بينما اقترن اسم الفيلسوف جاك دريدا (1930 -2004) بالنظرية التفكيكية المعبرة عن نهج مركب لكيفية قراءة النصوص وسبر أغوارها سعيا وراء ملامسة «المعضلة» في كل منها.
تتجلى معضلة الاستعصاء الشامل والمزمن في مفاصل المشهد السياسي الاجتماعي في المشرق العربي في نهج آخر، لا يقل أهمية عن الأول، يمكن أن نطلق عليه نهج «التفكيك القسري» لقضايا المنطقة وإظهارها كجزر معزولة لا رابط يجمع بينها، ما خلا بناها الفوقية والنظم السياسية المتحكمة بها، وهذا هو سر تلك الاستعصاءات اللامتناهية، التي باتت تشكل العلامة الدامغة للتاريخ السياسي المشرقي وقضاياه البينية والخارجية على حد سواء، ولاسيما تلك المتعلقة منها بموضوعي التحرر الوطني والاستقلال السياسي من جهة، وبناء النظم الديمقراطية ودولة القانون والحريات من الجهة الأخرى، في حين لعبت محاولات امتطاء شعارات الوحدة والحرية دورا عكسيا حاسما في نبذ واقع التكامل الموضوعي لتلك القضايا، حاجبة بذلك الرؤية عن أجيال من الباحثين والمهتمين والناشطين، عندما يتعلق الأمر بمحاولة فهم حقيقية ما يجري من أحداث جسام والأسباب الكامنة وراء هول تلك الاستعصاءات وتعاقبها.
في هذا السياق، ارتدت سهام حراكات ثورية وطنية وتقدمية عديدة إلى نحور أصحابها ومنظريها، الذين تحول جلهم إلى أدوات تفكيكية أيضا، وبات العقل العربي عاجزا عن استكمال شوط البحث والتحليل إلى نهايته المرجوة، وما كان لهذا المنحى أن يمضي قدما لولا توفر شرطين رئيسيين: الأول يتمثل في إحالة أسباب الهزائم السياسية والعسكرية المتتالية، والإخفاق في تحقيق شيء من وحدة المنطقة على المستوى الجيوسياسي إلى مضامين شعارات الوحدة ذاتها، وليس إلى الجهات والنظم والأحزاب الشوفينية الرافعة، ظاهريا، لتلك الشعارات، وذلك على قاعدة» الحق الذي يراد به باطل». بينما تجلى الشرط الثاني، الذي شكل رأس حربة هذا المنحى الفتاك، في نجاح الكيان الصهيوني في عزل القضية الفلسطينية عن محيطها العربي وتحريف لب الصراع من صراع اسرائيلي -عربي إلى صراع إسرائيلي – فلسطيني من خلال تثبيت منهج الاستفراد بكل طرف عربي على حدا والدخول معه في مفاوضات وتسويات منفردة، أفضت حتى الآن إلى توقيع ثلاث تسويات سياسية وهدنتين طويلتي الأجل.
أكثر من ذلك، فهناك شرط ثالث مكن هذا المنحى من التغول في عملية التفكيك الممنهج هذه، ويتمثل في انزياح مراكز القوى التقليدية وتخلي نخبها عن موقعها ومكانتها التاريخيين، لصالح مراكز قوى ثانوية لا تملك من أمر سيادتها وصنع قراراتها إلا النزر اليسير، الذي لا يسمح لها بتصدر موقع الريادة والفعل، لا من الناحية التقنية ولا السياسية، ما دفع باتجاه تهميش دور القوى السياسية والاجتماعية في أقاليم كبرى من الأقاليم الخمسة المشكلة للعالم العربي، وهي المشرق العربي والخليج العربي وشبه الجزيرة العربية ووادي النيل والمغرب العربي، التي تجمعها وحدة الثقافة والتاريخ والانتماء والمصالح المشتركة والروابط الحضارية، فضلا عن المصير الواحد على قاعدة التنوع والاختلاف طبعا.
كما يلحظ شرط رابع لتمادي ظاهرة التفكيك الاجتماعي- السياسي والفصل التعسفي بين قضايا المنطقة ومصالح شعوبها وتوجهاتهم، وذلك لجهة سيادة نموذج حكم الفرد أو الطغمة على نظم سياسية بأكملها، ما يشكل، بطبيعة الحال، حالة قصوى من التصاهر والاندماج، تجمع في بوتقة واحدة العناصر الخارجية والوطنية المسؤولة عن انتشار وتفاقم هذه الظاهرة وتفرض آليات عملها ومآلاتها وتصهرها مع مغذياتها من النظم الأوليغاركية، مشكلة، في المحصلة النهائية، جبهة حديدية قاهرة، تمكنت حتى الآن من التصدي بنجاح لمحاولات قلب هذه المعادلة ووضع الأمور في نصابها الطبيعي على مستوى الفعل الجماهيري والمشاركة في الحياة السياسية والسير باتجاه إيجاد بدائل ديمقراطية لأنظمة الاستبداد ولمنظومات الاستغلال والاحتلال، التي تمكنت بفضل آليات التفكيك الممنهج ليس فقط من وقف تمدد الربيع العربي عند أسوار دمشق، على حد تعبير أحد منظريها، بل الانقضاض على مخرجات ذلك الربيع المنتظر في محطات عربية أخرى منه أيضا، مثلما تمكنت من تكريس حالة الانقسام العامودي والأفقي في الساحة الفلسطينية وفي ساحات عربية أخرى شتى مثل الساحتين اللبنانية والعراقية.
والحال كان من الطبيعي ألا تتسارع وتيرة التفكيك بمعزل عن النزوع غير الوطني إلى الولوج والاصطفاف في ركاب مسارات خارجية اقليمية ودولية مختلفة معادية لم تعد، بفعل الآلية ذاتها، عنصرا طارئا على المشهد السياسي العربي، ذلك أن نتيجتها الحتمية أفضت بالضرورة إلى تكريس مروحة هائلة من الأحلاف والتحالفات العابرة للحدود، من خلال الربط الحيوي بين كل مكون من مكونات حاصل عملية التفكيك في كل تجربة بذاتها من جهة وبين مكونات أخرى تماثله خارج الحدود الوطنية من جهة أخرى، ما ألقى بظلال قاتمة على مفردات الهوية والانتماء والشعور المشترك والروح الجمعية، ودفع فئات واسعة من المجتمعات العربية ونخبها السياسية والفكرية إلى الارتماء في أحضان قوى خارجية لطالما أعتبر بعضها خصما لدودا.
عند هذا المنعطف، لا بد من الدعوة إلى إعادة التفكير بهذا المنحى من خارج صندوق التجربة المريرة والزائفة السابقة، على مستوى رؤية التقاطعات الوطنية الموضوعية المشتركة التي تجمع بين شعوب المنطقة، والنأي بالنفس عن آليات عمل ديماغوجيا المنظومات والنظم السياسية، التي تلاعبت، على مر العصور، بشعارات وحدة الموقف والمصير وحولتها إلى أصنام ورقية تعبد وطقوس ميتافيزيقية للتضليل وحرف القضايا المحورية عن مساراتها الطبيعية، وذلك يتطلب خلق بدائل توحيدية منهجية، من شأنها التصدي لعملية التفكيك المدمرة هذه، على قاعدة أن بديل المنهج التفكيكي لا يعني العودة إلى رومانسيات الوحدة العربية، وشعاراتها الطوباوية الرنانة، وان الوضع السابق لتغول هذه الظاهرة لا ينطوي على حل «المعضلة» بقدر ما يشكل أحد أهم مسبباتها، التي لا يمكن القفز عنها لحظة التحليل والمعالجة، وأن طرح مسألة التنسيق ووحدة الموقف والممارسة السياسية المشتركة يأتي في سياق ضرورات عملانية تفرضها عملية التحول الديمقراطي والتحرر الوطني في بلدان المنطقة بعيدا عن الميول الشوفينية.
كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة