الرباط ـ «القدس العربي» : كلما فتح رئيس الحكومة المغربية المعيّن فمه، إلا وخلّف كلامه زوبعة لا تهدأ إلا بعد أيام. آخر تصريحاته المثيرة تلك التي أطلقها الاثنين المنصرم خلال افتتاح المنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية الذي احتضنه مجلس المستشارين في الرباط، حيث استحضر ذكرى عشرين شباط/ فبراير المؤرخة لاندلاع احتجاجات اجتماعية وسياسية بالتزامن مع الربيع العربي، مشيراً إلى وجود خلل في توزيع الثروة بالمغرب.
وتلقفت الصحافة المحلية تلك التصريحات لتسهب في التعليق عليها، إذ كتبت صحيفة «الأخبار» إن عبد الإله بن كيران يستعير خطاب المعارضة ويلوّح بـ«فزاعة» تهديد الاستقرار. ونقلت عن المسؤول الحكومي قوله «لا يعقل أن يعيش أغنياؤنا حالة من الترف، في الوقت الذي يعيش المواطنون تحت خط الفقر»، وأضاف أن الاحتفال باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية يتلازم مع الاحتفال بانطلاق الاحتجاجات الاجتماعية في 20 فبراير بالمغرب، وأن هذا التاريخ هو تاريخ التعبير عن عدم الرضا، وهو حدث خطير وكبير، استطاع الشعب التعامل معه بذكاء. وهاجم بن كيران من وصفهم بالنخب المستفيدة، قائلاً: «على المستفيدين أن يعلموا أن من مصلحتهم الاستفادة بشكل أقل، حتى لا يمس أصل استفادتهم الذي هو الاستقرار، داعياً أرباب العمل الاستجابة للمطالب الاجتماعية من أجل الحفاظ على مصدر أموالهم.
وتحت عنوان «إرادة الحياة!» انتقد كاتب عمود في صحيفة «الأحداث المغربية» ترديد أسطوانة الاحتجاجات والتلويح بها في الخطاب السياسي من دون أي تحليل دقيق. وأشار الكاتب محمد أبو يهدة إلى أن بن كيران عاد ليقتبس من القصيدة ويردد بيت أبي القاسم الشابي الشهير «إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر»، ليقول إن «منطق الكون قضى بأن الشعوب تصل لما تريده»، وذلك في سياق حديثه عن النخب المستفيدة عبر التاريخ، مقابل الفئات الأخرى التي لا تجد سوى أن تنتفض وتحتج. وفي السياق نفسه، ربط بن كيران بين موضوع المنتدى الاجتماعي الذي احتضنته الرباط الاثنين المنصرم وبين حركة 20 فبراير، مؤكداً أن أسباب الاحتجاج في المغرب ما زالت موجودة، مشبهاً الوضع في البلاد بالجسد المريض الذي يتخبط كأنه «مسّه جان»، وعلّق الكاتب أبو يهدة على ذلك بالقول إن بن كيران لم يقدم أي اقتراح يمكنه أن يطور هذا الحوار للعمل على حل مشكلات مختلف الفئات الاجتماعية. كما أن «العجين الخطابي لبن كيران ـ يضيف الكاتب ـ لم يعط خبزاً، يمكن أن يتناوله المرء ليشبع جوعه، فالضربات العشوائية للرجل تكررت في الأيام الأخيرة، بسبب محنة المشاورات الحكومية التي ما زالت تنتظر بدورها استجابة القدر.» وأكد الكاتب نفسه أن «أسطوانة الاحتجاجات والتلويح بها في الخطاب السياسي، من دون أي تحليل رصين، هي بمثابة مزايدات، لسنا في حاجة إليها، وأضحت ورقة مكشوفة، لا يمكن لبن كيران أن يجني من ورائها سوى التفاهات. فإرادة الحياة تتجلى في العمل العقلاني على تدبير شؤون المواطنين وإبداع الحلول الواقعية لمشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية، وليس في تكرار الأسطوانات المشروخة، وتدبيج الرسائل المشفرة الموجهة إلى هذه أو تلك»، بحسب قول صاحب العمود.
وكتب الصحافي عبد الله الدامون، مدير صحيفة «المساء»، قائلا: «لن نصدق بن كيران في ما يهدد به، لأنه لن يقوم بأي شيء، فليس من طبيعة الحمامة أن تتحول إلى صقر بين عشية وضحاها، لكن الرجل يريد أن يقول إنه لن يكون مجرد قنطرة متحركة تم العبور فوقها بسلام خلال «خلعة» (خوف) الحراك المغربي، وأنه يجب أن يقبض الثمن كاملا، والثمن الكامل هو البقاء رئيساً للحكومة لخمس سنوات أخرى، وهذا أضعف الإيمان».
واختارت صحيفة «زنقة 20» الإخبارية لتقريرها العنوان التالي: «تهديد ده ولا مش تهديد. بن كيران يحذر من فقدان الاستقرار بالمغرب تزامناً مع ذكرى 20 فبراير.»
ونقل موقع «لكم2» عن مصطفى اليحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة الحسن الثاني بمدينة المحمدية، قوله إن «الأزمة الواقعة حالياً بين رئيس الحكومة من جهة والأحزاب الأخرى هي أزمة مصالح وتموقع في الحكومة المقبلة»، بحيث «أن الصراع الحقيقي هو بين الطرفين المعنيين بتشكيل الحكومة، «العدالة والتنمية» بخطابه التخليقي، و«التجمع الوطني للأحرار» الذي يتفاوض بمصالح الحظوة المخزنية». وأضاف المتحدث أن تصريحات بن كيران الأخيرة، استهدفت بشكل مباشر هذه الحظوة «المخزنية» (السلطوية) التي تشكّل جزءاً أساسياً من أزمة تشكيل الحكومة، بحيث أن «بن كيران طالبها بضرورة التوزيع العادل للثروات، وهو شعار رفعته الحركة الوطنية في وقت سابق، كما كان أحد المطالب الأساسية للحراك الشبابي إبان مرحلة 20 فبراير». وأكد الباحث نفسه أن بن كيران لا يتردد في استدعاء خطاب «العدالة الاجتماعية» ليوجه رسالته لمن يهمه الأمر، والمقصود لمن يهمه الأمر حسب المتحدث، هو حزب «التجمع الوطني الأحرار»، مشيراً إلى أنه «لأول مرة يستدعي رئيس الحكومة منطق التفاوض حول الثروة لإبراز إشكالية المصالح المبطنة للحظوة المخزنية، أي اعتبارها إشكالا حقيقيا اليوم في تدبير الأزمة».
في حين اعتبر حسن طارق، المحلل السياسي وأستاذ القانون الدستوري في جامعة محمد الخامس بالرباط، التصريحات الأخيرة لعبد الإله ابن كيران استمرار النظرة نفسها والخطاب نفسه الذي يركز على استثمار أحداث «20 فبراير»، لكن الذي ميزها هذه المرة هو توقيتها المرتبط بحالة الأزمة السياسية التي تشهده البلاد منذ انتخابات 7 تشرين الأول/ أكتوبر. وأوضح أن «تصريحات بن كيران مصدر قوة وفي نفس الوقت مصدر هشاشة، على اعتبار أن الكلام المباشر لم تتعود عليه الطبقة السياسية من قبل وهو غير مسبوق لما بعد المسؤولية، وهي أيضا مصدر هشاشة لما تحمله من توترات داخل مطبخ السلطوية.»
على صعيد آخر، كشف استطلاع رأي قام به الموقع الإلكتروني لصحيفة «أخبار اليوم» أن 52 في المئة يؤيدون تقديم بن كيران لاستقالته، فيما يعارض 48 في المئة ذلك.
الطاهر الطويل