الماضي الجزائري الفرنسي: ملغوم من الجهتين!

بإقراره من الجزائر بأن الاستعمار الفرنسي للجزائر شكّل جريمة ضد الإنسانية، يكون مرشح اليسار الفرنسي للانتخابات الرئاسية، مانويل ماكرون، قد صدم المجتمع السياسي والإعلامي في فرنسا بعنف غير متوقّع.
لذلك تعرض ماكرون لانتقادات عنيفة من رموز السياسة الفرنسية والإعلام من كل الأطياف. كانت ردود الفعل على قدر قوة الصدمة. لم يكن ذلك غريبا أو جديدا على النُخَـب الفرنسية بالنظر إلى ما يشكله موضوع احتلال الجزائر من حساسية لديهم ترقى إلى درجة العقدة التاريخية. كان لا بد من وجه سياسي جديد متحرر من القيود الجاهزة وغير منتمٍ للقبائل السياسية، لكي يقذف بحجره في البركة التي تُخجِل ماضي فرنسا.
صحيح أن الموضوع داخلي فرنسي أكثر منه جزائري ـ فرنسي، ودخل على الخط بـ«الخطأ» وسوء التقدير السياسي في موسم انتخابي حامي الوطيس. لكن الأصح من ذلك أن الموضوع لا يُحرج فرنسا وحدها ولا يشكل عقدة لها بمفردها.
هناك الطرف الآخر، الجزائر، التي توظف تاريخها منذ 1830 بطريقة عبثية وفي الاتجاه الخطأ، وتقف مرتبكة أمامه وعاجزة عن مواجهته بموضوعية وشجاعة.
إذا كان الحَرَج الفرنسي مرتبطا بالماضي، وصورته واضحة إلى حد بعيد، فالحرج والإرباك الجزائريَين مرتبطَين بالحاضر والمستقبل. والمنطلق يكمن في أن الجزائر الرسمية عاجزة اليوم عن فتح ملف الماضي الاستعماري مع السلطات الفرنسية، وعاجزة عن ممارسة أدنى درجات الضغط على باريس في القضايا التاريحية: لا تستطيع استرجاع وثائق تاريخية مهمة، ولا رفات شهداء وضحايا ممارسات استعمارية، ولا المطالبة باعترافات أو معلومات، فما بالنا بانتزاع اعتذار عن الماضي الاستعماري أو تعويضات.
سئل أحد القادة التاريخيين الجزائريين عن التردد الجزائري بعد الاستقلال إزاء حسم قضايا تاريخية مع فرنسا، فقال: «في بطننا تبن كثير نحن أيضا، وليست فرنسا وحدها».
لا أدري إن كان هذا مبررا كافيا للتهرب من مواجهة حقبة هامة من تاريخ البلدين امتدت قرنا وثلث القرن، وبخس أجيال كاملة حقها في المعرفة، وهي ضرورية للتصالح.
قد يتحقق شيء من التقدم إذا نجح الطرفان، معا أو كلٌ على حدة، في تجاوز الأشجان والشحنات العاطفية، والاقتناع بأهمية التخلص من هذا العبء بلا غالب أو مغلوب، وبأن «إنهاءه» يصب في صالح الجميع.
فهل هذا ممكن؟
في الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط، يبدو الأمر صعبا لأن الموضوع محاط بحالة إنكار تصد مقدما أبواب الخوض فيه.
علاوة على أنه قضية تتقاسمها أكثر من جهة: سياسيون، إعلاميون، قدماء محاربين قاتلوا في الجزائر، فرنسيون من مواليد الجزائر ممن يسمَّون «الأقدام السود»، جزائريون تعاملوا مع الاستعمار وغادروا معه في 1962، واليوم أولادهم وأحفادهم.
كل هؤلاء وغيرهم يؤثرون بشكل أو بآخر في ما يسمى في فرنسا «موضوع الذاكرة» (بدلا من الاستعمار أو الاحتلال)، قاسمهم المشترك حالة الإنكار. زد على ذلك أن فرنسا لم تلد بعدُ سياسيا يمكنه إرضاءهم جميعا أو السيطرة عليهم بشكل يطلق يديه في «إنهاء» موضوع «الذاكرة».
ولا يقل الأمر تعقيداً في الجزائر. البداية هي أن التاريخ ككل موظَّف توظيفا سياسيا من السلطة الحاكمة. علاوة على أنه كان، ولا يزال، عبارة عن فلكلور واحتفاليات مملة بخطب عقيمة من مسؤولين لا يؤمن بهم أحد.
القراءات الجزائرية الجادة للتاريخ الاستعماري ترد على ألسنة مؤرخين يُعّدّون على أصابع اليد الواحدة، ينظمون ويشاركون في ندوات مهجورة، ويصدرون مؤلفات تقرأها نخب محدودة. كما أن شهادات وإسهامات بعض صنّاع ذلك التاريخ من القادة الميدانيين والسياسيين الجزائريين، أوشك ضررها أن يفوق نفعها وأُخذت أغلبها في سياق الذاتية وتصفية الحسابات. ثم يأتي الأخطر وهو أن الجزائر الرسمية، خصوصا منذ تولي الرئيس بوتفليقة الحكم في 1999، تمتنع عن الخوض في الموضوع من زاوية مطالبة باريس بالاعتراف بالذنب ثم الاعتذار.
إلى هذه اللحظة لم تتقدم الجزائر لفرنسا بأي طلب رسمي من هذا النوع. بل العكس هو المعروف، فعندما تلفظ وزير المجاهدين السابق محمد الشريف عباس بكلام مشابه قبيل إحدى الزيارات الرسمية للرئيس ساركوزي إلى الجزائر، أمره بوتفليقة أن يختفي ومنعه من أن يكون ضمن المسؤولين الذين يراهم ساركوزي.
وعندما يُسأل مدير مكتب الرئاسة، أحمد أويحيى، وهو أحد أبرز وجوه نظام الحكم، لا يتردد في اتهام من يثيرون الموضوع بأنهم يتاجرون به، أو الاكتفاء بالقول إنه شأن فرنسي داخلي!
يبدو وكأن بوتفليقة احتكر لنفسه الموضوع، مثلما احتكر موضوعات أخرى، ومنع عن الآخرين الخوض فيه. يقول هو فيه ما يشاء متى ما يشاء باللغة التي يشاء والرسائل التي يريد إيصالها للفرنسيين، تاركا غيره على الهامش.
إذا صحت هذه المخاوف، فعلى التاريخ السلام، وعلى الحالمين والمنتظرين أي جديد في هذا العنوان الكف عن الحلم، لأن الرجل لم يبرع في شيء بقدر براعته في تعليق الأشياء وتركها تتكلس.

٭ كاتب صحافي جزائري

الماضي الجزائري الفرنسي: ملغوم من الجهتين!

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية