لندن – «القدس العربي»: للوهلة الأولى تبدو حكومة ترامب كإدارة حربية من كثرة الجنرالات العاملين في الجيش أو المتقاعدين ممن عيّنهم في مناصب كبرى. وكان آخر اختياراته الجنرال أتش أر ماكماستر الذي لقي تعيينه كمستشار للأمن القومي ترحيباً حتى من صقور الحزب الجمهوري في الكونغرس. ويوصف ماكماستر بالجنرال المحارب- العالم/المثقف الذي لا يتردد في قول «لا سيدي» لرؤسائه.
ولأول مرة يصعد إلى مجلس الأمن القومي ثلاثة جنرالات يحتلون المناصب العليا، وما يجمع «الترويكا» أن أفرادها مشوا على رمال العراق وقاتلوا في أكثر الحروب الأمريكية كلفة منذ حرب فيتنام. وسيعمل الثلاثة في «غرفة الأزمة» في البيت الأبيض من أجل تحديد السياسة الخارجية للرئيس وتحريك الدفة في عالم مضطرب. وقد جاء وزير الدفاع جيمس ماتيس وجون كيلي وزير الأمن الداخلي من قوات البحرية وعملا في العراق وأفغانستان.
جيل الحرب
وترى صحيفة «نيويورك تايمز» أن صعود الجنرالات الثلاثة للمناصب السياسية في مجلس الأمن القومي يعكس جيلاً من القادة العسكريين الذين نضجوا خلال حروب أفغانستان والعراق بمرحلة ما بعد هجمات 9/11، وعرف كل واحد منهم ما تعنيه خسارة الحرب وتعلم من الدروس حتى لا تتكرر الأخطاء. ووصلوا إلى المناصب التي يحتلونها اليوم لأنهم عبّروا عن مواقفهم بصراحة. ويقول توم كوتن، النائب الجمهوري عن أركنساس، والذي خدم في العراق «هذا جيل من الجنرالات الذين مرّوا بتجارب خاصة عندما لم نكن ندير المعركة بشكل صحيح»، و«هم يعرفون أن القوات الأمنية والعسكرية هي المتطلبات الرئيسية لكنها لا تكفي. وهذا الجيل الذي نشأ في العراق يفهم هذا أكثر من الجيل الذي سبقه».
وتقول الصحيفة إن كوتن كان واحداً من بين الذين أقنعوا البيت الأبيض بالنظر في تعيين الجنرال الذي عرف خلال السنوات الماضية بمواقفه التي انتقدت الآراء التقليدية حول حربي العراق وفيتنام. ويعلّق كوتن أن ترامب هو رئيس غير تقليدي ويناسبه أن يعمل مع شخص فكّر خارج السرب وصدقت توقعاته.
وفي الوقت الذي عبّر نقاد الإدارة عن مخاوفهم من صعود العسكريين فيها عبّر آخرون عن أملهم من أن يكونوا بمثابة الموازن للأفكار السيئة. وقال السيناتور الجمهوري عن ولاية أريزونا جون ماكين «أظهر الثلاثة استقلالية ومواهب وحسب رأيي عظيمة وعرفت الكثير عنهم خلال السنين». وتقول الصحيفة إن الطريقة التي سيقوم بها الثلاثة بالتأثير وتشكيل مواقف ترامب يظل سؤالاً مفتوحاً، خاصة أن ترامب أظهر مواقف مؤيدة لإعادة العمل بالتعذيب في معتقلات مثل غوانتانامو الذي قال إنه سيتركه مفتوحا وسيزيد من نزلائه، وعندما اعترض ماتيس تراجع ترامب. وفي موقف آخر لم يتم إخبار كيلي بقرار منع المسلمين من 7 دول دخول الولايات المتحدة، وهو القرار الذي علقت المحاكم العمل به لأنه غير دستوري. وسيكون لماكماستر مكتب في الجناح الغربي من البيت الأبيض ليس بعيداً عن مكتب ترامب وسيتعامل مع الرئيس بشكل يومي أكثر من الآخرين، ولكنه الأقل معرفة وخبرة في واشنطن، ويعني هذا تعلم بناء توازن مع عدد من الدوائر، خاصة وزارتي الدفاع والخارجية والمخابرات (سي آي إيه) والكونغرس. وفوق كل هذا يجب عليه بناء علاقة عمل مع ترامب الذي لم يسمع أبداً عن الجنرال إلا قبل اسبوع واحد حسبما يقول كوتن.
وسيواجه ماكماستر إشكالية أخرى تتعلق بكيفية التعامل مع مدير استراتيجيات البيت الأبيض، ستيفن بانون والذي منح مقعداً في مجلس الأمن القومي ولعب دوراً في السياسة الخارجية.
سير وتواريخ
ماكماستر أعد أطروحة دكتوراه من جامعة نورث كارولاينا حول «إهمال الواجب: ليندون جونسون وروبرت ماكنمارا والأكاذيب التي قادت إلى فيتنام»، أما ماتيس فهو طالب تاريخ ويحب الإشارة في كلامه إلى شيشرو وكلاوزفيتز كما أشار وزير الدفاع السابق روبرت غيتس. وتولى كيلي، القيادة الجنوبية حيث قضى وقتاً في حماية الحدود الجنوبية ومحاربة المخدرات ومثل المارينز في الكابيتال هيل، حيث تعرف على طريقة عمل الكونغرس. وقال غيتس «من الواضح أن الحروب لعبت دوراً في تشكيل شخصية هؤلاء الثلاثة وكذا سمعتهم».
وأضاف الوزير الذي عمل في إدارة جورج دبليو بوش وباراك أوباما إن هناك شيئا أعمق من الحرب في شخصية هؤلاء وهو ما يطمئن. وتدرج كيلي وماتيس في قوات البحرية حيث ترفعا إلى درجة جنرالات بأربع نجوم. وعمل كيلي مساعداً للفرقة الأولى من البحرية تحت ماتيس وذلك في المراحل الأولى من حرب العراق عام 2003 ثم عاد عام 2004 ومرة ثالثة عام 2008 حيث أصبح أكبر قائد أمريكي في غرب العراق. وفي الوقت الذي ركزت قوات المارينز على محافظة الأنبار، ركز ماكماستر وفوج الفرسان الثالث المدرع على تلعفر في الشمال. وقام في عام 2005 بإعادة كتابة قوانين محاربة التمرد والتي ركزت على «نظف، حافظ وابن». ومع إنجازاته الكثيرة إلا أن قادة الجيش لم يعترفوا أحيانا بها وتم تجاوزه أكثر من مرة من الترفيعات حيث تدخل غيتس شخصيا وطلب من ديفيد بترايوس الإشراف على مجلس الترفيع للتأكد من حصول ماكماستر على نجمته الأولى.
ولم يكن ماتيس بالقدر نفسه من التناسق، فعندما قاد فرقة المارينز الأولى في أفغانستان بعد هجمات إيلول (سبتمبر) 2001 وطلب من قادته الإذن ملاحقة القاعدة إلى «تورا بورا» لم يعط وهو ما سمح لأسامة بن لادن الهروب. وفي عام 2004 رفض ماتيس قرار وقف الهجوم على الفلوجة والذي اعتقد أنه قرار سياسي. وعندما كان كيلي، مديراً للقيادة الجنوبية دعا إلى إعادة منشآت سجن غوانتانامو رغم سياسة إدارة أوباما الرسمية وهي إغلاق المعتقل. وفي عام 2010 قتل ابنه الجنرال روبرت مايكل كيلي في أفغانستان نتيجة لغم أرضي. ويرى ديفيد بارنو، الجنرال المتقاعد وقائد القوات الأمريكية في أفغانستان سابقا إن الثلاثة سيتخذون مواقف معتدلة من ناحية استخدام القوة «وهذا لا يعني أنهم سيترددون باللجوء للقوة العسكرية لكن ستكون لديهم رؤية ليست متوافرة لأحد في البيت الأبيض».
الخطر الروسي
وجاء ماكماستر من «مركز دمج القدرات» حيث كان يركز على إعادة تشكيل الجيش الأمريكي وما يجب أن يكون عليه بحلول عام 2025 أو ما بعد. وجاء في تقرير لمجلة «بوليتكو» أن الجنرال ركز على قراءة وتحليل خطط لمواجهة الأسلحة الروسية التي يعتقد أنها تهديد متزايد ضد الإستقرار العالمي واستخدمت أسلحتها في التوغل داخل أوكرانيا. وتعلق أن تركيز الجنرال على روسيا سيضعه في مواجهة مع ترامب الذي لم يخف إعجابه بالرئيس فلاديمير بوتين ولم يول اهتماماً للنزاعات العدوانية. وأشرف على دراسة عسكرية سرية حول الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2014 والتي كانت تهدف للبحث عن طرق لمواجهة الجيش الروسي والتكيف مع تقدمه. وأخبر ماكماستر لجنة في الكونغرس «من الواضح أنه في الوقت الذي كان جيشنا يشارك في أفغانستان والعراق، درست روسيا قدراتنا ومظاهر ضعفنا ومضت في عملية تحديث طموحة وناجحة للجيش».
بناء جسور
وتقول «بوليتكو» إن تعيينه قد يساعد على بناء جسور مع الكونغرس الذي يعتبر نوابه الجمهوريين من أشد نقاده. واعتبر السناتور جون ماكين رئيس لجنة القوات المسلحة في الكونغرس تعيين ماكماستر خطوة إيجابية «أعطى الرئيس ترامب رصيداً كبيراً لهذا القرار وكذا اختياراته في مجال الأمن القومي». واضاف ماكين «كان لي الشرف لمعرفة ماكماستر لسنوات طويلة وهو رجل مثقف حقيقي وشخصية وقدرة ويعرف كيف ينجح».
وقال ماكين «لا استطيع تخيّل فريق أمن قومي أفضل من الموجود الآن». وتعلق المجلة أن ماكماستر يواجه تحديات كبيرة لإصلاح الدفة بعد البداية الصعبة مع فلين، الذي عزل من عمله بعدما كشف أنه ضلّل نائب الرئيس مايك بينس في ما يتعلق بحديثه مع السفير الروسي في واشنطن. وجاء تعيينه بعدما رفض الأدميرال بوب هاوراد الوظيفة لانه لم يحصل على تأكيدات من أنه سيكون حراً في اختيار فريقه، وان يكون مستقلاً عن الطبقة القريبة من ترامب خاصة مستشاره بانون والذي منحه منصبا دائما في المجلس وكذا صهره جارد كوشنر.
ويقول فيليب كارتر، من مركز الأمن الأمريكي الجديد إن ماكماستر سيواجه مهمة صعبة لفرض النظام والانضباط على بنية الأمن القومي في البيت الأبيض التي افتقدت الأمرين منذ تولي ترامب السلطة.
ويظل الجنرال الجديد حسب مايكل أوهلان، المحلل الدفاعي في معهد بروكينغز «أكثر الجنرالات بثلاث نجوم ذكاء في الجيش الأمريكي اليوم»، وقال إنه حقق انجازات في عدد من المجالات وحروب التمرد خاصة في أفغانستان. وأشار إليه جورج بوش في خطاب له عام 2006 عندما تحدث عن وحشية تنظيم القاعدة.
الموقف من الإسلام
وفي تحول آخر عن فلين حاول ماكماستر التفريق بين انحراف الإرهاب المنسوب للإسلام والدين نفسه. ففي خطاب له أمام معهد فرجينيا العسكري قال «سنهزم أعداءنا اليوم بمن فيهم المنظمات الإرهابية، مثل (الدولة الإسلامية) التي تستخدم تفسيراً منحرفاً عن الدين لإثارة الكراهية وتبرير الوحشية الفظيعة ضد المدنيين». وسينعكس هذا الموقف على سياسة الإدارة الخارجية وتتصادم مع موقف دعاة «صدام الحضارات» الذي يمثله بانون وفلين قبل عزله. وفي هذا السياق كتب ماكس بوت متسائلا عن السياسة الخارجية للإدارة.
وفي مقاله بمجلة «فورين بوليسي» قال فيه إن السؤال الذي طرحه هنري كيسنجر في كتابه الذي نشره بين فترة «نهاية التاريخ» التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وهجمات إيلول (سبتمبر) «هل تحتاج أمريكا سياسة خارجية؟» كان سؤالاً جدلياً وأصبح اليوم في ظل إدارة ترامب موضوعا حقيقيا، فهي لا تملك على ما يبدو سياسة خارجية أو «حتى نكون دقيقين لديها عدد من السياسات الخارجية». ويشير الكاتب هنا للموقف الذي أبداه ترامب من التسوية السلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعد لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 15 شباط /فبراير الحالي ورفض فيه حل الدولتين.
وتحدث الكاتب هنا عن التناقض بين ما قاله ترامب وما قالته سفيرته في الأمم المتحدة نيكي هيلي عن تمسك واشنطن بحل الدولتين. وعرف لاحقاً أن سبب التناقض نابع من عدم استشارة وزير الخارجية ريكس تيلرسون في موضوع التحول في السياسة تجاه التسوية والتخلي عن موقف ظل معياراً للموقف الأمريكي خلال العقدين الماضيين.
وكما قال أحد المسؤولين البارزين «لم يفكر أحد في البيت الأبيض في إعلام أكبر دبلوماسي (تيلرسون)، لأن الجميع يعرف أن جارد (كوشنر) هو من يدير أي شيء متعلق بإسرائيل». ولم يكن هذا حادثاً معزولاً، ففلين الذي عزل الأسبوع الماضي لم يستشر وزارة الدفاع قبل تهديده إيران في الاول من شباط (فبراير) الحالي. وكما أوردت مجلة «نيويوركر» في ملفها عنه فقد تم تجاهل محاولات وزارة الدفاع تخفيف لهجة التصريحات وحذف النقد لإدارة أوباما منها. وجاءت تصريحات فلين من دون تحضيرات من وزارة الدفاع أو القيادة المركزية لتداعيات ما قاله والإستعداد لحرب محتملة مع إيران.
تأثير محدود
ويعلق بوت قائلا إن الآمال في تأثير ماتيس وكيلي وتيلرسون والآن ماكماستر على الإدارة تظل قليلة. فعلى هؤلاء أن يقاتلوا بانون للحصول على التأثير وكذا كوشنر الذي منح صلاحيات واسعة في الأمور المتعلقة بالمكسيك وإسرائيل. بل وقام بانون بإنشاء مجلس الأمن القومي الخاص به وسمّاه « مجموعة المبادرات الإستراتيجية» وملأها بالمعادين للمسلمين مثل المتطرف سبستيان غوركا. وكشف بانون عن التأثير الذي يمارسه عندما اعترض على تعيين إليوت أبرامز نائباً لتيلرسون، وأبرامز اليهودي يعتبر من المحافظين الجدد وعمل مع الإدارات الأمريكية منذ رونالد ريغان، مقارنة مع بانون الذي خدم خارج الحكومة كضابط صغير في البحرية. واستطاع بانون التعطيل على تعيين أبرامز من خلال الإشارة لمقال كتبه العام الماضي وانتقد فيه ترامب.
وهذا لا علاقة له بالولاء خاصة أن ريك بيري الذي اعتبر ترامب «سرطان المحافظين» عُيّن كوزير للطاقة. وبالنسبة لموضوع أبرامز فالأمر متعلق بالخبرة التي لا يملكها بانون. ويقول بوت إن «إصرار الرئيس بانون» كان وراء رفض هاوراد منصب مستشار الأمن القومي بعدما قال ترامب انه لن يستطيع اختيار نائبه. ويقال إن الجنرال بترايوس انسحب من الترشيح بعدما اكتشف نفس الأمر. ويرى بوت أن ماكماستر الذي اختير أخيراً سيجد صعوبة في تحقيق النظام والإنضباط في مجلس الأمن القومي مع استمرار كل من كوشنر وبانون بمواصلة سياستها الخاصة في وقت يقوم فيه الرئيس بإصدار تصريحاته النارية والملتهبة عن السويديين بالإضافة لتخريبه كل أسس السياسة الخارجية. ويراقب المسؤولون الأجانب بدهشة هذا الإستعراض الغريب ويتساءلون عن المسؤول الذي يتحدث باسم الولايات المتحدة.
وكان هذا واضحاً في نهاية الأسبوع الماضي عندما شارك مايك بينس، نائب الرئيس وجيمس ماتيس في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي اتخذ موقفاً متشدداً من روسيا. ولكن المسؤولين الأوروبيين واعين للمواقف التي عبّر عنها ترامب بشأن الناتو وإعجابه بفلاديمير بوتين حيث تحدث عن «صفقة» مع روسيا. وفي هذا السياق ذكرت مجلة «تايم» أن «مجموعة المبادرات الإستراتيجية» التي أنشأها بانون تقوم بإصدار « تقييماتها الخاصة وسياسات بديلة لروسيا» وتضم تخفيف الوجود الباليستي الأمريكي في وسط أوروبا أو تخفيف العقوبات التي فرضت بعد غزو أوكرانيا أو تخفيف اللغة بشأن ضم شبه جزيرة القرم وهي خيارات لا تتناسب واللغة المتشددة التي تحدث بها كل من بينس وماتيس في ميونيخ.