من حجب عنّا التفكّر؟

حجم الخط
0

لا يمكن أن نتعامل مع ما يحيط بنا من مشهد دمويّ، إلا عبر ربطه بشريط من التّراكمات. فليس أيّ انفجار وليدَ لحظته، وإن يكن دويُّه هو الأكثر حضورًا… فالرّعد المدوّي، والبرق الذي يخطف الأبصار، لا يمكن عزلهما عمّا ولّدهما من عوامل وظروف واحتكاكات.
ينسينا هول الحدث العودة إلى مسبّباته، ويمنعنا من فلسفتها، والمشاركة في تأويلها وتحليلها لاستنتاج المناسب، واستثمار ما يساعدنا في التقدّم، وتجنّب ما يحول بيننا وبين العصر والمستقبل، فيعرقل طرق التغيير، ويلزمنا بثوابت شبه قدسيّة، تفرض نفسها كأحكام ذات قوالب جاهزة تتحكّم حتى بالمتغيّرات، حسب سياقات العصور المتعاقبة وتعدّد قراءاتها.
كثيرة هي الأسباب التي تردّنا نحو الوراء، بحجّة الحفاظ على النّوع، فنتقوقع في صدفة، ونكتفي بما يقدّمه لنا الزمان، من دون سؤال أو محاولة تنقية ما يغرينا لأخذه. نحجب الخيال، ونصدّ وسائل الابتكار، وندخل في صراع مع الحداثة، معنونين معظم أبحاثنا بـ(العصر وتحدياته) و(الحياة والصراع مع المستقبل) وغيرها من العناوين التي تظهر ما يترسّب في لاوعينا الجمعي من مخاوف وحذر إزاء أي شيء جديد، أو فكرة حداثية تغييرية. وبدلا من اتّخاذ الحاضر صديقًا عبر علاقة تكاملية، والمستقبل خليلًا عبر جعله الأمل في الخروج من أوحال الماضي وما يفرزه من صراعات لا تمت إلى الحضارة بصلة، ندخل مع الحياة عبر علاقات التحدّي والتنابذ وكأنّنا في علاقة أقرب إلى الثنائية الضدّية القائمة على إلغاء أحد طرفيها الطرفَ الآخر.
وأبرز هذه الأسباب، ما نراه منذ قرون، من تغييب التفكّر، عبر تحكّم عقليّة قديمة، لا نجرؤ على انتقاد مكوّنات تركيبها، فجلّ ما نفعله هو أنّنا نحدّد ماهيّتها وهويتها من خلال فعلها فقط. لقد حجب العقل الذي ساد ولمّا يزل سائدًا، من دون تبديل، عنّا صفة التفكّر، رغم حثّ الفلاسفة القدماء، وجوهر الأديان عليها… فلم ينتخب الله أو يصطفِ من أنبيائه إلا الأكثر تفكّرًا في حال قومه، ومحاولة إيجاد ما يُخرج الناس من حفر الجهل أو الانقراض… فكثيرة هي الآيات القرآنية التي تشير إلى العقاب والثواب انطلاقًا من العقل والتفكّر، رغم التركيز على أنّ الايمان قلبيّ إذ خوطبت القلوب بشكل واضح، في حين لم يذكر العقل ويُخاطب كمصطلح متّفق عليه، بل جلّ ما ذكر أفعال كـ(تعقلون وتتفكّرون…) ووفيرة هي الأحاديث المقدّسة التي تحرّض على هذا الفعل، وتحترمه وتقدّس من خلاله العقل، وتجعل الإنسان يرتقي أكثر كلّما مارس عملية التفكّر وتوظيف العقل… ألم يشترط الله على الملائكة السجود للآدمي بعد إثبات نفسه أنه يستحق ذلك، أي بعد أن يصبح بشرًا سويّا؟ ألم يجعل الله، والفلاسفة العقل خير ما خلق الله وما أبدعه، (إيّاك أعاقب وإيّاك أثيب)؟ ألم يسع الرسول نفسه إلى الكمال الانساني عبر العلم القائم على العقل (وقل ربّي زدني علمًا)؟ فلماذا نغيّبه؟ ولماذا مُنعت العقول وحرمت من التفكّر بعد وفاة الرّسول مباشرة؟
لقد منع العقل من القيام بمهمته، واتُّهم المفكّرون والمتفكّرون بالخروج على الدين، لأنّ الخطابات التي سادت وما زالت سائدة، غالبًا ما ركّز معظمها على الاستسلام للنواميس الطبيعية، والاعتراف بعدم القدرة على السيطرة لقصور العقل وعجزه عن الإحاطة بما هو مخلوق ومحسوس، والتسليم بالغيبيات، وخلق ما يشبه الأساطير للاتزان والمحافظة على الوجود من دون السّؤال، معارضين في ذلك ما أمر الله به أنبياءه وخليفته على الأرض.
مُنع العقل المركّب بمكوّنات، تخلع عنه صفات التقديس التي تقرّب صاحبه من الله، حين صار تأويل المعضلات خروجًا على المألوف وأُقنع الانسان، أنّ الله سيمدحه في إقراره بالعجز والاعتراف بمحدودية قدرته، وبأنّ ما يجهل تفسيره هو من عند الله فلا ينبغي القياس على قدر العقول، وسيسمّي الله هذا الانسحاب من معركة التفكّر رسوخًا.
مُنع العقل من حريّة التفكّر، عندما أصبحت الآيات سرمديّة الأحكام، من دون الالتفات إلى أسباب التّنزيل، وإلى أنّ الله نسخ العديد من آياته لفظًا وحكمًا بين مرحلة وأخرى، نظرًا إلى تغيّر قدرات العقول، وانسجاما مع متطلبات الحياة الخاضعة لحركة زمنية متناهية، لا يستخدم فيها الخالق القدرة اللامتناهية التي يتّصف بها ضمن صفاته الأربع. ورضخ العقل إحساسًا بالدونية، لفكرة أنّ السلف أكثر معرفة من الخلف، فتناسينا أنّ الابن حين يقف على أكتاف أبيه يرى ما يراه هو وما لا يستطيع والده رؤيته، لأنّه يصبح ذا اتساع في الرؤية.. فالخلف يتسنى له علم السلف وكمّ هائل من تراكمات معرفية لم تتوافر لذاك السلف بعد غيابه.
وُضعت للعقل، سدود وحواجز، منذ أن أصبح ما يخلقه الإنسان نفسه، ويضعه نتيجة ظروف معيّنة، وعوامل ومعطيات حياتيّة محيطة به كمعظم الطقوس مثلا، مخلوقًا طبيعيًّا يتحكّم بخالقه وواضعه، فارضًا عليه نواميسه الأقرب إلى الخوارق، خوفًا من الأخطار الطبيعية المحدقة، وعدم استطاعته السيطرة عليها، فينسج عبر خياله أساطير تساعده على الوقوف والاستمرار.
تعطّل العقل، حين تحكّمت به أفكار لا تخدم سوى الحاكم، واستحالت من الأقدار، وأصبح المرء دونيًّا يجلد نفسه، معترفًا بأنّه يُعاقب على خطايا ارتكبها، فيستسلم لقدر ليس من صنيع له سوى إنسان أقنعه بأنه الأقوى، وبأنّ أفعاله مستمدة من أحكام الله لا خيار له فيها، ويده امتداد ليد الخالق، حتى استحال الإنسان، في ظلّ خطابات تستغل الدين من أجل مآرب أخرى، وعبر تكريس نفوذ أصحابها، متلهيًا بالإنجاب على حساب الإنجاز، لا يطمح إلا لرضوان الحاكم عليه كي لا يُحرم وعائلته من لقمة الوجود. مُنعت عقولنا من أن تكون وسيلة الفكر والتفكّر، حين صار المفكرون والأدباء والعلماء، عرضة لاتهامات من جعل نفسه ظلّ الله على الأرض. وحاكم جعل من لا يخدم فكره ويكرّس حكمه خائنًا للوطن والأمة والقضية. ألم يُقـــــتل، أو ينفى أو يسجن، من طرح فكـــــرة فهمها الآخر كفرًا أو خيانة؟ ألم يُقتل (السهروردي) فــي أحد مجالس بني أيوب حين أكّد قدرة الخالق بما لا يفهمه من جعل نفسه حارسًا لأفعال الخالق، حين قال: إنّ الله قادر على خلق نبيّ بعد محمّد. ألم يحاول اغتيال نجيب محفوظ من لم يقرأه باعترافه هو نفسه بذلك؟
لقد، نحّينا العقل، فأصيب التفكير بشلل شبه رباعي، منذ القدم.. نحّيناه حين صار العنف والطعن السبيل الوحيد لقراءة الوجود والحياة.. ألم يقل المتنبي: كلّما أنبت الزمان قناة/ ركّب المرء في القناء سنانا، فالقناة – الخشبة ليست سوى فكرة للدراسة والبحث والتباين الراقي في الرؤى حولها، لكنّ الإنسان صيّرها أداة طعن وخلافًا دمويًّا لمّا ينته بعد.

٭ كاتب لبناني

من حجب عنّا التفكّر؟

علي نسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية