حرية الصحافة الأمريكية في خطر

حجم الخط
0

في تغريدة استغل فيها حتى النهاية كل الـ 140 حرفا المسموح بها في التويتر، سار الرئيس ترامب خطوة اضافية في صراعه ضد هيئات إعلامية مركزية في الولايات المتحدة. وقد غرد يقول: «هم ليس اعدائي. هم أعداء الشعب». وولد هجومه صدمة عميقة على طول خط الانكسار في المجتمع الأمريكي. فالإعلام في الولايات المتحدة هو قيمة محمية: محمية في التعديل الاول للدستور، الذي يحظر المس بحرية الصحافة وحرية التعبير ومن قواعد اللعب التي تقدست في قرابة 250 سنة من الاستقلال.
هناك الكثير من النقد في المجتمع الأمريكي على الهيئات الإعلامية الرائدة، ولا سيما تلك التي تتركز في الشاطيء الشرقي، على مصداقيتها، على الميول السياسية للصحافيين العاملين فيها وعلى صعوبتها في فهم نفوس الأمريكيين الذي يعيشون في قلب القارة، بين الشاطئ والشاطئ. وهزأ رؤساء من هيئات إعلامية، هاجموها في خطاباتهم بل وفي حالة الرئيس نيكسون حاولوا تصفيتها اقتصاديا. ولكن رئيسا يعرض وسائل الإعلام كعدو الشعب هو أمر جديد حقا.
أهلا وسهلا إلى النادي، قلت لأصدقائي في الإعلام الأمريكي. فنحن نعيش في هذه القصة منذ العديد من السنين. فشعار «الشعب ضد الإعلام المعادي» لم يخترع في أمريكا بل هنا، وليس من قبل نتنياهو. فمن يعزو لنفسه نشر الشعار هو الياكيم هعتسني، من سكان كريات أربع. وقد ولد الشعار قبل اربعين سنة، في اطار حملة للمستوطنين، ولكن في السنوات الاخيرة فقط تحول من لعبة مسلية إلى واقع مهدد. وفي السنوات الاخير فقط التقت المصالح وتعقيدات الروح لدى السياسيين في الخطاب الجديد، العنيف، للشبكات الاجتماعية. وكانت النتيجة تهديدات جسدية، شتائم وملاحقة للصحافيين، ونزع شرعية عن العمل الصحافي بأسره. لم يعد وجود للحقائق: توجد «حقائق بديلة». لم يعد وجود للاخبار: توجد «اخبار حقيقية»، أخبار تعظم الحكم و»اخبار زائفة»، تلك التي تحرجه.
الإعلام ليس عدو الشعب، لا في الولايات المتحدة ولا في اسرائيل. الشعب هو زبونه، المستهلك، والمعيل. وهو يغازله، ينكب عليه، يكافح في سبيل انتباهه.
احيانا يبالغ في تطلعه لاثارة الاهتمام، للتنبيه، مثلما في حالة ترامب، الذي ما كان لينتخب لو لم تبرز وسائل الإعلام التي يصفها الان كـ «اعداء الشعب» كل تغريدة منفلتة العقال له.
صحيح أن للإعلام مزاج معارض: فهذه طبيعته. وعليه، ففي السنوات الاولى للدولة في الإعلام الخاص في اسرائيل، في «يديعوت احرونوت» وفي «معاريف» برز اساسا رجال اليمين، صحافيون حادو القلم، ورجال اليسار الراديكالي، المناهضون للمؤسسة الرسمية. واشتكى الحكم ولكنه تعلم كيف يبتلع النقد.
في اسرائيل، بخلاف الولايات المتحدة، الإعلام غير محمي في الدستور: فلا يوجد دستور. ما يحمي حرية العمل الصحي هي قواعد اللعب، ثمرة 69 سنة ديمقراطية وقرارات محكمة العدل العليا، والاهتمام الذي يبديه الجمهور. وقاعدتا القوة هاتان يحاول نتنياهو تصفيتهما.
من أجل اضعاف قنوات التلفزيون التجارية واستعداد أصحابها لارادته، عين نفسه وزيرا للاتصالات/الإعلام. تعيين كان فضائحيا من يومه الأول: فتضارب المصالح لم يكن فقط حيال زعران الإعلام الوفيتش وميلتشن. فقد كان ايضا حيال اسحق مولخو، مبعوثه ومحاميه، الذي يمثل سلسلة من الهيئات الإعلامية. وحقيقة أن حماة الحمى سمحوا حتى وقت أخير مضى بوجود هذا الوضع تتحدث ضدهم.
لقد عمد إلى حل سلطة البث، وبعد أن أكد القتل طلب احياء السلطة من جديد بمثابة الزومبي. ومن أجل تصفية الصحافة المطبوعة عمل على اقامة «اسرائيل اليوم» وقاتل ضد كل محاولة لالزام مانح الهدية، الملياردير شيلدون ادلسون، للعمل تبعا لقوانين السوق. فما بالنا نشكو من الشمبانيا والسيجار، حين يمنح ملياردير آخر نتنياهو امتيازا بعشرات ملايين الدولارات في السنة.
من جهة نجد أن هذه السياقات، هنا وهناك، خطيرة: فهي تهدد خط حياة الديمقراطية. من جهة أخرى، فانها مثيرة للشفقة. فهيئات الإعلام التي يهاجمها ترامب لن ترتدع عن مواصلة الكشف عن أفعاله. وهذا هو الحكم بالنسبة لمحاولات نتنياهو خلق النقد عليه هنا. وباستثناء بعض قدامى الصحافيين الذين اختاروا أن يكونوا مشرفين على دولاب القمار في الكازينو، فان الإعلام الاسرائيلي يزدهر. يحتمل أن يكون هذا وضعا مؤقتا: فحتى الشموح تضيء بنور كبير قبل أن تنطفيء. ويحتمل أن تكون الآنية هي من نصيب الطرف الآخر ـ سياسيون يأتون ويذهبون، ولكن الفضول، النقدية، البحثية تصمد أبدا.

يديعوت 20/2/2017

حرية الصحافة الأمريكية في خطر
يصعد ترامب في صراعه ضد الإعلام في بلاده بذريعة مناهضته للأمريكيين
ناحوم برنيع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية