقة الكهربائية في اليوم مع أن الجهاديين خففوا في الأونة الأخيرة من المستوى. وتم تدمير كل الجسور الواصلة بين شرق المدينة وغربها من خلال الطيران الأمريكي المؤازر للعملية حيث يعمل حوالي 450 مستشارا عسكريا أمريكيا مع القوات العراقية. ويقدر عدد من تبقى من مقاتلي التنظيم في الجزء الغربي بما بين 2.000 ـ 3.000 مقاتل. وعلق العقيد جون دوريان، المتحدث باسم القوات الأمريكية في بغداد ان بعض الجهاديين من المحاربين الأشداء ومنهم من يريدون الهرب وبعضهم يريد ترك جبهات القتال وهناك من يبحث عن طرق للتعاون مع العدو.

صدع

وفي هذا السياق أشار تقرير نشره موقع «فورين أفيرز» قبل 3 أيام شاركت فيه كل من فيرا ميرونوفا الباحثة في جامعة «هارفارد» والصحافية الأوكرانية إركاتينا سيرغاتسكوفا، قالتا فيه إن الحملة التي تقودها الولايات المتحدة على الموصل أدت لخلق صدع داخل تنظيم «الدولة».
ومع أن الجهاديين يعانون من مشكلة في علاقتهم مع الإسلام والمسلمين بشكل عام إلا أن الهزيمة المرتقبة دفعت العديد من المقاتلين إلى التخلي عن القيود المتشددة التي تمنعهم من تناول الكحول أو التدخين مما أدى لخلق شق في داخل التنظيم.
وحسب الكاتبتين فإن المقاتلين الذين سيعانون من هزيمة الجهاديين في الموصل هم الأجانب، فمع انهيار دفاعات «الخلافة» سيجدون أن أمامهم خيارات قليلة. وعلى خلاف العراقيين فلا يستطيعون البقاء لأنهم سيكشفون في الحال ولأنهم لا يتحدثون اللغة العربية.
ولنفس الأسباب فهم لا يستطيعون الهروب مع موجات اللاجئين. ويعرفون والحالة هذه انهم سيموتون وقريبا جدا. ولهذا رد بعضهم على الواقع هذا بالإلتزام الديني وفكرة أنهم إن ماتوا فسيموتون شهداء. ومن هنا يعتبر كتاب باللغة الروسية من أكثر الكتب شهرة واستخداما بين المقاتلين وهو «كتاب الجهاد» والذي يقول إن من يموت وهو يقاتل جهاداً فستمحى كل خطاياه.
ولكن الإلتزام على النقيض مع تصرفات البعض الذين يشربون الخمر ويدخنون من أجل التخفيف من الضغوط التي يشعرون بها.
ونُقل عن سكان في الموصل قولهم إن تدخين المجاهدين أصبح أمراً شائعاً في شوارع الخلافة.
وبناء على مزاعم من الجيش العراقي جاء فيها أنهم لاحظوا علب بيرة وزجاجات ويسكي مفتوحة.
ولا يرضى هؤلاء على ما يبدو بالماركات المحلية بل ذات الثمن الغالي مثل «وايت هورس» الخمر الأسكتلندي الذي تصل سعر الزجاجة منه في العراق حوالي 44 دولاراً.
وزعم مدنيون أنهم شاهدوا مقاتلين من تنظيم الدولة وهم سكارى خاصة المناطق التي يتمركز فيها المقاتلون من وسط آسيا. ولم يغض القادة في التنظيم الطرف عن ممارسات المقاتلين بل ويشارك بعضهم في تجارة تهريب الممنوعات المربحة.
ويقول ضابط في الحشد العشائري إنه ألقى القبض على مهربين وهم يحاولون بيع علبة السجائر بـ 6.500 دينار عراقي (5.50 دولار أمريكي) في المناطق الخاضعة لتنظيم الدولة وهو سعر أعلى مما يباع في السوق العادية وهو دولاران. وأخبره المهربون أن أمراء التنظيم يأخذون حصة من المبيعات. وعندما احتج مقاتلون على هذه التصرفات التي تخالف تعليمات التنظيم عوملوا كخونة.
وقال محمد، من وسط آسيا إنه انضم للمقاتلين في سوريا بعد مشاهدته صور الضحايا في سوريا على يد نظام بشار الأسد ولكنه هرب من التنظيم عندما اكتشف ما يراه نفاقاً.
ورغم عدم تدين محمد عندما انضم إلى التنظيم إلا أنه وبعد مشاهدته الكثير من زملائه يموتون أصبح يخاف من الموت وأقبل على قراءة القرآن.
واكتشف أنه كلما تعلم عن الإسلام كلما عرف أن تنظيم «الدولة» بعيد عن الدين.
وقال إن البيروقراطية داخل التنظيم ليست إسلامية وأن محاكم الشريعة لا تطبق مبادىء الإسلام. وأضاف أن السجائر تباع في كل مكان «أي خلافة هذه».
وحاول محمد الرد على الوضع بالتعاون مع صديق مصري شعر بالخيبة وبدأوا بتعليم المقاتلين ما يقوله القرآن والسنّة والسلف وعدم الإستماع لأبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم. ولم يكن قرار محمد وصديقه المصري مقبولاً من القادة ولهذا بدأوا بمراقبتهما.
واعتبرا مثل بقية من شكّكوا بعقيدة التنظيم كافرين وكانوا يتعرضون للإعتقال ويرسلون إلى الخدمات الأمنية التي تتعامل معهم كخونة و يشكلون تهديداً على أمن «الدولة». وعندما اكتشف محمد اختفاء صديقه المصري اعتقد أن الدور سيأتي عليه ولهذا هرب، ويعيش الآن متحفياً في أوكرانيا.
ويشعر محمد بالندم على تركه بلاده في وسط آسيا وانضمامه لتنظيم «الدولة»، ويقول: «كان يجب علي البقاء ودراسة الدين الإسلامي الحقيقي».

أشرطة فيديو مؤيدة للجيش العراقي تُظهر انتهاكات للمدنيين فهل بدأت عملية الإنتقام من أهل الموصل؟ وفي شوارع «الخلافة» ينتشر التدخين والشرب والأمراء مشاركون في تجارة التهريب

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية