أغنية نفسي : عن أدب العجيلي

حجم الخط
0

أغنية نفسي : عن أدب العجيلي

ممدوح عزام أغنية نفسي : عن أدب العجيليما زلت أذكر ما حدث لي يوم قرأت قصة الشّباك لعبد السلام العجيلي، وهي إحدي قصص مجموعة قناديل اشبيلية قبل أكثر من خمس وثلاثين سنة، فقد أغلقت الكتاب، مُتأثراً، ومُضطرباً، ازداد خفقان قلبي، وارتفع توتري، وانخرطت بعد دقائق في فيض ٍ من الأسئلة، استقصي بها، وفيها الإجابات الممكنة عن السؤال المركزي الصادم في نهاية القصة: لم مات عارف؟ واكتشفت إثرَ تأمل ٍ وتفكيرٍ عميقين، أنّ لدي حزمة موازية من الاقتراحات والافتراضات أو القراءات المتعددة، قد نقول إنه القدر، أو إنه الهلع من المطاردة، أو هو الرغبة في الموت، أو الارتباك والضغط النفسي الشديد، أو التهاب الزائدة الدودية. ولكن أيّاً من هذه الاقتراحات لم يستطع أن يستغرق القصة و أحداثها، ولم يُجب إجابة جازمة ونهائية عن سؤالها. وسأعترف بأنني لم أعثر علي جواب. ولكنني لم أنسَ القصة قط، وظلّ إعجابي بها، وتأثري بمناخها (وبشخص عارف حصراً) يتناميان، إلي أن قصصتها علي شلة من الأصدقاء، وحينئذ رجّح أغلبهم كفة القدر، فزاد هذا في اضطراب موقفي منها. أما حين قرأها واحدٌ منهم، وعرفت أنه نقض كلامه عن ترجيح القدر، فقد اكتشفت أمراً آخر وهو أنّ تحوّل النص الأدبي إلي حكاية، يُمكن أن يَسلبه توتره السردي، وتمثيله الرمزي أو الكنائي، مثلما يضعه في خط دلالي وحيد.لهذا عدت إلي القصة مرات ٍ عديدة، في محاولات لفكفكة عقدتها السردية، أو معرفة مغزاها، أو استنطاق خطابها الفكري، وفي كل هذه المحاولات كنت ألاحق قطباً واحدا ـ وإن كان مُتعدد الشعب ـ هو قطب المعني.لا أنكر أنني أدنت القصة في أحد التأويلات، حين اقتنعت أنها ترزح تحت وطأة الرضي والتسليم أو الخنوع في قراءة أخري، لهيمنة القدر علي المصير البشري، أو هي تحط من شأن الإرادة والاختيار الإنسانيين لصالح جبر ٍ غاشم. وإذا كانت هذه الإدانة قد أراحت ضميري من الناحية الفكرية، فإنها لم تتمكن من انتزاع إعجابي بالقصة، وحنيني الدائم لقراءتها من جديد… وهو ما كان يُعيدني إلي السؤال الفاعل والجوهري : ما السرّ الجاذب في هذه القصة ؟! لا بُدّ أنّ ثمة ما يتجاوز نطاق المعني، يمنحها مادة البقاء والتأثير، فهل الجواب كامن في بُنيتها نفسها، في القص ذاته، في الأداء والتقديم؟ هل هي قصة غامضة؟ أو مُلتبسة؟ ولكن ألا يُمكن أن نجد لغة ً مختلفة لقراءة مختلفة ؟!يذكر من قرأ هذه القصة أنّ العجيلي قدّم لها، بقصة شهيرة من قصص الأنبياء هي التالية : قال الخضر لصاحبه: هذا ملك الموت قادمٌ إلينا، فاستولي علي صاحبه الفزع وقال له: يا نبي الله إني خائف. أدع ربك أن ينقلني الساعة إلي الهند. فدعا الخضر ربّه، فأرسل الله ملكاً حمل صاحب الخضر إلي الهند في ساعته. وتقدّم ملك الموت وعلي ملامحهُ الدهشة إلي الخضر، فقال له الخضر: ماذا يُدهشك ؟ قال ملك الموت: يُدهشني أني رأيتُ صاحبك هنا، وفي لوح الأزل مكتوبٌ أني أقبض روحهُ اليوم في الهند .تقول إحدي شخصيات رواية أوبابا كواك للكاتب الأسباني برناردو اتشاغا إنّ هذه هي أفضل قصة في العالم، ذلك أنّ القصص في رأي شخصيات الرواية، والراوي فيها، تنقسم إلي قسمين فقط: جيدة أو سيئة!وسبق أن قال غابرييل غارسيا ماركيز في حواراته مع بلينو مندوزا : إنّ واجب الكاتب، واجبه الثوري…. هو أن يكتب بشكل جيّد ، فهل يُمكن أن يكون هذا هو المفتاح !! في مرات كثيرة كنت أسأل المهتمين بالقراءة والمطالعة من الرجال والنساء الذين أعرفهم، هل قرأتم قصص عبد السلام العجيلي؟ وكان الجواب يأتي بالنفي غالباً. فأقدّم للصديق أو الصديقة كتاباً له، وحينئذ تظهر المفاجأة، وهي أنهم جميعاً كانوا يعترفون بجمال قصصه. وأنتم تعرفون الكلمة التي يستخدمها القارئ العادي في لهجتنا المحليّة للتعبير عن إعجابه بقصة: حلو!! هذه الحلاوة هي الجرعة المحسوبة والضامنة لأي نص أدبي في العالم كله، وفي اعتقادي أنها الإملاء الوحيد، أو الشرط الجائز الذي يُمكننا كقرّاء أو نقاد، أو كتّاب أن نمليه أو نشترطه علي أي كاتب. وهو ينطوي بالضرورة علي النتائج التي يرغب فيها الكاتب. أي أن يكون مقروءاً. وأن يُقال أنه كاتب جيّد، حلو، جميل..!وأي خطاب قومي، أو وطني أو طبقي أو إنساني، أو فلسفي أو عاطفي، يُمكن أن يفسد أو يتضعضع أو يفقد جوهر رسالته، إذا ما زال عنه طعم الحلاوة.أذكر الآن أنّ عبارة ماركيز التي تصدرت الترجمة الأولي لروايته الشهيرة مائة عام من العزلة قد صححت نظرة جيل، أو أجيال من الكتاب والنقاد والقرّاء تجاه الأدب في المحيط العربي، والداخل السوري علي وجه الخصوص. وكنت أتمني أن يزداد مفعولها أكثر. ونصيب عبد السلام العجيلي منها كبير، وقد خلصت قصصه، حين أضحت جزءاً من البينة الفكرية للجيل الشاب من القرّاء والكتاب، من نقد سائد سبق أن تناول أعماله من باب السياسية، أو الأفكار أو الأيديولوجيا، فوصف مرّة بأنه من شواهد المجتمع القديم، وقيل عنه مرّة إنه يُمثل القيم الإقطاعية في القصة السورية، وأشار ثالث إلي أنه يُعادي العلم أو يُساويه بالخرافة، وقد نجم عن فعل هذا النقد بلبلة في وجهتين: إحداهما تنفير القرّاء من أدب العجيلي، والثانية إفساد جيل من المواهب الشابة. فالكتابة النقدية أخذت شكل المقرّر المدرسي، ومالت إلي رسم أو وضع جملة من الإملاءات والمساطر الفكرية. من اتجاهات وتيارات إيديولوجية مُتعددة. وأنا أتحدّث هنا عن كثير ممن أعرفهم من أبناء جيلي. كان من الخاسر أن نكتب وفق اللوائح، ودفاتر الشروط. حتي لو كانت تدعونا للكتابة عن الفرح والأمل والبطل الإيجابي، والصراع الطبقي كوصفات وحيدة، ومن الصعب في الوقت نفسه أن تكتب ضد ذلك في مناخ مُسيطر يقمع المخالفة، أو يصادر الكتابة الخارجة عن المقرّر، أو يتجاهلها حتي لو كانت جيدة. واسمحوا لي أن أشير مرّة أخري إلي أنّ شرط الكتابة هو الجودة، أما الموضوعات فهي حرّة، مطلقة بلا قيود، بينما كنا هنا نقدّس الموضوع ونحتفي بالفكرة، حتي لو جاءت علي حساب أو نفقة الكتابة الجيدة.في قصص عبد السلام العجيلي حلاوة آسرة بالفعل، وإذا ما تأملنا مطالع قصصه، سوف نجد أنّ أول ما يفعله هو الإمساك بتلابيب القارئ. وليس بوسع القارئ أن يتخلي عن قصة العجيلي، بعد أن يقرأ الأسطر الثلاثة أو الأربعة الأولي منها. وقصصه تميل إلي استعارة صياغات الحكاية، ونهجها في التشويق ـ ولم لا؟ ـ ولكننا نري أنّ القصة سرعان ما تنحو داخل حقلها كنص أدبي يتباين ويختلف عن منطوق الحكاية.واسر البدايات أو مشوقها لا يكفيان، ولا يتوقفان داخل المتن أيضاً، فالسرد يظلُ مُستمراً متواصلاً ببطء أحياناً، أو بسرعة، محافظاً علي الإيقاع الجاذب ذاته، ليأخذنا بمهارة وحب إلي النهايات. وعندها سوف نلاحظ أمراً آخر مختلفاً عن البدايات. سوف يتركك العجيلي في النهاية وعليك أن تعيد بناء القصة مرة أخري مُرغماً أو مُضطراً: شيء ما شبيه بما قاله فولتير ذات يوم: إنّ أجمل الكتب (أو القصص هنا) هي التي يكتب نصفها خيال القارئ.ليست لدي العجيلي نهايات، والأفضل أن أقول أنّ لديه نهايات وليست خواتم. فالخاتمة قفل، لا يتمدد النص خارج حدودها، أما النهاية فإنها تنفتح علي آفاق يُمعن الخيال ـ خيال القارئ ـ فيها، من أجل إعادة تركيب القصة، أو مشاركة الكاتب في الإمكانات المتعددة الممنوحة من قبله للتخيّل، ومعرفة أو توقع النهايات.وقصصه عصيّة علي التلخيص، مثل أي عمل جيّد، إذ أنّ هذا الإجراء يسلب النص قوّة الحضور، ولا حضور إلا بالاكتمال، وأكثر قصصه مكتملة، لا من حيث المعني، فهذا ما ينقصها دائماً، وهو نقص إيجابي فعّال مُحرّض، بل من حيث الأداء والبناء، والحوار واللغة والشخصيات، وغير ذلك من عناصر القصة. وهذه واحدة أخري من فضائل الجمال أو الحلاوة التي أشرت إليها. يُمكنني أن أتحدّث عن تغلغل العالم الغرائبي أو السحري أو العجائبي (خذ ما شئت من مصطلحات الأدب الأمريكي اللاتيني) في قصص عبد السلام العجيلي، وهو ما كان النقد لأدبي في سورية، يُشير إليه علي أنه نكوص إلي الأسطورة والخرافة والقوي الروحيّة. الباهر هنا أنّ العجيلي سار علي الدرب وحده، بفضل وعي مُبكر بطبيعة الأدب، والكتابة القصصية التي تحتفي بذاتها، وتعلم أنّ أي موضوع مُباح لها بلا قيود. وأنتم تعرفون أنّ الواقعية السحرية قدمت العالم علي أنه مُتماسك ومُنسجم لأنّ العقلاني واللاعقلاني يُشكلان معاً مجموع الواقع، في موالفة أو مغالبة للمتناقضات.وقصص العجيلي لم تكن تراجعاً أو انسحاباً من مواجهة الواقع وإنما محاولة للإمساك بالضائع، والمحجوب في الحياة الإنسانية، ذهاباً إلي الأطراف القصيّة منها لاكتشاف الكامن والمخبأ والسّري، والسؤال عن جوهره. وإذا ما اختارت (هذه القصص) القضايا الكبري، كالموت مثلاً، فإنها لا تتنكر لليومي والمعيش، بل إنّ الإنساني في قصصه هو ابن هذا المكان. هو ابنه المغمور الضئيل الصغير الباحث بدأب عن مسالك العيش ومعني الحياة، دون أن تغفل عينه مرة واحدة عن المال أو المصير. إنسان محكوم بما هو عادي وغريب في آن ٍ واحد، يُقلقله الموت والنهر معاً، الخرافة والقهر السياسي، الحب والثأر، الحاضر والتاريخ، المواربة والإحباط، والرغبة في المقاومة، ويُمكن أن نعدد العشرات من الثنائيات المتألقة أو المتضادة التي تعج بها القصص، مُشيرة إلي أننا إذا ما وجدنا الكاتب مشغولاً بالماورائيات فإنّ قدميه غائصتان في طين الأرض، وفي كل مرّة يُقدّم لنا ذلك كله في قصص حيّة، مُشرّبة بالألوان، تسري فيها حيويّة نابضة، ويخفق القلب البشري بكل آماله وهمومه.أخيراً فإنّ ما كتبته في الصفحات القليلة إنما هو أغنية نفسي عن أدب العجيلي، لأعرف إن كنت قد أجبت عن أسرار الجذب في قصصه، غير أنني كلما قرأت قصصه أقول له: شكراً. لا لأنه كتبَ عن أي قضية مهما كانت أهميتها وفحواها، وإنما لأنه كتب قصة مُمتعة، عن هذه أو تلك من القضايا، وكتبها بشكل ٍ جيّد. كاتب من سورية0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية