تعاشيب من بلاد الكيخوتي: أنا الرجل الذي تعرفون!
العياشي أبو الشتاءتعاشيب من بلاد الكيخوتي: أنا الرجل الذي تعرفون!من الأعمال الإبداعية التي كتبها سرفانتس عمله المعروف، المسمَّي رحلة جبل البرناس، وهي رحلة خيالية تتمثل أطوارها في تجميع جيش عرمرم من الشعراء للذهاب بهم الي مقام آلهة الشعر وربات الإلهام بجبل البرناس، ببلاد اليونان حيث أبولو جالس علي عرشه، للدفاع عنه من هجوم يُبيِّتُ له الشعراء الرديئون جاؤوا المقام لتدنيسه والاعتداء علي سادنه وحارسه أبولو. والرحلة الخيالية المذكورة، جاءت في شكل قصيدة طويلة، ذات نفس وأجواء ملحمية، وهي من نوع الشعر الساخر، الهازل، كتبها سرفانتس، في قالب شعري، في شكل ثلاثيات، فاقت الألف، مقسَّمة الي ثمانية فصول، تنتهي بعودة البطل السارد من جبل البرناس الي مدريد متعبا بعد نصرة أبولو في حرب ضروس وانتصار الشعراء الجيدين وانهزام الشعراء الرديئين الذين دارت عليهم الدوائر فتفرَّقوا في الأرض فلولا يجرون أذيال الهزيمة والخزي.ورغم طول هذا العمل وامتداده واتساعه وتشعُّب أحداثه ومواقعه ووقائعه وتداخلها، وكثرة الشعراء والكتاب الذين ينسجون ملحمة الفعل في هذه الرحلة، بما لهم من جوانب إيجابية وما عليهم من ملاحظات وانتقادات يسوقها المؤلف، رغم هذا الاتساع والامتداد، فإن سرفانتس أحس بينه وبين نفسه، أن هناك أشياء انفلتت منه، ولم يقلها، ويفصح عنها، فظلت مكتومة في الضمير، فأراد أن يبين عنها ويستدركها، فكتب عملا آخر، سماه تكملة رحلة جبل البرناس، فجاءت بمثابة ذيل إن لم نقل تحشية علي الرحلة الخيالية الي جبل البرناس، وقد كتب سرفانتس التكملة نثرا ولم يكتبها شعرا، (هل كان في عجلة من أمره؟) وجاءت قصيرة.يستهل سرفانتس التكملة بفاتحة مقدماتية تكرس الوصل بين نهاية الرحلة الي جبل البرناس وتكملتها. تقول الفاتحة:قضيت أياما أسترجع فيها قواي، إثر عودتي من رحلة طويلة، فخرجت بعد ذلك من (البيت) لأري ويراني الناس، ولأتلقي تهاني الأصدقاء واستنكار الأعداء… وحدث أن كنت خارجا ذات صباح من دَيْر دي أتوشا، فاقترب مني شاب عمره علي ما يظهر يقارب الرابعة والعشرين عاما، وبصوت رصين وهاديء قال لي: يا للصدفة! أليست سعادتكم السيد ميغيل دي سرفانتس سافدرا، العائد منذ أيام من جبل البرناس؟وعلي أثر هذا السؤال، أراني فقدت لون وجهي، لأنني، وفي لحظة، تخيَّلت، وقلت بيني وبين نفسي أيكون هذا واحدا من الشعراء الذين وضعتهم، أو أغفلت وضعهم في رحلتي الي جبل البرناس وها هو الآن قد جاء ليجازيني الجزاء الذي يتخيَّل أنه دين عليه إزائي، لكنني استخرجت من الضعف قوة وأجبته: أنا أيها السيد، هو الرجل نفسه الذي تقول، ماذا تطلب مني؟وهكذا، فإن هذه المقدمة الواصلة بين نص الرحلة الي جبل البرناس وتكملتها تؤمن الانتقال بين النص الأول والثاني من حيث أنَّ البطل الراوي في نص الرحلة إلي البرناس يعود إلي مدريد متعبا بعد أن قام بمهمته وبعد استراحته يعود في التكملة لاستئناف تجواله، وان كان في هذه المرة ليس في البلاد البعيدة، وإنما في العاصمة مدريد. في نص الرحلة الي جبل البرناس، يختفي المؤلف وراء البطل الراوي بضمير المتكلم، وفي التكملة يصرح المؤلف باسمه جهارا صراحا، ويقول لسائله: نعم أنا ميغيل دي سرفانتس لماذا هذا التحول في تموقف البطل بين الخفاء والظهر والجواب عن هذا التموقف المتحول يمر عبر القصد الذي سعي إليه سرفانتس في العملين: النص تكملة.ففي الرحلة كان القصد هو التعليق بالتقريظ أو الانتقاد علي الشعراء المشاركين في الرحلة، وفي التكملة كان القصد هو الرد علي الانتقادات التي وجهت لرواية دون كيخوطي دي لامانشا من جهة، ومن جهة أخري، التعريف بالأعمال التي كتبها وخاصة منها تلك الأعمال التي لم تصلنا، مع العلم بأنه في الرحلة إلي البرناس، وفي حضرة أبولو قام بامتداح أعماله الأدبية الأخري ليثبت مكانته الإبداعية، سيما وأنه لم يمنح مكانا من طرف أبولو فظل واقفا، غاضبا لهذا الإهمال، واستتباعا لما قصده سرفانتس من التكملة سعي إلي توجيه أحكام ونصائح إلي شعراء اسبانيا علي عهده، وهكذا تقوم التكملة هنا بوظيفة الاستدراك والرد وتسديد النصح لشعراء انطلاقا من رؤية معينة للشعر كان يؤمن بها سرفانتس، خاصة وأنه طمح إلي أن يكون شاعرا مرموقا لكنه أصاب المحزَّ، كما يقال في القص والحكي ولم يسطع نجمه في الشعر.فالتكملة والملحق والذيل والصلة والتحشية والهامش والتعليق وما هو في معاني هذه الألفاظ والدلالات، تلتقي في عام مشترك، رغم تباينها، هو أنها تكمِّل النقص الحاصل في الأصل الذي جاءت لتحشي أو تعلق أو تذيّل عليه، هكذا إذن، فالتكملة هي استدراك علي شيء سقط سهوا أو عمدا أو انحيازا ضدا، وهي مثل التحشية والملحق إتمام لنقص حاصل في الأصل، ألم يؤلف ابن شاك الكتبي المشرقي كتابه فوات الوفيات ليكمل ويستدرك ما سقط سهوا من كتاب وفيات الأعيان للأندلسي ابن خلكان. بهذا المعني تموقف سرفانتس في عمله التكملة صريحا، جهارا، نهارا، ليرد علي منتقديه وليمتدح بعض أعماله. وأخيرا ليبلغ رؤيته حول الشعر وما ينبغي أن يكون عليه عند الشعراء.شاعر وكاتب من المغرب0